استقلال الدولة أم استمرار السيبة

1-116.jpg

البلاد السائبة أو بلاد السيبة تسمية أطلقها الولي الصالح الشيخ محمد المامى على بلاد صحراء الملثمين أو موريتانيا كما أصطلح عليه لاحقا، كان الولي الصالح يعي تماما ما يقصد, فالبلاد لم تعرف سلطة مركزية في تاريخها و لم يكن للمستعمر أطماع كبيرة في احتلالها, فبسط النفوذ عليها جاء متأخرا لقطع الطريق على ألمانيا النازية التي تبحث عن موضع قدم في إفريقيا حينها إلى جانب فرنسا، وأيضا أطماع اسبانيا التي توجتها فيما بعد باستعمار الصحراء الغربية، إضافة إلى حاجة فرنسا الإستراتيجية في ربط مستعمراتها المتجاورة (الجزائر, المغرب و السنغال).

ثم إن المراسلات التي عثر عليها للشيخين المجددين : الشيخ سعد بوه والشيخ سيديا باب تشير بصراحة إلى حاجة البلد في سلطة توفر الأمن وتمنع السلب والاعتداء المنتشر في البلاد, يقول الشيخ باب أن ما رآه في بلاد السودان (السنغال) من امن وعافية ورخاء عيش في ظل سلطة النصارى يبرر التعامل معهم لوقف السلب والقتل والتعدي على أعراض الناس خاصة يقول أنهم يتركون للناس حرية معتقدهم و دينهم هذا من جهة.

من جهة أخرى لم يكن للمقاومة العسكرية دور أساسي في خروج المستعمر, نعم حدثت مقاومة عسكرية سقط فيها أبطال ,لكنها كانت متواضعة وغير منظمة ولم يكن الدافع الوطني وبناء الدولة من أهدافها، بل كان عامل صراع النفوذ الاميرى ورفض الايتاوات و العشور و الحساسية اتجاه النصارى من اكبر دوافعها وتوقفت مبكرا سنة 1932 لتستمر فرنسا تجول وتصول دون مقاومة والى غاية خروجها الطوعي والإختيارى سنة 1960.

وحتى المقاومة الثقافية (منع الشباب من دخول المدارس الفرنسية) التي تذكر بكثرة كانت لها نتائج سلبية أضرت بالمجتمع إبان تأسيس الدولة فغياب الكادر البشرى من مهندسين وأطباء وإداريين وحتى مدرسين انعكس سلبا على أداء العمل الحكومي وبناء المجتمع
والحقيقة أن المقاطعة الثقافية جاءت نتيجة جهل الفوائد العلمية للمدارس، والدليل أنه بعد اكتشاف تلك الفوائد أدخل رواد المقاطعة الثقافية أبنائهم في المدارس التعليمية والدليل الأكثر قوة اعتماد الدولة في تأسيسها على تلك الثلة القليلة التي نجت بفضل الله من تلك المقاومة الثقافية الموجودة بفخر واعتزاز في حكايات من يكررونها صباحا ومساءا في إذاعتنا وتلفزيوننا بمناسبة عيد الإستقلال.

ثم إن فرنسا لم تترك أبسط البني التحتية والمنشآت في موريتانيا عكس الجزائر والسنغال مما يعنى أنه لانية لفرنسا في البقاء في موريتانيا أصلا.

إذا لنكن واقعيين فلا حاجة لقلب المفاهيم وإعطاء أشياء مغايرة للواقع, المقاومة الثقافية والعسكرية لم تطرد المستعمر ولم يكن لها دور مباشر في خروجه.

ومن الواضح أيضا أن النضال السياسي السلمي هو الذي أوجد مشروع الدولة ( قانون الإطار المنظم للإستفتاء بنعم أو لا 1958) بفضل طموح وعزيمة المؤسس المرحوم المختار ولد داداه ورفاقه، وقد واجهتهم صعوبات كبيرة في بداية التأسيس : انعدام الثروات البشرية والمادية, عدم الاعتراف الدولي, غياب مجتمع الدولة، التخلف، الجهل ,الفقر، لكن عزيمة وإرادة جيل الاستقلال أثمرت في تأسيس نواة دولة حقيقة، حققت الكثير في فترة وجيزة، يقول الرئيس المختار حين سئل عن تلك الانجازات أنه حين يستحضر ما تم انجازه بالفعل يشعر بان الكثير قد تحقق، وحين يفكر في ما ينتظره من العمل في المستقبل يجزم بأنه لم يتحقق شيء.

على كل حال اصطدم مشروع الدولة في ظروف لا يتسع المقام لسردها إلى رغبة الضباط للإطاحة بنظام الحكم.

بذالك الانقلاب دخلت البلاد في دوامة من عدم الاستقرار السياسي، صراع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية من اجل السلطة مما يعنى أنه لا مشروع مجتمعي للعسكر إلا الوصول للسلطة، لا خطط تنموية أو اقتصادية أواجتماعية ,عادت الدولة والمجتمع إلى الوراء أنتشر الفساد والمحسوبية على نطاق واسع ولازال حالنا كذلك إلى اليوم ونحن نخلد الذكرى ال53 لاستقلال الدولة, والواقع أنه استغلال الدولة لا استقلالها، استغلال ثرواتها ومواردها لمآرب شخصية وقبلية ,وسنحاول دون أن نتهم جزافا أن نبرهن الانعكاسات السلبية لذلك الإستغلال في أوجه وملامح ملموسة ومتفق عليها.

تتوقف الحياة في عاصمتنا الفتية لتصبح منكوبة بمجرد تسا قط 5ملم من الأمطار ,الصرف الصحي غائب وكأننا في عالم لفريك.

المواطن يعيش تحت خط الفقر ,الدخل القومي فينا غير مصنف ,فبلادنا من البلدان القليلة التي لم تتأثر بالأزمة المالية العالمية الأخيرة لعدم أتباعها نظاما اقتصاديا مصنفا فلا الاقتصاد الليبرالي أو الأشتراكى يحكمنا.

التعليم هزيل والمناهج الدراسية مرتجلة، المستوى الد راسى ضعيف، جامعتنا الوحيدة غير المكتملة تخرج دون مستوى، البطالة مصير الخريج لا أمل في التعليم العالي لأبناء وطننا إلا إذا كان من بينهم محظوظا تملك عائلته نفقات دراسته في الخارج.

المدرس يخون مهمته المقدسة، الشرطي والدركى يخالف القانون بالرشوة، الصحفي لايمتهن مهنته بل يحترف الاسترزاق ويضايق الفنانين في مهنتهم التقليدية.

ثروتنا الاقتصادية منهوبة, الفساد المالي والإداري منتشر, التحايل علي المال العام يعد صاحبه فينا بطلا، فلم يسجل تاريخ دولتنا محاكمة أو استقالة مسؤول حكومي بدافع وطني .
نعيش التبعية الاقتصادية المذلة فمساحاتنا الزراعية البالغة 140000ألف هكتار تستغل منها 15فى المائة ونستورد كافة حاجاتنا الغذائية، رغم خصوبة أراضينا لكافة المحاصيل الزراعية
مجتمعنا يعيش اختلالات حضارية واجتماعية خطيرة، فلكل أسرة ولكل عائلة ولكل قبيلة قريتها ومدرستها ومرافقها العمومية, ومكتبها الأنتخابى, ومجدها الموجود في قصص وأحلام الخيال في عصر أصبح العالم فيه قرية واحدة, واقع أوجده جشع وطمع الطبقة السياسية ولزيادة الأعباء علي كاهل الدولة.

نظام الحكم فينا يتم وفق الرغبة والمزاج الشخصي، حين يكون الأمل بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة ممكنا وقائما,يعزل الجنرال الرئيس المنتخب ويودعه في زنزانته الانفرادية ثم يطلع علينا مبررا ذالك بردة الفعل أصبح مصيرنا بين الفعل وردة الفعل، وليس هذا فحسب, يخرج مثقفونا وكتائب برلماننا ومجلس دستورنا مباركين ومهنئين بالعهد الديمقراطي الجديد.

أما مصيبتنا الحزينة فتبقي قلب كل تلك الحقائق وإعطاء صورة وردية تخالف الواقع والحقيقة لنجسد بدقة بلاد السيبة أو الدولة السائبة كما تنبأ الولي الصالح الشيخ محمد المامى منذ أكثر من مئة سنة.

حفظك الله يا وطني
1-116.jpg


محمد محمود ولد الناه