الرحيل الإجباري

انقلاب فأزمة سياسية فحوار فانتخابات، بهذا الرباعي ، وصل محمد ولد عبد العزيز السلطة، وبنفس الرباعي يريد للمعارضة أن تكسبه الشرعية مرة بعد أخرى ، وتحكم على نفسها بالفشل ، كي تظل تندب حظا عاثرا ويتكرم عليها ولد عبد العزيز بفنون التزوير ويبدع في التكهن بالنتائج قبل إعلانها.

في السابق تنادت قوى المعارضة إلى اتفاق دكار، واشترطت للمشاركة الكثير من الشروط بما في ذلك إشراكها في حكومة ما قبل الانتخابات، و لم يكن حينها التحكم في ميكانيزما اللعبة السياسية التقليدية والتأثير القبلي والعسكري في الحياة السياسية بيد ولد عبد العزيز لما انصاع للحوار في الوقت بدل الضائع ، لكن ذلك لم يمنع القوى السياسية من التعامل مع ولد عبد العزيز بنوع من النصح من أجل إعطاء فرصة للعملية الديمقراطية، إلا أنه ضرب عرض الحائط بذلك وقلب الطاولة ، ونكث بالعهود والمواثيق.

بعد ذلك توجه طيف آخر من المعارضة نحو عزيز ليمنحه فرصة ثانية عله يكون أوفر حظا في تقديم نتائج ايجابية للحوار بين السياسيين، فما كان منه إلا أن أصبح أداة في يده، يحركها أنى شاء.

بالأمس القريب وفي لحظة من لحظات التاريخ الحاسمة في منطقتنا العربية، اجتاح نسيم الربيع العربي المنطقة ولم يكن ليتجاوز ارض شنقيط من دون وقفة تأمل في وضعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي المزري نادى بصوته العالي القوى الشبابية التي كانت خارج المشهد السياسي ونادى من بعدها القوى السياسية المعارضة فرفع الجميع شعار “ارحل” ، قد تكون المراهقة السياسية، التي تحركها الثورة الدفينة وعدم الواقعية هي التي دفعت الشباب الموريتاني لتبني نهج الرحيل، لكنه لا يمكن القول بأن الأحزاب السياسية كانت تعيش طفولة ثورية وإنما استندت في مقاربتها إلى عدة أمور، إلا أنها ربما تكون تناست أو نسيت أمورا أخرى، ليبقى السؤال المطروح بإلحاح ، هل كان شعار الرحيل قناعة لدى الطيف السياسي؟ أم انه كان تكتيكا سياسيا فحسب؟، أم فعلا استراتيجيا؟ ومهما تكن الإجابة على تلك الأسئلة والتي قد نختلف جميعا في الإجابة عليها إلا انه يمكن ملاحظة أمور أساسية كانت وراء شعار الرحيل لدى المنسقية وهي:

-أن البلاد تعيش أزمة سياسية متعددة الأوجه منذ ما قبل انقلاب 2005، وبأن المراحل الانتقالية الماضية لم تكن سوى عبارة عن مهدئات مسرطنة للوضعية السياسية وأنه من واجب الأحزاب السياسية علاج الوضعية الراهنة بنوع من الحزم والشدة قبل أن تجد نفسها تبتر الوطن المحتاج إلى علاج سريع. – قناعة القوى السياسية في المعارضة بان وحدة الصف ، هي الوسيلة الوحيدة القادرة على التصدي لأجهزة النظام.

– فشل الأحزاب السياسية ، في فرض أي نتائج ايجابية من خلال الحوار مع النظام ونكوصه الفطري عن المواثيق والعهود.

-تحول النظام الموريتاني إلى أداة هدم من خلال سياسيات فرق تسد بين الشرائح الموريتانية

– انتقال البلاد من مرحلة الفساد الأصغر إلى الفساد الأكبر من خلال النهب الممنهج للثروات الأولية وتبذيرها

– إرادة النظام إعادة هيكلة الحياتين الاقتصادية والسياسية على مزاجه من خلال خلق طبقة موالية له.

-الوضعية المزرية التي تعيشها كافة الطبقات الاجتماعية وانتشار البطالة والجريمة المنظمة، حتى بات النظام نفسه ضالعا فيها من خلال رأسه.

كل هذه القضايا تبرر شعار الرحيل فلماذا لم يؤت أكله بالطريقة المرضية ؟ قد يحاول البعض تبرير ذلك بفشل الربيع العربي باعتباره الملهم الأول ، ويحاول آخرون إرجاعه إلى ضعف السند الشعبي لهذا الشعار، لكن من وجهة نظري، أن الربيع العربي رغم ما اعتراه من تشوهات لا يزال أصحابه يتمسكون به ، رغم آلة القمع والتنكيل من المدافع إلى الكيماوي ، أما المد الشعبي فلا يمكن لأحد تجاهل مسيرات مابين المسجدين التي حشدت فيها المنسقية عشرات الآلاف من مناضليها ومناصريها، وباتت تهدد النظام في بيته الداخلي، ولاحت نذر انشقاقات داخله، لكن و بموضوعية يمكن القول بان المعارضة، قد راهنت على عزيمة وصبر أعضائها ومناضليها وطول نفسهم وهو على ما يبدوا لا يزال يحتاج إلى إثبات، أو أن المعارضة لم تبذل جهدا في المحافظة على طول النفس الكافي لفرض الرحيل.

وفي سبيل ذلك يجب على المنسقية اليوم أن تنتهج الرحيل الإجباري وذلك من خلال مقاربة سياسية مشفوعة بضغط شعبي ويتمثل الرحيل الإجباري في التركيز على الأمور التالية:

-إعادة تهيئة مناضليها لمرحلة تصعيد ضد النظام، متواصلة وبنفس أطول من سابقتها.

-التركيز على العامل الزمني الذي لم يعد لصالح النظام.

-الحفاظ على تماسكها بل والسعي إلى تفكيك النظام نفسه من باب أن أفضل طريقة للدفاع عن النفس هي الهجوم.

-ممارسة ضغط سياسي داخلي وخارجي والدفع نحو تأزيم الوضع، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، ليجد النظام نفسه بين المطرقة والسندان، ولن تكون الخيارت أمامه بالكثيرة، عندها سيلجؤ لأحد الاحتمالات التالية:

– إما أن يقدم على تنظيم انتخابات رئاسية بشكل أحادي، وهو ما سيفاقم الأزمة السياسية داخليا وخارجيا

-وإما أن يؤجل الانتخابات الرئاسية عن موعدها وبذلك يكون قد قضى آخر شعار لشرعيته الوهمية، التي يتبجح بها بين الفينة والأخرى.

-إما أن يقبل بشروط المعارضة التي يجب أن لا تكتفي برتوش انتخابية كما يراد لها في هذه الأيام،بل يجب ان تسعى الى حوار وطني شامل يعيد صياغة الخارطة السياسية من خلال تحييد الجيش والسلطة والقبيلة عن العملية السياسية برمتها،عندها ستكون الكلمة الفصل للقوى السياسية في تلك الانتخابات وسيجد النظام نفسه خارج المشهد السياسي بإرادته أو بغير إرادته.