مغالطة النخب أنفسها عائق في وجه التحول

اقترح أحد علماء “الانتروبلوجيا” لعبة على أطفال من قبيلة افريقية تدعى “الخوزا”. وضع بالقرب من شجرة وافرة الظل سلة مليئة بالعديد من أصناف الفواكه و قال للأطفال إن كل الذي تحويه السلة سيكون من نصيب الذي يصل إليها أولا. و لما دعاهم إلى العدو أمسك كل منهم بيد الآخر و ركضوا معا ثم جلسوا معا ليتقاسموا أطايبهم.
و لما سألهم العالم:

· لماذا لم تتسابقوا؟

· أجابوا بحنجرة واحدة “أبنتو”، كيف ندرك و نحس بالسعادة إذا كان الآخرون يحسون بالحزن.

“أبنتو” تعني في ثقافة “الخوزا” أنا موجود… لأننا موجودون.

فهل ترى تصدق فينا هذه القصة و نحن ننتمي لملة لها في هذا المنحى ما هو أجمل و أبلغ أثرا؟ ملة الإسلام التي تفرض الإخاء كما قال تعالى في محكم التنزيل ( إنما المؤمنون اخوه ) وقال المصطفى عليه افضل الصلاة والسلام ( المسلم اخو المسلم لا يكذبه ولا يخذله ولا يحقره)، أم أننا و كل الشواهد على ذلك قائم نؤمن قولا و لا نصدق عملا.

و ليس هذا الإشكال جديدا بما يتجلى فيه بقوة من مظاهر التبيان بين الأغنياء بما استباحوا من أموال الدولة دون القلة القليلة و إن ما لها مشوب إلا من رحم ربك.

هو إشكال قديم جديد بررت و أسست له تداعيات من الظلم و الفوضى ما طبع كل الحقب المشكلة للتاريخ “الموثق” للبلد دون الموغل منه في القدم حتى جاء الاستعمار البغيض ليخفف في وجه من التناقض الاستثنائي الغريب من وطأته و يغرس في النفوس المظلومة غريزة التمرد و استرجاع الكرامة المسلوبة بغير وجه حق.

لا شك أن بدايات الدولة الموريتانية ذات الثلاثة و الخمسين سنة من العمر (فقط) غير صحيحة، و لا شك أن الارتجالية قد طبعت بختمها المعقد كل أحوال قيامها. أمر مقصود، لا شك في ذلك، و أمر غير محسوب الفعل و لا مدرك المآل، ذاك مالا شك فيه أيضا. هي إذا معادلة بمجهولين لكن بنتيجة سالبة معلومة و بحسابات رياضية لا ترقى لوضوح عناصرها إلى درجة ثانية. و قد جمعت كل متناقضات البلد الحديث العهد بـ”السيبة” شاء البعض من المثقفين و المؤرخين ذلك أو أباه البعض الآخر كل بقراءاته و تأويلاته و ميولاته و بنيته للمنظومة التاريخية في سياقات الحقب الزمنية.

و موريتانيا إذ لا تختلف في مسار تاريخها عن بلدان العالم لأخرى في إطار تشكل رزمة التاريخ المميز لكل بلد، إلا أن التغلب على الجوانب السلبية منه بما أملته التحولات الهائلة في العقل البشري و وصوله إلى قناعات جديدة، ظلت السمة الغالبة بإرادة المفاهيم الرجعية في موازاة ضعف إرادة التحول التي أسست لها معطيات الحداثة و التنوير.

و لأن التناقض الشديد ما زال السمة البارزة في المسلكيات العامة و ينخر جسم البلد الذي يترنح كالسفينة الثملة بين الماضي القاسي ببؤس أحواله و وهن مرتكزات الوحدة و اللحمة فيه و حاضر الزاخر بأسباب انفصام العرى و التحلل بجرأة من القليل الذي مازال من منظومة أخلاقية انفرط عقدها منذ أجد و تناثرت ثم تلاشت دررها. و إذ الحال على هذا النحو الخطير فإن من جعلتهم أقدار الشعب على الخط الامامي في الريادة و ألقت عليهم طبيعة “المكانة” كل المسؤولية لا يبدون مكترثين لقتامة الأفق الذي لا تحجبه مع كل ذلك ظلاله الحالكة السواد.
لم يجتهد المثقفون من أصحاب هذه الريادة في توجيه الدولة بالاتجاه الذي يقتضيه تحول غشي العالم من حولنا من خلال العمل على انتقاء فضائل الماضي القليلة و محاربة السلبيات التي لا حصر لها في موازنة جديدة تفتح الآفاق أمام دولة العدل و المساواة و العمل و البناء.
كما لم يسع المنشغلون بالسياسة إلى تكييف قدرتهم على المناورة مع متطلبات مهمتهم الجديدة من إدراك للواقع بتعقيداته و فصمه عن اعتبارات الماضي التي تجاوزتها التحولات في العقلية البشرية التي أضحت تسير وفق منهج شمولي موحد لا يغمط الخصوصيات و المميزات الضرورية للتبادل و التكامل حقها و لا يقف امام تلاقحها لوحدة المصير على كوكب مشترك لا ثاني له في الكون الفسيح. فعلى العكس من ذلك هم من يقيضون مسيرة البلد و يزرعون في كل منعطف ألغاما ارتكاسية لا حصر لها.

· لا الأحزاب السياسية على أقدمية المتقدم منها في جموده المذهل و بخلفيات لا تتغير، و المتأخر منها على تأخر ارتجالياته و عريه من كل تفصيل تؤسس له فكرا أو توجها أو عملا؛ هذه الأحزاب مجتمعة لم تقدم للمسار الضعيف للبلد الذي يسير مستقلا منذ أزيد من نصف قرن على قاعدة أن ديناميكية الحراك ذاتية و ماضية ضمن النظام الكوني على سرعتها و كمالها و انتظامها كما هو حالها على بطئها و ضعفها و فوضويتها.. مما لا يعطي أحقية لأي ادعاء بقيادة البلاد و تثبيت قواعد قيامها، بل و لولا عناية الله و مشيئته لكان ما حصل في أمصار من حولنا و بعيدا عنا.

· و لا المنتخبون على جميع الاصعدة و في كل ألاتجاهات و الناشطون في كل زوايا المجتمع المدني يحملون كلهم أفكارا تناسب مواقعهم، و لا يمررون و لو نظريا خطابات أو أفكار حرة لكنها ملموسة تنبئ بإرادة خارجة على مألوف الركود و حاملة لأي مقدور على التحول إلى الاحسن.

· و لا المجتمع المدني أثبت أنه “كائن” له وزنه ضمن التيارات التي تناط بها مهمة و مسؤولية تحريك و توجيه أشرعة التحول بالبلد من قاع الجمود الذي لم يبرحه قيد أنملة و لم يرش من تآكل قواعده المتعفنة بأي من مبيدات التخلف التي أبدع العالم من حولنا في تركيبها و استخدامها.. مجتمع مدني لا يحمل من صفات اسمه إلا ما يكون لتقاسم ما يتحصل عليه القائمون عليه من فتات موائد النهب و صدقات الخيرين من خارج البلد إن استطاع هؤلاء إلى توصيلها سبيلا مستقيما و عينا ترعى مهابطه.

· و لا الشعب بأطيافه المغلوبة على أمرها استطاع أن يلتقط من نسائم التحول من حوله و قد حملتها إليه روافد العولمة فيما تكشفت عنه من الأوجه الايجابية و لم يفرض تداعيات ذلك على واقع البلد الذي ارتهنه سلبا أبناؤه من المتعلمين الذين نهلوا من كل ينابيع العلم حول العالم، فحولوا في داخلهم كل محصولهم من المعارف إلى أسلحة فتاكة في خدمة الثراء و الجاه و السلطة خلال كل المواسم و في سباقات محمومة لا تحمل الوطن في لبها و تزدري المواطن الذي يولد على الدوام من رماده ليصبح مجددا وقودها.

فكم ترى من الوقت سيظل هذا البلد متوشحا بأبشع مظاهر التخلف خارج الزمن و على قارعة التحضر الذي ينسج خيوطه من حولنا بكل الألوان الزاهية و يهيئ الشعوب في كل بقاع المعمورة لتقاسم واقعها بحلوه و مره و ومجوده بعدالة و محبة؟

و متى تظل الاشارة إلى هذا الوضع حتى غائبة و كأن اللغة التي يصاغ بها أمر ذلك غير موجود ضمن منظومة اللغات التي نتحدث بها بطلاقة كالشعر و التزلف و الاطراء و الصدام و الإساءة إلى المقدسات و الثوابت؟