بين الإلحاد والتفكير…والتوجيه والتكفير

لم يعد سرا أن ثمة في بلاد المرابطين أو بلاد شنقيط الموسومة بالمنارة والرباط من يجاهر بعبارات وتصريحات تارة تصطدم ببعض المفاهيم العقدية،(بعضها صارخ الإلحاد ) وتارة أخرى تنخر في صلب الحياءوالذوق الرفيع، وتارة تحاول كسر ضلوع ما تعارف عليه الخيرون من أبناء البلد من وقار وحشمة سيما في تعاطي الأمور العلمية والفكرية…وليست موجة “الانحراف” هذه إلا جزءا من انحراف قد يتخذ أنماطا ومظاهر مختلفة، لكنها في نهاية المطاف تصب في بوتقة التطرف وخانة “الاختلال الفكري” أيا كانت الزاوية التي يطل منها ذلك التشوه الفكري ،وغالبا ما يكون “التطرف” رد فعل غير موفق لمقتضيات متعددة على تطرف يطل من زاوية أخرى مقابلة..وبالاعتدال في الطرح والوسطية في التعاطي والفهم،ونشر العالة وتوفير الحريات وعدم دفع الانحراف أيا كانت زاويته بانحراف آخر أيا كانت درجته يمكن الرجوع بأقل الخسائر إن صح التعبير ..أو بعبارتنا الدارجة ” ما اموت العجل الا تيبس الداتيت ”

في هذا السياق تتنزل مواقف وقراءة شباب ضاق ببعضهم رحب فضاء ما ..شباب يتوقدون ذكاء وعبقرية…شباب يحسون بشيئ ما على هذا الكوكب الدوار غير سليم..يودون لو يقومون اعوجاجه .شباب يبحثون عن “الحقيقة” التي يقتنعون بها لاالتي يرغمون على اجترارها دون استيعاب واعتقاد…شباب قد تشطح بهم الكلمات فيتجاوزون خطوطا سيفهمون عند النضج أنها كانت فاقعة اللون مرة المذاق، قد لاتساعد رائحتها على ترديد النفس كثيرا.
شباب فتحوا عيونهم على عالم متشابك يستطيع أحدهم بضغط يسير على زر صغير أن يجوب بلاد الله الواسعة عبر الشبكة العنكبوتية وهو متكئ على حصير متواضع أوتحت خيمة تذروها الرياح ،ويطلع على ما تيسر له من معارف وعلوم وأفكار ورؤى..وأن يعاشر ويحاور من يصفي من الأقران والأحبة دون رقيب أو حسيب..

لذلك من الطبيعي أن يتأثر بعضهم ببعض الأطروحات الفكرية والثقافية التي ربما تصادم ما ألفه المجتمع وما يؤمن به وما “يقدسه” ،أو تشكل احتكاكا مزعجا مع بعض المفاهيم والقيم الأخلاقية التي يبناها المجتمع.

صحيح أن للأسرة دورا كبيرا في توجيه الأبناء وتربيتهم وفق الأسس والمبادئ التي تواضع عليها أبناء المجتمع ، لكن في ظل”صخب المدينة” وضوضاء الإنترنت” تصبح سلطة الأسرة محدودة التأثير أحيانا بل وربما تخور قوة القيم المجتمعية فيتحرر بعض الشباب من كثير مما لقنه لهم ذووهم ومجتمعهم.

وبطيعة الحال فإن من واجب المجتمع انطلاقا من عقده الديني ورباطه الاجتماعي أن يحاول رد هؤلاء إلى جادة الصراط السوي بالطرق المناسبة ،وأن يبدأ بعلاجهم بالأليات والسبل المتاحة عل وعسى..وليس من المنصف الحكم على المريض ب”القتل الرحيم “عند أول تشخيص.

ويمكن في هذا السياق مراعاة مجموعة من الضوابط:

– إجماع إعلامي على عدم نشر ما فيه ” تطاول مسف” على الدين وعلى الرموز الدينية وهذا أمر واجب شرعا وتعززه القوانين والدستور.وليعلم هؤلاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم الاستماع للشعر الذي فيه هجو له فما بالك بنشر النثر المتطاول عليه.

-التحقق من نسبة “القول الموهم” إلى قائله حتى لايؤخذ أحد بجريرة لم يرتكبها.

– التحقق من مراده من ذلك القول ومناقشة الدال حتى نتوصل إلى “المدلول” المراد عند قائله لاما قد يفهم البعض منه، وهو ما قد يخفف عند تحري الأمر من حدة بعض المقولات والتحليللات لسوء اختيار العبارة جهلا لاعمدا.وربما يؤدي إلى اعتراف القائل بالخطإ وبالتالي رجوعه أو تحويره ليناسب ما يريد دون أن يصطدم بجدار “الانحراف.” وحينها نكسب الرهان دون خسائر.وأعتقد أن مفهوم “الاستتابة” في الفقه الإسلامية يتفيأ هذا الظل ..فالفرصة التي تعطى “للمرتد” حتى يؤوب إلى رشده –وإن اختلف العلماء في مداها الزمني- لاتعني بالضرورة وضع السيف على الرقبة ومطالبته بالعدول فورا أو حز رأسه..بل يكون نقاشه ومعرفة أسباب انحرافه كفيلة بحصاد ما لاتحصده “الصوارم”فمعرفة مكمن الانحراف وتبيين الشبهات قد يزيل الدرن والرين ..ولنا في حوار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من أسلم وأعلن عدم إقلاعه عن الزنا درس في ” المجادلة بالتي هي أحسن” وقد أقلع الرجل مقتنعا لا تحت حد “الخوف من “الحد الشرعي”.

– -البحث عن نقاط التقاطع والالتقاء مع هؤلاء لتكون جسرا للتفاهم والتواصل ..فليس كل ما يؤمنون به أو يصدحون بترتيله “فسادا وخسرانا مبينا” بل فيه أمور يشترك فيها معهم الخيرون من أبناء هذا البلد ..واللجوء إلى خيوط التلاقي وتقوية نسجها أعظم أجرا وفائدة وأكثر جدوائية من استئصال المترهلة والمتآلكة بأسلوب قد يعزز من تآكلها وترهلها نهاية المطاف.

– .إن بعضا منهم يتقاطع مع الكثيرين في محاربة الظلم تحت أي شعار ، والوقوف إلى جانب الطبقات المهمشة والاصطفاف إلى جانب المحرومين وابن السبيل والسائلين..والشوق إلى الحرية التي هي من أجل النعم على العباد ،والتطلع إلى دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون،ومحاربة الغلو في فهم الشرع مما قد يكون سندا للغلاة لسفك الدماء البريئة من المسلمين قبل سواهم ،وتخريب بيوت المؤمنين قبل بيوت غيرهم تحت صرخات :التكبير”التي يضعها هؤلاء في غير سياقها السليم،وتترك هزات ارتدداية من غير المحصنين تجاه هذا “التكبير” فضلا عن مصادرة حقوق الآخرين والحكم عليهم وتنفيذ الحكم وفقا لفهم وتأويل أولهما ضيق والآخر غير سليم.

-على حملة الشرع وحفظته والعاملين فيه إزالة اللبس عن كثير من المفاهيم والمصطلحات التي قد يركن إليها البعض لما يراه نقدا للإسلام أو بعض شرائعه وهو في حقيقة الواقع قد يكون نقدا أو رفضا لفهم معين أو تأويل محدد أو سلوك حمل طابع الدين بفعل قوانين المجتمع التي قد تضع شعارات “الدين” على بعض معتقداتها أو سلوكها دون وجه حق حتى تنجلي الحقيقة ويزول الغبش .أوقد يكون إعجابا بفكرة ما أو خطاب ما يتبناه هذا المفكر أو الباحث أو ذلك ولذا من المفروض أن يزال الغبش وتجد الأسئلة العقدية والفكرية المعلقة إجابة مقنعة
فالدعاء بالويل والثبور أقل إقناعا من كشف المستور وتوضيح الإشكال.

فما أحلى أن تتعانق “العاطقة” والعقل” في علاج المشكل لا أن نتكئ على عاطفة إيمانية غير “معقلنة” ولا أن نستند إلى عقل محايد لا تخالجه العاطفة الإيمانية.

لاننكر أن بعض هؤلاء قد يشطح كثيرا ويعلن عداوته للإسلام دينا وللمسلمين أمة وهذا المستوى من التطرف لايمكن أن يكون وراءه بحث عن “الحقيقة المطلقة” أو تأويل فاسد .أومآزرة فكرة نبيلة..لكن ربما يكون هؤلاء قلة ولا ينبغي محاسبة الأكثرية بشراسة ثلة قليلة.

تأسيسا على ما تقدم لايمكن اعتبار الاندفاع إلى التكفير وقطع الصلات والحبال حلا لمشكل هؤلاء الفتية الذين لم يوفقوا في وضع أقدامهم الصغيرة على جادة الصراط المستقيم. قبل اتخاذ خطوات علاجية تبحث عن مكمن الخلل وموضع الداء وغرز الإبر في الموضع السليم بدل أن نغرزها في مكان حساس قد يصيب صاحبه بالشلل أو فقدان جزء مهم من جسمه .

صحيح أن للشريعة أحكامها ولا دخل للإنسان فيها لكن هذه الأحكام تتطلب سبرا وغورا دقيقين إن تعلق الأمر بإعلان خروج شخص ما من دائرة الملة ..نعم ثمة ما يخرج من الملة وليس أحد أحرص على العباد من رب العباد وهو اللطيف الخبير..

لذلك وضع الشرع ضوابط للحدود حتى لايستستهل الناس دماء وأموال وأعراض آخرينوعلى هؤلاء “الثائرين” بالمقابل أن يستوعبوا أن الشرع وضع لكل “حادث” حديثا” حتى لاتتسرب الفوضى إلى الأقوال والأفعال.

بالحوار العقلاني وبالمعاملة الحسنة قد يحصل ما لاتجنيه دعاوى التضليل وفتاوى التكفير
هؤلاء-أو بعضهم – ليسوا عملاء ولا حاقدين على المجتمع ( دعونا نحسن الظن بهم حتىنجد ا دليلا بواحا فيه لنا من الله برهان) بقدر ماهم باحثون عن ضالة لم يسعفهم الطريق إليها فاللازم إرشادهم وتوجيههم بالحوار والإقناع وليس بالتضليل والتكفير.

صحيح أن بعضهم قد يشطح ..ولكن ليس سبه أو شتمه أو نبذه وسيلة لإرجاعه إلى جادة الصواب. قبل اتخاذ الخطوات العلاجية المناسبة .فالباحث عن الحق الصرف سيجده يوما…ولو عدنا لسير أعلام بعض المهتمين بالشأن الإسلامي لوجدنا بعضهم سار في هذا الاتجاه حينا من الدهر قبل أن تتجه بوصلته الفكرية صوب قبلة الحقيقة فكانوا سندا وعونا للأمة ورسالتها… فلنساعدهم على البحث السليم بالطرق المناسبة..وبالتأكيد فعامل الزمن والبحث عن الحقيقة والعلاج المناسب كفيل بردمن ألقى السمع منهم وهو شهيد عما قد يصل درجة الردة إن صدقت النيات.أما من تمادى في غيه وفهمه وتطاوله ..فقد برئت منه ذمة الله ورسوله.وقد اقيمت عليه الحجة.

بيد أنه بالمقابل يجب على الباحثين عن الحقيقة والحقيقة فقط أن يتأدبوا بآداب طالب الحقيقة وأن يسألوا عما لايعلمون وأن يرجعوا ما ظهر لهم الحق.

وفي هذا السياق بإمكانهم نقد ما يرون من خلل مجتمعي أو في السلوك العام بأسلوب علمي رصين يتعالى على البذاءة والانحطاط في درك لغوي سحيق قد يفقد الفكرة البناءة ألقها وتألقها ويحيلها إلى كومة من الرماد يتحاشى الناس الاقتراب منها أو اكتناه أسرارها.

كما أن على هؤلاء الفتية االذين يستشيطون غيظا في هذا المجتمع أن يفرقوا في نقدهم وفي رداات فعلهم بين ما يرجع لفهم وعادات وطبيعة المجتمع، وبالتالي لادخل ثمة للمقدس ،وبين الثوابت الإسلامية التي لايمكن تصور المرء مسلما في غياب اعتقادها أو فعلها..وهذه بطبيعة الحال ليست حكرا للمجتمع ولا سلطان له عليها إنما مردها إلى “الوحي” وهي غير قابلة للنقد أو السخرية ..بمعنى أنه يجب التفريق في النقد بين “الوحي” و”الممارسة” فالأول لايعتريه الخطأ أبدا وثمة ضوابط للتحرك والتعليق والتصريح،وثمة حدود وزواجر،والثانية قابلة للنقاش قدر قربها أو ابتعادها عن الوحي.وهي مدار الإصلاح والتغيير.

– أن التطاول على الدين وعلى الرموز الدينية ليس وسيلة لتغيير ما ران على المجتمعات الإسلامية من حيف اكتشف هؤلاء أن الغرب تجاوزه وقطع فيه أشواطا قيمة جعلته في سلم المجتمعات حضاريا وعلميا .بينما لاتزال مجتمعاتنا أسيرة للعديد من الاختلالات العلمية والفكرية والثقافية..وليس تجاوز الغرب للدين ومتطلباته سببا في رقيه وتقدمه،وليس تعلق المجتمعات المسلمة بدينها وشرعها سببا لتأخرها وتعثر نهضتها .

– فالربط بين “الانحراف” الموجود في المجتمع فكرا ومنهجا أو سلوكا وممارسة وبين” الدين” أمر إمر وتعد لحدود الله لمن يؤمن بالله واليوم الآخر وتجن على العقل السليم والفكر السوي لمن يعظمه حد التقديس.

– وفي أرقى الديمقراطيات وفي أبهى ألق الحريات تظل ” الرموز الدينية” أيا كانت الديانات ” خطا قانونيا أحمر تجرم القوانين المدنية التعدي عليه أو إهانته أو تبخيسه.دون أن يكون ذلك طبقة من الإسمنت المسلح في وجه الحريات.

– وحينما يميز هؤلاء بين ما ينبغي تجاوزه ورميه عرض الحائط أو تصحيحه وترتيبه وفق معطيات جديدة باعتباره عائقا أمام التحول الحضاري وبين ثوابت هوية الأمة التي قد تعين لو تم استغلالها بشكل سليم على الوصول للحلم الذي يهيم بها هؤلاء.

– حينها سيترجل الكثيرون منعم والمشبعون بالإخلاص لمبدإ الحقيقة وسيتوارى خلف “النكران” قلة يكون الحديث معهم مختلفا والحكم عليهم مختلفا .بعد أن حصحص الحق وزالت الشبهات.

– ومن هنا فإن نصاعة الإسلام وشرائعه وعظمة الإسلام ومبادئه تكاد تضيع بين موقفين حديين متطرفين يشطح أحدهما في ثورة غير مدروسة المفرداتوالحيثيات مهوسة بحرية مطلقة لامكان فيها للدين أو العقيدة أو الأخلاقتؤمن أن ثمة تحالفا أزليا بين الإبداع والتفكير والحرية والإلحاد…في حين يجدف آخرباندفاع عاطفي غير مؤسس على مستوى معرفي رصين ونهج علمي سليم صوب الغلو والتزمت شعاره الأول توزيع التكفير والتبديع على كل من خالف نهجه .وإشهار السيف في وجه كل من خالف رأيه ولو كان فهما غير مجمع عليه .وقد ألغى من قاموسه مفاهيم التوجيه والإرشاد والنصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة.
– لذلك فالحل يكمن في خط وسط فيه ثورة الأول وتطلعه للحرية والتقدم الحضاري وفيه صدق عاطفة الثاني وحرصه على الدين والالتزام الأخلاقي .

أحمد أبو المعالي

كاتب وشاعر موريتاني مقيم بالإمارات

Ahmad_aboualmaaly@hotmail.com