اسطنبول تشعل شمعة في حالك الظلام

بالكاد يمر أسبوع على حضورنا ممثلين عن موريتانيا لفعاليات “ملتقى حراء للأكاديميين … العلم النافع والفكر الرصين” المنعقد حول الاستاذ المفكر فتح الله كولن و مشروع الخدمة من خلال سيرته و مسيرته وكتاباته وتوجيهاته، بمعنى أدق حول فكره الإيماني والعلمي بخصوصياته وميزاته و الصيغة المركَّبة بين “فكره” و “مشاريعه”، بين “النموذج النظري” و”تطبيق النموذج فعليًّا”. و هو الملتقى الذي نظمته في اسطنبول بتركيا مجلة “حراء” الفكرية الغراء التي تصدر هناك و يحمل متنها في كل إصدار من معين الفكر الاسلامي في حلة التجديد الذي يحمل خالص الجوهر، منوع اهتماماته، مركز موضوعاته، جريء تناوله، قيم طرحه و حسن بثه. أسبوع يكاد ينطوي كالصفحة و ما زال عطاء أيامه عالقا في الأذهان و أريج عبقه قابعا في الأنفاس يدغدغها و لا يفارقها.

أهو فكر الرجل الملتهب في سلامة المبتغى، الجامح على هدى و بينة من أمره و الذي لا يترك صغيرة و لا كبيرة و لا شاردة و لا واردة إلا يطرقها، الذي شدني أكثر؟

أم هي الأطروحات و البحوث الاكاديمية المتنوعة التي تناولت جوانب خصبة و مضيئة من حياة الرجل و أخلاقه و علمه و فكره و وزهده و عالميته و رمزية “البراديم كولن” التي ليست مفهوما مرادفا “للأستاذ كولن” بشخصه وفكره؟

أسئلة ظلت تراودني عن نفسها منذ اللحظة التي غادرت فيها استطنبول و قد انقضت أيام خمسة لحين كتابة هذا المقال. أخلاق، عمل، فكر، زهد، عالمية، أوجه شتى من حيثيات الندوة و محاور تبدو كلها مستقلة عن بعضها لكنها اجتمعت كلها في هذا الملتقى العلمي الذي نظمته مجلة “حراء” الفكرية في مقرها باسطنبول و حضره لفيف من الأساتذة المرموقين جاؤوا من عديد الدول العربية و كذلك طلاب على أهبة التخرج بدرجة الدكتوراه و الماجستير من جامعات عربية و إسلامية مرموقة و واسعة الصيت. حلقات مميزة من النقاش حول الأطروحات التي تناولت على اختلاف مشاربها حياة و فكر و عمل و مؤلفات الداعية الاسلامي المجدد فتح الله كولن من كل الجوانب من ناحية و قراءات مضيئة في جوهر التجديد الفكري الذي يميز دعوة الرجل إلى العودة إلى الاسلام الصحيح من خلال نبذ التطرف و الأخذ بأسباب السعادة الدنيوية المندمجة في طلب الآخرة بأسس و مرتكزات مبتكرة في عصر ضيع الضوابط و اختلط فيه حابل الدين بنابل الدنيا في تنافر ما كان ليقوم أصلا لو حددت المنطلقات و أحيط بالمقاصد.

و لما كانت الجلسات شديدة الامتاع و غزيرة العطاء فقد كانت أيضا المواضيع التي يتم التطرق إليها لإماطة اللثام عن فكر تجديدي مفعم بمسوغات التغيير من حالة الجمود و السكر التي يتخبط فيها المسلمون بعيدا عن لب دينهم المحيط بالدنيا التي غلبهم تحولها السريع و احتضان غير المسلمين لمردوده، فإن المنعطفات التي كانت تأخذها مضامين الأطروحات و البحوث المقدمة كانت بمثابة قناديل و شموع تبعث النور المضيء من حالك الواقع المضطرب لتبدده و حتى يتكشف الدرب عن أشواكه و مطباته.

و لم يفت المشاركون العرب و غيرهم من الفلبين و أندونوسيا و البوسنة و سواهم، تفسير ما شاهدوه من حقيقة التغيير على أرض الواقع الذي أحدتثه “الخدمة” المنبثقة من فكر الشيخ المجدد عبد الله كولن في نفوس كل المنخرطين فيها طواعية دون إكراه و حبا دون تملق و المستفيدين منها في دائرة تجردها و بعدها عن التمييز و الاشتراط و الاكراه. و ما أدراكم ما الخدمة، إنها مزيج رائع من المتناقضات التي تلتقي في جوهرها. العمل المنتج الذي يأخد بكل أسباب المردودية و الزهد في المحصول الذي يذهب كل ريعه إلى أسباب مضاعفته في حلقة متكاملة تبدأ من التعليم المنقى في منهجية فاضلة من كل الشوائب المخلة برسالته لتنتهي بالعطاء الشامل الذي يسمو بالنفس سمو الفضيلة و يحمي جسمها من غائلة التبخر في دناءات الحياة و متاع غرورها.

و إنه لمما وقفت عنده متأملا بتجرد ما ورد من أن الأستاذ في مسيرته وكتاباته وتوجيهاته، لم يكن يرسم التفاصيل ويصوِّر الجزئيات واحدةً واحدةً، ولم يكن يُدافع عن تراتبيـَّة قاتلةٍ لمعنى الحياة ولمدلول الإنسان شأنَ بعض التجارب الحركية التي تصنع قوالب بشرية متشابهة، متنكِّرة لذاتية الإنسان و لخصوصياته، وضاربة عرض الحائط اختلاف البيئات والأنساق الاجتماعية والفكرية و الحضارية؛ فالأستاذ إذا فيما أسس له من تعاط جديد مع مستلزمات الفكر المتجدد بميلاد احتياجات طارئة كان بمثابة “المرشد”، و”الموجِّه”، و”المنبه”، و”الراسم للخطوط العريضة”، تاركا كلَّ إنسان يُعمل عقله التوليديَّ، ويبدع في فهم النصوص بمراميها ومقاصدها، ويتفنَّن في تطبيق ذلك على واقع الحياة، حسب تخصُّصه، ومداركه، وطاقته… ولهذا، وبسببه، تحوَّلت كلمات قليلة – نسبيا- إلى مؤسَّسات لا تُعدُّ ولا تحصى، ولا تزال تولد كلَّ يوم، في كلِّ مكان، وبكلِّ شكل، في سلسلة رياضية متسارعة.
و لقد كانت بحق الزيارات الكثيرة التي نظمها القائمون على “حراء” شاهدا ثبوتيا لا يرقى إليه الشك في انسيابية تحول هذا الفكر السامي إلى واقع تزكوا معه النفوس مع إشباع احتياجاتها الدنيوية في زهد الآخذ بها مطية مفضية في استقامتها إلى الآخرة بزاد من العمل الصالح الذي لا ريب يرقى إلى مراحل متقدمة من التقوى.