هذه أكبر من أختها

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين

سيدنا محمد الطاهر الأمين و علي آله وصحبه أجمعين ..

لا أجد أحسن تعبيرا، ولا أجزل لفظا، ولا أصدق لهجة في هذا المقام، وقد تطاول السفهاء علي جناب المصطفي المعظم، عليه أزكي صلوات الله وسلامه، من مقدمة القاضي عياض رحمه الله، لكتابه “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” ، حيث يقول:

<< الحمد لله المنفرد باسمه الأسمى، المختص بالعز الأحمى، الذي ليس دونه منتهي، ولا وراءه مرمى، الظاهر لا تخيلا ولا وهما، الباطن تقدسا لا عدما، وسع كل شيء رحمة وعلما، وأسبغ علي أوليائه نعما عما، وبعث فيهم رسولا من أنفسهم، عربا وعجما، وأزكاهم محتدا ومنمى، وأرجحهم عقلا وحلما، وأوفرهم علما وفهما، وأقواهم يقينا وعزما، وأشدهم بهم رأفة ورحما، زكاه روحا وجسما، وحاشاه عيبا ووصما، وآتاه حكمة وحكما، وفتح به أعينا عميا، وقلوبا غلفا، وآذانا صما، فآمن به وعزره ونصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسما، وكذب به وصدف عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتما .. <<من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى >>

صلي الله عليه وعلي آله صلاة تسمو وتنمى

وعلي آله وصحبه وسلم تسليما. >>

حتى يخلص، في مقدمة كتابه الشفا دائما، إلي صعوبة المهمة المتمثلة في تصنيف <<مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفي عليه الصلاة والسلام، وما يجب له من توقير وإكرام، وما حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك القدر، أو قصر في حق منصبه الجليل، قلامة ظفر... >> ، ثم يقول، وههنا بيت القصيد، :

<< ... فان الكلام في ذلك يستدعي تقدير أصول، وتحرير فصول، والكشف عن غوامض، ودقائق من علم الحقائق مما يجب للنبي ويضاف إليه، ويمتنع أو يجوز عليه، ومعرفة النبي والرسول، والرسالة والنبوة، والمحبة والخلة، وخصائص هذه الدرجة العلية، وههنا مهامه فيح تحار فيها القطا، وتقصر بها الخطى، ومجاهل تضل فيها الأحلام، إن لم تهتد بعلم علم، ونظر سديد، ومداحض تزل بها الأقدام، إن لم تعتمد علي توفيق من الله، وتأييد... >>
فما أصعب ايفاء النبي صلي الله عليه وسلم حقه من التوقير، والنصر، والتبجيل والتعزير، والمحبة الصادقة التي هي شرط في الإيمان أصلا…

فأين نحن من ذلك…

بالأمس تحرق كتب المالكية..علي أرض المنارة والرباط ..
واليوم يتهم الدين الإسلامي .. في تطاول دنيء خاسئ علي جناب المصطفي- صلي الله عليه وسلم- بأنه الدين المسؤول عن الحيف والظلم والطبقية والإقصاء ..

أهو العمى الذي ما بعده عمي، والجهل المطبق بالدين الإسلامي .. وروحه و جوهره .. الذي ينحصر بالذات في إقامة العدل والمساواة بين الناس…

أم هو التطاول المتعمّد علي المسلمين ومعتقداتهم ومقدساتهم، في بلد ارتبط اسمه وذكره وسمعته، برفع لواء الإسلام والدعوة إلي الله؟

ما علاقة أدعياء الدفاع عن الشرائح المظلومة والمهمشة في المجتمع بالدين الإسلامي كدين، له قداسته وحرمته، وكمعتقد، وهوية نتقاسمها جميعا، علي أديم هذه البلاد، وتشكل اللحمة القوية والناظم الأهم والحصن المنيع لجميع مكونات شعبنا الموريتاني؟

ألا يفهم هؤلاء الحمقاء أن الدين الإسلامي بريء من التطبيقات الخاطئة لمفاهيمه، والتحريف الذي قد تتعرض له أسسه ومبادئه من طرف البعض؟ ..

أيبلغ الجهل والسفاهة والشطط والحنط والغيظ، وحبّ البروز في شكل المدافع الشجاع عن القضايا العادلة .. أيبلغ كل هذا بشخص أن يأتي بفرية وبهتان، يصل به إلي حد التطاول علي شخص أقدس كائن في الوجود، هو خاتم النبيين وإمام المرسلين وصفوة الله من خلقه؟ ..

ألا يفرق هؤلاء الأدعياء بين العقيدة الإسلامية والعادات والمسلكيات الخاطئة، التي هي تصرف بشري، يخصّ الأفراد والمجتمعات التي تدين بالإسلام، فتقترب منه تارة وتبتعد تارة أخري، بحسب درجات استلهامها وتمثلها وتطبيقها لنصوصه ومبادئه؟ …

ولولا مسوح الحداثة والتقدم والثقافة التي تحاول أن تبرز بها هذه المحاولات الركيكة للنيل من مقدساتنا، لما تجشمت عناء الحديث عن موضوع هذا المقال المسيء…

لكن مسحة الفكر والتقدم والتحرر وحرية التعبير التي يتذرع بها دائما هؤلاء الحاقدون علي ديننا الإسلامي ومقدساته، هي التي تجعل الرد واجبا حتى لا يغتر السفهاء من شبابنا بما يروّج له هؤلاء الأعداء من شبه داحضة واهية، لا ترقى حتى إلي مستوي الإثارة والنقاش…

فمن يتهم الدين الإسلامي بالحيف والجور والطبقية في مبادئه ونصوصه و تطبيقات المعصوم له صلي الله عليه وسلم، لن يصدقه قاصي ولا داني، ولا عالم ولا جاهل، ولا غربي ولا شرقي، ولا مؤمن صادق ولا ملحد جاد…

فقد عرف المصطفي، صلوات الله وسلامه عليه وآله، قبل البعثة وبعدها، بأنه كان أعدل الناس، وأبر الناس، وأوفى الناس، وأرحمهم بالضعيف، وأبعدهم عن التكبر والغلظة والجفاء، وبطر الحق، وغمط الناس .. شهد له بذلك ربه عز وجل في محكم كتابه، ومن عاصره من الكفار المنصفين، ومن صحبه من المكرمين بصحبته…

وهاهم غالبية علماء وفلاسفة ومفكري كل العصور، من مشارق الأرض ومغاربها، يشهدون له صلي الله عليه وسلم برجاحة العقل، والحنكة السياسية، وحسن التدبير، وبراعة الخطط الحربية، والشجاعة والإقدام، وسداد الرأي، والعدل والإنصاف، والمساواة بين الرعية، وعلو الهمة وسموّ الأخلاق ونبلها…
لدرجة أنك لو هممت باستقصاء هذه الشهادات من الغربيين وحدهم، والحق ما شهدت به الأعداء، لما استطعت..
ونكتفي هنا بذكر : الأستاذ راماكشنا راو، مونتجومري، مايكل هارت، دياوان شاند شارما، جون ويليام ادرابر، جورج برنارد شو، جوته، توماس كارليل، آلفونس دولامارتين…

فمن ذا يبلغ من الجهل بالإسلام حد التصديق بأنه دين عنصري، في حين أنه جعل من بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، والمستضعفين في دار الأرقم بن الأرقم، وأهل الصفة من بعد ذلك، رضوان الله عليهم أجمعين، أسيادا مكرمين، مبجلين، معززين موقرين، في الوقت الذي كان لا يرقي الأجنبي ولا أسود البشرة في أثينا- عاصمة الديمقراطية! -، إلي مستوي المواطنة، حيث يظل مدي الحياة يعاني التهميش والإقصاء….
وهل من عاقل في مشارق الأرض و مغاربها، يصدق أن أحدا كان أكثر حكمة منه صلي الله عليه وسلم، في كل ما فعل، أو أمر به، أو أقره، أو سكت عنه، أو تركه، أو نهى عنه، وهو المعصوم من الخطأ، المبرأ من العيب والزلل.
فيا للعجب .. لو كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يريد أثرة لقريش أو للعرب جميعا، لما احتاج إلي كبير عناء، ولأعلنها من أول وهلة دعوة قومية عرقية صرفة…
لكن رسالته صلي الله عليه وسلم، علي هذه الأرض، تمثلت في التبليغ الأكمل والأوفى والأصدق، عن رب العزة والجلال، لرسالة هي خاتمة الديانات السماوية وأشرفها وأعلا ها شأنا، ارتضاها رب العباد للعباد ختاما مسكا للرسالات ..
فأطلقها صلى الله عليه وسلم دعوة عالمية، شاملة، للناس أجمعين، لا تفرق بين الأبيض والأسود، ولا الأصفر ولا الأحمر، ولا الشريف ولا الوضيع، ولا الغني ولا الفقير، ولا القوي ولا الضعيف، ولا العزيز ولا الذليل، إلا بالتقوى والصلاح…

فأسقط كل الأنساب والنعرات، والعصبيات الجاهلية، وترك نسبا واحدا معتبرا بين المسلمين، ألا وهو التقوي .. التقوي هي معيار التقويم والتقييم الوحيد عند الله سبحانه وعند رسوله صلي الله عليه وسلم … ولقد رفع الله بهذا الأمر-أي الدين وتقوي الله عز وجل- أقواما ووضع به آخرين .. فليختر الشخص لنفسه أي الفريقين، أن يكون من المرفوعين بالتقوى، أومن الموضوعين بالبدعة والزندقة والمعصية…
هذا هو الحق الذي لا غبار عليه .. أما سواه من الدعاوي والافتراءات فهراء ما بعده هراء ..
ولقد كفاني بعض الإخوة –جزاهم الله خيرا-عناء الرد علي المقال المسيء، وما تضمنه من افتراءات- فتناولوها نقطة نقطة، فأجادوا وأفادوا في ردودهم الشافية، بحيث لم يبق إلا إيراد بعض الملاحظات التي قد تكون من الأهمية بمكان، ولم يتطرق لها الإخوة في ردودهم.

1-وجوب الانتباه إلي ثقافة أبنائنا، وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة عمادها، التعلق الوجداني، القلبي والعقلي والروحي بالمحبة الصادقة للمصطفي صلي الله عليه وسلم، وتوجيه مطالعاتهم بما يخدم تحصينهم فكريا، بالثقافة الإسلامية الأصيلة.
2-وجوب التصدي لمثل هذه الحملات، والمحاولات اليائسة للنيل من مقدساتنا الإسلامية، وخصوصا الثوابت: الله، القرآن، محمد صلي الله عليه وسلم، بكل حزم عبر، الفعاليات الشبابية المختلفة.
3-العمل علي بلورة معاهدة أو وثيقة شرف بين جميع المواقع الالكترونية، والصحف، يتعهد فيها الجميع بعدم نشرما يمس الثوابت والمقدسات لبلادنا.

وفي الختام، نقول لكل الكائدين والماكرين لديننا الإسلامي، خسئتم وخاب سعيكم، فستظل موريتانيا معقلا إسلاميا، وشعبا معتزا بدينه، موحدا حول ثوابته، يدافع عنها بكل غال ونفيس.
وسينهض شباب هذه البلاد، بحول الله، محصنا بفكر إسلامي أصيل ومتجدد، متحررا من القبلية، والطائفية، والطبقية، والجهوية…مصححا لانتمائه، أولا وأخيرا، للدين الإسلامي الحنيف، مرددا :

أبي الإسلام، لا أبا لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم!
فالإسلام هو الحل.

محمد يسلم ولد يرب ولد ابيهات

انواكشوط 07/01/ 2014

www.beihatt.blogspot.com