موريتانيا : اتفاق داكار الانتقالي.. حلم أم سراب؟

هل حقا أن السادس من أغسطس 2008 قد اغتال حلم الديمقراطية في موريتانيا؟ أم أن “إتفاق داكار الانتقالي” – الذي تم التوقيع عليه ليلة البارحة في انواكشوط – سيكتب لذلك الحلم عمرا جديدا إذا ما قدر له النجاح؟ مهما يكن من أمر.. ها هي موريتانيا تقف من جديد عند مفترق طرق حاسم، حيث ستشهد البلاد انتخابات رئاسية تعددية بعد قرابة شهر و نصف من الآن. و ينتظر أن يشكل الإعداد لتلك الاستحقاقات و حسن تسييرها و إنجازها بأقل قدر من الأخطاء و أكبر قدر من المصداقية، محكا حقيقيا لمدى جدية و التزام و شفافية كل الأطراف السياسية الموقعة على هذا الاتفاق السياسي الجديد الذي تم في “الوقت بدل الضائع” بمبادرة سنغالية و تحت رعاية دولية متميزة.


فهل ينجح “إتفاق داكار الانتقالي” – الذي يثير من الأسئلة أكثر مما يعطي من الأجوبة – في جعل فرقاء الساحة السياسية في موريتانيا يتصالحون مع بعضهم من أجل الدخول في خيارات إستراتيجية تصالحية وطنية حقيقية قصد بناء الثقة و نزع فتيل البعد الصراعي للأزمة الراهنة و إبعاد شبح احتمالاتها الصدامية المخيفة، بما يعيد ضبط و توجيه “العنف” المبطن لذلك الصراع نحو مجاله الطبيعي الذي هو التنافس السياسي السلمي؟ أم أن “ترياق داكار” لا يعدو أكثر من مناورة تكتيكية لكسب بعض النقاط في رحلة الألف ميل ضمن لعبة الصراع على السلطة و النفوذ في بلاد “السيبة”، و سينتهي مفعوله و لو بعد حين ريثما يتنفس الفرقاء السياسيون الصعداء، ليبدأ البحث عن مناورة تكتيكية أخرى؟

بالنسبة للرأي العام الوطني المتعطش للحلول السلمية و للتوافق، يبدو “إتفاق داكار الانتقالي” كما لو كان في حقيقته إيذانا بدخول البلاد مرحلة انتقالية جديدة لم تكن في الحسبان. و هي بلا شك مرحلة انتقالية جد قصيرة زمنيا و لكنها في ذات الوقت جد معقدة سياسيا و كثيفة فنيا من حيث التفاصيل الإجرائية لتطبيق الاتفاق و هي تبقى فضلا عن كل ذلك حبلى بالمفاجآت. كما أن الرأي العام الوطني لا يخفي قلقه حيال حساسية موقف هش كهذا، يجب أن تحرص فيه كل الأطراف المتصارعة، سواء في السلطة أو في الجبهة و حزب التكتل، على تأمين العبور بالبلاد نحو بر الأمان وسط عالم يموج بالأزمات و القلاقل المختلفة. و عندئذ فقط، يمكن ترميم سفينة الديمقراطية وتصحيح أخطاء مسارها واستكمال معالجة نواقصها و سد ثغراتها. إنها مسؤولية وطنية سامية لا يمكن أن تتساهل الأطراف المعنية في حسن تقديرها و التعامل معها بكل حكمة و تبصر، و إلا.. ضاع الوطن.. و ضاع معه الجميع…

إن الرأي العام الوطني المستبشر بـ “إتفاق داكار الانتقالي” و المتطلع إلى الإستفادة من ثماره التوافقية، لم ينس بعد كيف بدأت قبل سنة من الآن تلك “المشكلات الصغيرة” التي قادت البلاد إلى “التأزم” ثم إلى “الانسداد” ثم إلى “الإنقلاب” ثم إلى “الأزمة” الراهنة بكل أبعادها المنظورة و غير المنظورة. و باختصار شديد، لقد بدت بوادر تلك الأزمة للرأي العام الوطني آنذاك أي قبل سنة، مفاجئة و عابرة كغمامة صيف. و كان الكل يتوقع أن تمر تلك “المشكلات الصغيرة” بسلام كمناورات تكتيكية داخل نفس المنظومة السياسية أي الأغلبية التي كانت حاكمة (سلطة و معارضة) لتعزيز مكاسب هذا الطرف أو ذاك أو لتحسين مواقع معينة ضمن هامش محدد سلفا، و.. ربما أيضا، لكسب بعض الوقت بإشغال و مشاغلة شعب فقير و متخلف، بات يعاني الأمرين بفعل الإحباط بسبب تأخر و تلكؤ أجندة التغيير و الإصلاح و هو يعيش وسط دوامة من الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية الخانقة مع استمرار الغلاء المعيشي و تأخر موسم الأمطار لسنوات متتالية.
لكن تلك “المشكلات الصغيرة” آنذاك، ما انفكت تتعقد يوما بعد يوم. و ما لبث أن أخذت ملامح صراع داخلي مكشوف على السلطة و تقاسم المنافع بين أطراف كانت متحالفة ضمن منظومة “براديغم”paradigme سياسية حاكمة في موريتانيا ما بعد المرحلة الانتقالية الأولى (2005-2007). لينتهي ذلك الصراع المرير بين حلفاء الأمس و خصماء اليوم بتفجر تلك المنظومة السياسية من الداخل صبيحة الـ 6 أغشت 2008، و الإعلان عن انقلاب عسكري سماه مؤيدوه – وهم كثر- “تصحيحا” من باب التيامن و التفاؤل. و كان بداية مرحلة سياسية جديدة بكل تشعباتها و تناقضاتها، لا شك أن سيكون لها ما بعدها.

و بعد أن جرت مياه كثيرة تحت جسر ذلك الانقلاب المثير للجدل، و وصلت البلاد إلى حافة الهاوية وسط حالة استقطاب سياسي شديد بين القوى المؤيدة و الرافضة له، دخلت موريتانيا شيئا فشيئا في نفق مظلم. لقد تجمعت و نضجت كل عناصر تلك الأزمة، منذرة بانفجار من نوع ما قد يحدث في أي لحظة في ظل انشغال العالم بأزمته المالية. تجاذبات قوية .. خلاف سياسي مستحكم.. صراع مفتوح على السلطة والنفوذ و الامتيازات والمنافع.. اختلال جدي في مرتكزات السلم الأهلي.. تدهور خطير في موازين الاستقرار و الأمن الداخلي و الخارجي.. تحركات و مناورات إقليمية و دولية ضاغطة.. تهديدات بالحصار و العقوبات الاقتصادية.. معارك دبلوماسية طاحنة لكسب الثقة خارجيا.. أيام تفكيرية مسطحة و أجندة انتخابية أحادية.. احتجاجات و مظاهرات و مناوشات و قمع داخليا.. ارتباك و.. حيرة! باختصار.. كان ذلك هو المشهد السياسي الموريتاني قبيل اتفاق داكار الانتقالي: أطراف الأزمة و الفاعلون الرئيسيون فيها هم بين كر و فر، يتراشقون بالشتائم و عبارات التخوين المتبادل، مصممين جميعا – فيما يبدو- على الاستمرار في لعبة لي الذراع فيما بينهم و لو على حساب التضحية بالمصالح العليا للوطن و الشعب. حقا لقد أوشكت موريتانيا أن “تضيع” بين المطرقة و السندان لولا نعمة من الله.. ثم إتفاق داكار الإنتقالي هذا.

و بالرغم ن صعوبة التكهن بمسار تطبيق هذا الإتفاق و آفاقه المحتملة في الوقت الراهن، لا بد من طرح بعض التساؤلات مساهمة في إثراء نقاش وطني حول الموضوع: فما أهمية إتفاق داكار الإنتقالي و ما دلالاته السياسية و الرمزية؟ هل سيطوي الإتفاق فعليا سجل الأزمة الراهنة في موريتانيا ليفتح صفحة بيضاء؟ أم هو مجرد قرص “ايسبيرين” للتهدئة ليس إلا؟ هل تمت قراءة اضبارة الأزمة قراءة صحيحة قصد الإستفادة من أخطاء الماضي و أخذ العبر للمستقبل؟ ما هي حظوظ الفاعلين الرئيسيين في هذا الإتفاق و ما أهدافهم؟ من الرابح و من الخاسر؟ و من هو الرابح الأكبر؟

ماذا عن أدوار مختلف الفاعلين السياسيين إقليميا و دوليا؟ هل توجد إرادة صادقة و جدية لدى مختلف فرقاء المشهد السياسي الموريتاني للتأمل والتفكير والإصلاح؟ وهل ستتاح لهم الظروف الملائمة من أجل وضع تصور مبدع لتشكيل نظام سياسي أو “براديغم” paradigmeجديد مغاير وقادر على الاضطلاع بالمهام المرحلية؟ ما هي أهم ملامح خارطة النظام السياسي القادم؟ وما هي معالم التغييرات والإصلاحات التي تمليها المرحلة وما أجندتها الزمنية الممكنة؟
ما هي التطورات المحتملة والآفاق المنظورة لمرحلة ما بعد “إتفاق داكار الانتقالي” ؟ هل نضجت الظروف الموضوعية لإقامة جمهورية رابعة في موريتانيا؟ أم أن مناخ الصحراء وتقلباته المفاجئة سيبقى سيد الموقف؟

هل سيكون انقلاب 3 أغشت 2005 و صنوه انقلاب 6 أغشت 2008 – اللذين قد أطاحا برئيسين للجمهورية منتخبين و منصبين- مجرد ضجة قامت وانتهت بسلام، من خلال تسليم السلطة لرئيس جديد منتخب ومنصب على مرأى و مسمع من طوابير المراقبين الدوليين والمحليين؟ أم أن ذينك الانقلابين سيشكلان نهاية فعلية لفترة الاستقرار السياسي النسبي التي عرفتها موريتانيا منذ انقلاب 1984؟

ما هي الضمانات اللازمة لاستقرار موازين الحكم في البلاد و الخروج بها نهائيا من الحلقة المفرغة للإنقلابات العسكرية و للديمقراطيات الانتقالية بشهود أو بدون شهود؟

ماذا بعد “إتفاق داكار الانتقالي”؟ ما هي التطورات المحتملة والآفاق المنظورة؟ و ما هي رهانات المرحلة القادمة؟ كيف سيكون المستقبل السياسي لموريتانيا “الجديدة”؟ هل سيتعزز السعي نحو إقامة جمهورية رابعة؟ و ما هي الشروط والمستلزمات الضرورية لذلك التحول الكبير؟

هل ستتم إعادة تأهيل و تفعيل الطبيعة الجمهورية لنظام الحكم السياسي في البلد بما يقيم دعائم ثابتة لتأسيس جمهورية رابعة بإمكانها الاضطلاع بجدية وكفاءة بكامل مهامها ومسؤولياتها داخليا وخارجيا على أساس من الحكمة والانفتاح وحسن تقدير الأمور واحترام القوانين والنظم والمؤسسات الجمهورية في عملية تفاعل وتكامل وتطور واع ومسؤول خدمة لمصالح الشعب الموريتاني أولا وقبل كل شيء؟

هل سيتم بناء جسور حقيقية وجادة للحوار الديمقراطي بين ومع مختلف الفاعلين السياسيين الوطنيين في الساحة وخارجها وتبني مبادرة إعادة بناء خطاب سياسي وطني عصري يتعالى على الثنائية الكلاسيكية لـ “السلطة و المعارضة” ويقوم على أسس جديدة ترتكز على قضايا: (أ) مصلحة و(ب) أمن و(ج) استقرار و(د) تنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية؟
هل ستحسم – نهائيا – إشكالية شرعية الوصول إلى السلطة وتداولها لصالح التغيير الديمقراطي التعددي والسلمي – بعيدا عن كل أشكال العنف كخيار بديل- مع تبني ميثاق شرف جمهوري لنبذ وتجريم أي شكل آخر مغاير؟ و هل ستقلع موريتانيا فعليا نحو نموذج دولة القانون مع تطوير آليات ديمقراطية توفر- على الدوام- حدا مناسبا من الحرية والتعددية الحزبية والمدنية والإعلامية بما يحسم نهائيا موضوع التغيير السياسي لصالح الخيار الديمقراطي المدني ذي الطابع السلمي وبما يضمن استتباب السلم الاجتماعي ويحقق التنمية الشاملة والمتوازنة؟
هل سيتم إيجاد حل جذري لمعضلة باتت مزمنة تتمثل في تسييس و تجيير مؤسسات الجيش والأمن الوطني في لعبة استغلال واحتكار “العنف العمومي” للدولة كوسيلة للوصول إلى السلطة والتمسك بها تحت أي ذريعة؟ و هل ستوضع ضوابط قانونية واضحة و ميكانيزمات مؤسسية فعالة لتنظيم تعاطي المؤسسات العسكرية والأمنية مع مفردات الحقل السياسي، باعتبار أنها مؤسسات جمهورية، لها ما لها وعليها ما عليها بموجب القانون ولا يمكن أن تكون- بأي حال من الأحوال- “فوق” الجمهورية أو فوق “الشرعية” أحرى أن تكون في مواجهة معها كما حدث باستمرار؟

هل ستتم إعادة صياغة مفهوم و مهام الأمن الوطني و تقعيد ممارسته فنيا ومهنيا وأخلاقيا حسب مقتضيات دولة القانون. و هل حان الوقت لتغيير النظرة الضيقة للأمن وللدفاع في بلدنا، تلك النظرة المحصورة في أمن”السلطة الحاكمة” و أمن “الإقليم” على حساب أمن “البشر” أي الناس العاديين، الذين يسمون “مجازا” في بلادنا بالمواطنين. إن مثل هذا التغيير في الأفق، يقتضى من الآن فصاعدا أن تركز السياسات الوطنية أولوياتها على المواطن أولا، لتجعل من حفظ كرامته و احترام حقوقه و تحقيق طموحاته في التنمية المستدامة و رعاية مصالحه الحيوية المشروعة نقطة مرجعية لكل عمل وطني مستقبلي .

كل هذه الأسئلة و غيرها يطرحها لسان الحال و كذا السياق العام الذي يتنزل ضمنه “اتفاق داكار الانتقالي” على كل الأطراف السياسية الوطنية و الدولية الموقعة عليه مجتمعين و منفردين. و كلنا رجاء بأن تكون لدى تلك الأطراف بعض إجابات عليها و أن يتحلوا بالجرأة و الصراحة و الإحساس بالمسؤولية لكي يضعوا هذه التساؤلات -على الأقل – ضمن “جدول تفكيرهم” إذا ما هدئت العقول و اطمأنت القلوب بعد وقائع حفل توقيع الإتفاق الإنتقالي و انتهاء مراسيمه المتوترة ليلة البارحة في قصر المؤتمرات بانواكشوط. ذلك الحفل الذي كان صاخبا و غوغائيا بشكل تجاوز بوقاحة و فجاجة كل أصول اللباقة و اللياقة و الضيافة و كل قواعد “الإتيكيت” و “البروتوكول” في جو مشحون و فوضوي كان أقرب إلى أصداء مباراة لمصارعة الثيران على طريقة “الكوريدا” الإسبانية و أبعد ما يكون عن أجواء حفل شاي أخضر ” مقيوم” و “منعنع” على الطريقة الموريتانية الأصيلة.

فإلى كل ضيوف بلادي موريتانيا، أشقاء و أصدقاء من كل الدول و الجنسيات و المراتب و الألقاب، اللذين هبوا لمساعدتها في محنتها الراهنة، إليهم جميعا و فردا فردا، أقدم “اعتذاري” باسم الشعب الموريتاني و بصفتي مجرد مواطن “شاة دية” من عامة الناس، يحز في نفسي أن تمرغ بالوحل سمعة بلادي و تقاليدها العريقة في مجال كرم و حسن الضيافة على مرأى و مسمع من الجميع، أمام ضيوفها و بحضور نخب سياسية مشدوهة و مشغولة في التفكير بالمحاصصات الوزارية و تقاسم الغنائم عن أداء واجب الضيافة، الذي أقله “أكرم حديث أخيك بالإنصات”.

و لكن لماذا التشاؤم من حفل توقيع “اتفاق داكار الإنتقالي” لاستحضار الطقوس الديمقراطية بالزعيق و الشتائم و الصراخ؟ لندع الإجابة على ذلك السؤال لتلفزة موريتانيا “المشوشة” هذه الأيام و التي آثرت “مقاطعة” الحفل و خيرا ما فعلت، فأهل مكة أدرى بشعابها! أما نحن، فدعونا نجرب معا التفاؤل بإتفاق داكار الانتقالي! فربما أسهمت اعتبارات كثيرة إيجابية في إنضاج الظروف المحيطة بالاتفاق و مهدت له محليا، إقليميا و دوليا للخروج بالبلاد من المأزق الراهن و وضع الأمور على سكة الحل التوافقي و لو مرحليا. و ربما تكون التعقيدات اللامتناهية للأزمة و المنزلقات التي كانت تنذر بها و كذا مخاطر التدويل قد دفعت بالنخب الوطنية الفاعلة المدنية منها والعسكرية إلى عتبة من الوعي بالواجب الوطني تفرض عليهم التصرف بمنطق رجال الدولة لا بمنطق وكلاء سياسة حزبية ضيقة. و لعل هذا السقف الجديد من الوعي الحذر ربما يملي على الجميع ضرورة عقلنة وترشيد الرؤى والقرارات والتصرفات في سبيل الوصول إلى أرضية مشتركة تسمح بإعادة ترتيب الأولويات السياسة الداخلية والخارجية للبلاد بشكل عام، ليتم التركيز – من بين أمور أخرى – على القضايا التالية باعتبارها مفيدة لمصلحة وأمن واستقرار وتنمية مشروع الجمهورية الرابعة في موريتانيا:

– فتح مشاورات واسعة و جدية من أجل وضع تصور للشروط المرجعية لمشروع ثقافي وطني إصلاحي شامل والعمل على القيام بالدراسات التشخيصية الحصيفة لإنجاز هذا المشروع الثقافي الإصلاحي بشكل يعالج مختلف القضايا الحيوية في المجتمع والدولة، خاصة النواحي الدستورية والمؤسسية والسياسية والمدنية والقطاعية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية و كذا السعي لإجراء دراسات وافية من أجل إعادة رسم السياسات الوطنية في مجالات الأمن والدفاع والسياسية الخارجية للدولة على أسس موضوعية وإعادة هيكلة المؤسسات المكلفة بهذه الملفات وفقا للحاجيات والمصالح التي سيكشف عنها التشخيص ويتم تدعيم ذلك التصور بأجندة زمنية محددة لتنفيذ المهام وكذا للمتابعة والتقييم؛

– تعزيز روح الانفتاح و التوافق و تعميق الصلة بين جميع الاتجاهات الإصلاحية الوطنية وتشجيع التواصل وبناء الثقة فيما بين مختلف الأجيال داخل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني قصد بناء جسور حقيقية وجادة للحوار الديمقراطي بين و مع مختلف الفاعلين السياسيين الوطنيين في الساحة وخارجها، و تبني مبادرة إعادة بناء خطاب سياسي وطني يتعالى على الثنائية الكلاسيكية لـ “السلطة والمعارضة” ويقوم على أسس جديدة وجدية تتركز أساسا حول قضايا (أ) مصلحة و(ب) أمن و(ج) استقرار و(د) تنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية؛

– تفعيل أجواء الحياة الديمقراطية التعددية و تطوير ثقافتها من خلال تعميق المشاركة السياسة الايجابية و تشجيع الشفافية في تسيير الأمور العامة و تحسين إجراءات الانتخابات القادمة وضمان الحياد الحقيقي للحكومة والإدارة وتشجيع وسائل الإعلام الرسمي علي الاهتمام بالحوار والمناقشة والمناظرة العلنية حول القضايا والإشكاليات العمومية المطروحة علي الساحة الوطنية والدولية؛

– إعادة هيكلة وتنظيم الأجهزة الحكومية والإدارية للدولة بما يضمن إصلاح القطاعين المدني والعسكري ومؤسساتهما عبر إعادة تحديد الوظائف ورسم الأدوار والصلاحيات والمسؤوليات ورصد الإمكانيات وإدخال آليات فعالة للمتابعة والتقييم والمراقبة المستمرة والحرص علي حسن اختيار الرجال والنساء الأكفاء والنزهاء والوطنيين وكذا السهر علي التطبيق الفعلي لمبدأ المكافأة والعقوبة؛

– اجراء إصلاح حقيقي لقطاع العدالة والحرص علي استقلاليته وفصله الفعلي عن جهاز الحكومة وهيمنة الادعاء العام عليه وكذا إعادة تنظيم و تفعيل دور القضاء والمحاكم قصد تكريس العدالة لكل المواطنين علي السواء ومن دون تمييز والحد من الشعور بالظلم والإحباط والتهميش؛

– التصدي لمعالجة ملفات المظالم مهما كانت طبيعتها و مهما كان أصحابها، قصد دراستها و تقييمها بصورة جدية و تشاركية و معلنة بغية إحقاق الحق و إعطاء كل ذي حق حقه و الاستفادة من التجارب المفيدة لكل الأمم و الشعوب و خبراتهم النافعة في هذا المجال؛

– إعادة الاعتبار لأهمية التواصل والإعلام الحر في عالم اليوم، والمبادأة بإصلاح قطاع الإعلام الرسمي المرئي والمسموع بإعادة رسم وعصرنة إستراتيجية إعلامية للدولة وتحديد الوظيفة التواصلية الجديدة لوسائل الإعلام في ظل سيادة الديمقراطية ودولة القانون من جهة وسن القوانين والمراسيم التطبيقية لحرية إقامة واستغلال مؤسسات إعلامية سمعية وبصرية خصوصية وضمان احترام اختياراتها ومواقفها واستقلالية شؤونها؛

– إصلاح وإعادة تنظيم قطاع الإعلام والتواصل بما يتماشى مع وضع دولة ديمقراطية تعددية ترجع السيادة فيها للشعب والولاء لمؤسسات الجمهورية ويطبق فيها القانون والنظام بمساواة وعدالة. ويمر هذا الإصلاح حتما بإعادة هيكلة وزارة الإعلام و المؤسسات الإعلامية العمومية بما يحدث قطيعة مع الخلفية السيكولوجية المبطنة للخطاب الديماغوجي الرسمي و المتمثلة في التعود على احتقار المتلقي و الإستخفاف بعقله و كذا تفعيل الهيأة العليا للسمعيات البصرية كمؤسسة جمهورية كاملة الصلاحيات تمارس وظيفتها باعتبارها سلطة للتنظيم؛

– مراجعة و إعادة رسم السياسات الوطنية في مجالات الأمن والدفاع و السياسية الخارجية للدولة على أسس وطنية موضوعية و مهنية و إعادة هيكلة المؤسسات المكلفة بهذه الملفات وفقا للحاجيات و المصالح التي سيكشف عنها التشخيص العلمي و يتم تدعيم هذا التصور الأولي بأجندة زمنية محددة لتنفيذ المهام وكذا المتابعة و التقييم؛

– إنشاء مجلس وطني للأمن القومي، على غرار النماذج الدولية الناجحة (الهند مثلا)، يتألف من شخصيات وطنية معروفة بأنها فوق الشبهات وعالية الأخلاقية والخبرة والموضوعية ويشترك فيه مدنيون وعسكريون وتكلف هذه الهيئة بمساعدة رئيس الجمهورية على اتخاذ القرارات الصحيحة والمفيدة لمصلحة الجمهورية؛

– مراجعة و تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر و كذا ميكانيزمات تنفيذها بغية تبني عقيدة تنموية تشاركية جدية و فعالة قادرة على تلبية تطلعات الشعب الموريتاني نحو تحقيق التنمية المستدامة التي تظل أهم مقوماتها تتمثل في القدرة على تصور و تنفيذ الإصلاحات الضرورية و الحرص على تطبيق أسس الحكم الرشيد و نبذ الفساد و ترشيد المصادر و العناية بالإنسان و ظروفه المعيشية و حشد الطاقات الخلاقة و تشجيع قيم التسامح والتضامن و نبذ التقوقع و الانغلاق و مكافحة الفقر و التهميش؟

– استكمال و تفعيل تنفيذ إصلاحات اللامركزية الإدارية، على غرار النماذج الدولية الناجحة (فرنسا مثلا) وذلك من خلال استحداث استصلاح ترابي وتقطيع إداري على أسس المزايا التنافسية avantages comparatifs للوحدات الجغرافية مع استحداث مجالس ولائية CR على مستوى الولايات و مجالس عامة CG على مستوى المقاطعات، يتم انتخاب أعضائها بواسطة الاقتراع العام المباشر و تمنح الصفة القانونية و الوسائل المالية للقيام بمهامها التنموية على المستويين الجهوي والمحلي وافتتاح ممثليات لجميع الإدارات و المصالح المركزية على المستويات الجهوية و المحلية وإعادة تأهيل الكادر الإداري و الفني بغية الاضطلاع بالمهام الجديدة من أجل تقديم الخدمة للسكان عن قرب و تعزيز شعورهم الايجابي بالانتماء للدولة؛

– إحياء وتطوير بعض المؤسسات الجمهورية الكسيحة، كوسيط الجمهورية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي من حيث هي مؤسسات دستورية قد تشكل مرجعية لتفعيل جهود إصلاح المجتمع المدني و تعزيز قدراته و كذا تنسيق أدواره كشريك كامل الأهلية و كمحاور للحكومة، كما يطالب بذلك اتفاق الشراكة المعروف بـ “كوتونو” Accord de Partenariat de Cotonou 2000 المصادق عليه من طرف الحكومة الموريتانية في إطار الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و مجموعة 77 لدول أفريقيا و الكاريبي و المحيط الهادي و كذا تفعيل وتنشيط أدوار هذه المؤسسات ودعمها بالقدرات البشرية والمهنية والمالية من أجل اضطلاعها بمهامها التنموية والتحكيمية المفيدة.

– تفعيل حقيقي و تطوير جدي للبرنامج الوطني “للحكم الرشيد” في إطار الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر، بما يضمن خلق و تطوير و نشر ثقافة الديمقراطية بين المواطنين، مدنيين و عسكريين، و تشجيع الولاء لمؤسسات الجمهورية و لبرامج و أفكار محددة بدل ثقافة التملق و النفاق و الولاءات الخادعة للأشخاص و للكيانات الضيقة، و إعادة تكوين الموظفين و وكلاء الدولة القائمين على المرافق العمومية وفق ثقافة الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان و رعاية مصالح المواطنين؛

– إصلاح السياسة الخارجية للجمهورية، من خلال بلورة استراتيجية وطنية للسياسة الخارجية واضحة المعالم، تقوم على أساس السعي نحو تحقيق مصلحة وأمن واستقرار وتنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية و تنبني على (أ) احترام اختيارات و قيم الشعب الموريتاني عبر البرلمان أو الاستفتاء (ب) توظيف الكادر المهني المتخصص و صاحب الخبرة (ج) استقراء علمي موضوعي لمعطيات العلاقات الدولية و الممارسة الدبلوماسية و آفاق تطوراتها واتجاهاتها (د) و استغلال جيد و معقلن لمزايا التكنولوجيات الحديثة في مجال الاتصالات و المعلومات و الشبكات الرقمية المستقلة المشفرة و المحمية .

– تبني الدولة لسياسية وطنية جادة في مجال ترقية البحث العلمي بصفة عامة، و خصوصا في مجالات العلوم الإنسانية و إنشاء و دعم مراكز للدراسات الإستراتيجية و تحليل السياسات الإنمائية وفق المعايير الدولية المعمول بها، بغية تشجيع الإسهامات العلمية الوطنية و ترشيد و عقلنة آليات اتخاذ القرارات، في مختلف الحقول، بما يمكن أصحاب القرار من الوصول إلى الأهداف المرسومة و الحصول على النتائج المتوخاة بنجاعة و مهنية في الأداء؛
و في انتظار “غودو” (Godot) الموريتاني الذي سينتخب يوم الـ 18 يوليو (تموز) القادم ، سيلتقط الموريتانيون أنفاسهم المتقطعة على أبواب صيف انتخابي ساخن، في انتظار موسم الخريف القادم الذي يرغب الجميع في أن يكون ماطرا ليروي عطش الأرض و يسقي البشر و الحرث و الضرع بغير غمائم المناورات السياسية و سيول الوعود الانتخابية المعسولة التي سئمها الناس منذ سنوات و ضاقوا بها ذرعا.
بطبيعة الحال لا أحد يستطيع التكهن بمآل”اتفاق داكار الإنتقالي”، فليس من السهل العثور على الطريق القويم في مجال السياسة والحكم وتسيير الشأن العام. و إذا كانت طريقة المحاولة والخطأ ربما تكون باهظة من حيث الجهد والوقت والتكلفة، فإن مما لا جدال فيه، أن هذه المجالات تعتبر بالغة الحساسية ولا يمكن أن تنسجم مع الارتجال والتذبذب ولا مع التهور و السلبية. إن حياة أمة ما لا يمكن أن تتوقف عند وضعية جامدة، فديناميكيتها الذاتية و علاقاتها مع الآخرين تستمر و تتغير. و ينتج عن ذلك كم هائل من الأفعال وردود الأفعال قد يكون البعض منها اختياريا والبعض الآخر اضطراريا، بيد أنه يجب أن تكون جميعها منظمة و منسقة في إطار سياسة وطنية محكمة ذات أهداف واضحة، توضع في خدمتها الإمكانيات البشرية و المادية و المالية و مناهج العمل الأكثر تطورا خدمة للصالح العام و من أجل الشعب.

و بمناسبة التوقيع على “اتفاق داكار الإنتقالي”، يجب على مختلف الفاعلين السياسيين في موريتانيا – سواء في السلطة أو في الجبهة و في حزب التكتل – أن يتذكروا جيدا بأن هذا الاتفاق مهما كانت مزاياه ليس نهاية المطاف. بل إن الطريق نحو تحقيق الديمقراطية والتنمية المستدامة والاستقرار في بلادنا ما يزال طويلا وشاقا. وهو يتطلب من كل طرف على حدة، المزيد من العمل الجاد و المثابرة والتضحية والانضباط والقدرة على ممارسة النقد الذاتي والمراجعة المستمرة والانفتاح، بغية الإسهام الفعال في مسيرة الإصلاح الوطني وتسهيل التحول الديمقراطي وتعزيز قيم المواطنة و الانفتاح في هذه البلاد.

وإذا كان صحيحا، من الناحية النظرية، بأن من مزايا الديمقراطية أن يكون الفقراء ملوكا في بلدانهم لكونهم الأكثر عددا، بحسب أن إرادة العدد الأكبر من الناس لها قوة القانون كما يقول الفيلسوف آرسطو في كتابه “في السياسة”De la politique ، فهل سيستطيع فقراء موريتانيا – وهم بلا شك يمثلون الأغلبية الصامتة – أن يستفيدوا من هذه المزية لتغيير واقعهم المعيشي المزري وتحسين ظروف حياتهم البائسة؟ أم هل سيقود الصراع الشخصي و الفئوي على السلطة والنفوذ موريتانيا و فقراءها نحو المجهول؟ لتبقى البلاد – كما ظلت دوما – جزء من “منطقة الاستعصاء” على الديمقراطية الممتدة من انواكشوط غربا إلى جاكارتا شرقا !

إن هوس التعلق بالسلطة و التزاحم على المغانم، لا يمكن – بالتأكيد- أن يشكل نهاية سعيدة لمسار نصف قرن من عمر الدولة الوطنية في موريتانيا. كما أن حياة هذا الشعب لا يمكن أن تتوقف عند حالة متصلبة. بل يجب على الجميع البحث دون كلل – داخل ركام التناقضات و الإكراهات المختلفة التي تؤثر على ارتباطات البلاد و تصرفاتها الداخلية و الخارجية- عن ثوابت المصالح الوطنية العليا للشعب والتمسك بها والدفاع عنها مهما كلف الثمن.
مرة أخرى، يتضح جزء من الصعوبات والتحديات اللامتناهية التي تواجهها مشاريع التحول الديمقراطي في بلدان العالم النامي. و لعل من أغرب مشاهد تلك التجارب وأجدرها بالدراسة والتتبع – ضمن السياق العربي الإفريقي- مشهد تجربة الديمقراطية الموريتانية الذي يمكن اختصاره في مغامرة تشييد صرح ديمقراطي فوق رمال الصحراء المتحركة. فهل سيشكل “اتفاق داكار الإنتقالي” بعثا حقيقيا لحلم الديمقراطية المتعثرة في موريتانيا؟ أم سيبقى مجرد سراب بقيعة؟

انواكشوط، 6 يونيو (حزيران) 2009


* باحث وخبير استشاري medsaleck@gmail.com