جنرال ” الأزمات ” و سمسرة الأوطان

ربما لا أكون بحاجة للحديث عن تفاصيل كثيرة طبعت مشهد الحياة اليومي للمواطن الموريتاني منذ شاءت له الأقدار أن يستيقظ صباح أحد الأيام ليجد “جنرالا ” مُقالا وقد قرر أن يغلق بالقوة قوس الحرية و الديمقراطية الذي كان الشعب الموريتاني قد فتحه ، أجل فربما لن أكون بحاجة للحديث عن تلك التفاصيل لأنها طبعت في أذهان الجميع مقترنة بسوء الأحوال و ارتفاع الأسعار و تردى القيم و امتهان الكرامة .

لكنى مع ذلك سأكون مضطرا أن أتوقف مع المحطات الكبيرة في رحلة ” جنرال ” كانت حافلة بالفشل مليئة بالأزمات لم تأخذ صاحبها في الشعب المنقلـب على إرادته إلا ولا ذمة ، فكانت باكورة إنجازاته أزمة سياسية كادت تعصف بالوطن بعدما عصفت بديمقراطيته ، تسلح ” الجنرال” خلالها بترسانة من الكذب على عقول الضعفاء مكنته من تجاوز تلك الأزمة ليظهر في زي مدني وارى قليلا من سوءات الانقلاب الفج وردة الفعل العنجهية ، لتكون تلك بداية أمل لضعفاء انتخبوا الرجل عن قناعة و أعطوه الفرصة الكاملة ليفي بتعهداته رغم كل المؤشرات السلبية التى بدأت بإحاطة نفايات العقيد ولد الطائع برئيس حرسه .

ولأن المستوى المعيشي ازداد سوء و الخدمات الصحية و التعليمية استمرت في الانهيار كان لابد أن يكتوى فقراء الوطن بنار نكث العهود الكاذبة التى أطلقها ” الجنرال ” ليفقد الرجل بريق أهم شعار رفعه لكنه بدل أن يحاول التخفيف من تلك الأزمة الخانقة و الوضع الاقتصادي المنهار مارس سياسة الهرولة إلى الأمام فعقد اتفاقية للصيد برهن من خلالها أن العنوان المقبل لأي صفقة تعقدها الدولة سيكون تجاريا بامتياز و طبعا سيعتمد ميزان الربح و الخسارة فيها على ما سيدخل جيب ” الجنرال التاجر ” .

فهم المواطن المسكين المنطق التجاري لرئيسه و حاول أن يتكيف معه أو على الأصح لم يجد بدا من ذلك ، فابتلع إهانة صعوبة الحصول على لقمة العيش و رضي – مكرها – بتسديد فواتير الزيادة المستمرة و المبرمجة في الوقود و تعود على التأقلم مع الزيادة الروتينية في الأسعار و تحمل تجاره و رجال أعماله لأول مرة – بشكل مباشر – على الأقل أن يدخل ساكن القصر الرئاسي على خط المنافسة على الصفقات التجارية و السمسرة ، و حافظت المعارضة رغم استفزاز الجنرال لها على الروح الوطنية العالية و الرغبة في تجاوز كل تلك الأزمات عن طريق الحل السياسي ، مع كل ذلك فقد أبان الجميع عن معدنهم الأصيل حين دخل الجنرال أزمة شخصية الأسباب وطنية التأثير سببتها رصاصة غامضة أصيب بها ” الجنرال ” في مكان غامض و دوافع “صاحبها” أشد غموضة ، وقف الجميع إلى جانب الجنرال الجريح بدعواتهم له بالشفاء العاجل رغم أن الحكومة لم تستطع أن تتوقف ولو لفترة قصيرة عن سياسة الكذب و التضليل ففبركت قصة سيئة الإخراج لم تحترم فيها كالعادة عقل المواطن أو حقه في الحصول على المعلومة ، ولأن المواطن ألف التعايش في ظل الأزمات المتتالية منذ ظهر ” الجنرال التاجر ” في المشهد فقد تعود أيضا على أن يقابل تبرير الحكومة لتلك الأزمات بالسخرية و التنكيت ، و
أصبح لا ينتظر انتهاء أزمة إلا بقدر انتظاره لبوادر اندلاع أزمة جديدة .

ولأنى على قناعة أن تتبع أزمات الوطن منذ قدوم الجنرال يحتاج مؤلفا لا كاتبا ، فسأحاول أن أعرض فقط خطوط تلك الأزمات العريضة ، و بالطبع لا يمكن أن أتجاوز تلك الأزمة التى يعيشها كل مواطن موريتاني و المتمثلة في الاختفاء القسري لبعض أبناء الوطن و التهاون الفاضح للنظام القائم في التعاطى مع الموضوع ، فقد تعود الشعب أن يفقد بعض أبنائه سواء حين يغيبهم الموت نتيجة كارثة سببها تعاطى الحكومة أو يغيبهم الاختطاف نتيجة تهاون سببه الحكومة ايضا ، فخلال كل المصائب التى صاحبت توديع الوطن لقوافل الشهداء في محطات الإهمال الكثيرة كانت الدولة غائبة ولم تكلف نفسها حتى كتابة برقية تعزية و إن فعلت تأتى الصياغة خجولة لا تناسب المقام ولا الحدث ، وحين يستمر الشعب في البحث عن مصير أبنائه المختطفين يستمر النظام بدوه في ممارسة سياسة توزيع المسكنات دون أن يستطيع إخفاء تهاون فاضح وعدم مبالاة قاتلة .

وبما أن وقع الأزمات التى عشناها مع الجنرال يتفاوت من ناحية وقعها على النفوس فقد أخرت الحديث عن أزمة إهانات المقدسات و طفرة انتشار ظاهرة الإلحاد و الدعوة إليه ، فلم يكن من السهولة على المواطن الموريتاني حتى ولو كان نظام الجنرال قد نجح في أن ” يوروديه ” على ابتلاع الأزمات ، فلم يكن من السهل عليه أن يبتلع تلك الصفعات المتتالية و التى أصابت تدينه في الصميم ، بدء بحرق كتب الفقه المالكي و نشر فكر الإلحاد ثم الإساءة للجناب النبوي الطاهر على صاحبه أفضل الصلاة و السلام ليأتي الدور أخيرا على المصحف الشريف ليتعرض للتمزيق ، هي متتالية مجرد كتابتها يشعر معها الإنسان بضيق في التنفس و كأن أنامله تضغط على وريده ، فما بالكم بمن عاشها واقعا مؤلما ، و قد زاد من شدة الصدمة محاولة النظام التعامل مع إهانة المقدسات بمنطق الربح و الخسارة ، حين تعود الجنرال أن يخرج في كل أزمة ” ملثما ” ويطلق وعودا تشبه وعود التاجر “المحتال ” الذي يعرف يقينا أنه لن يقابل زبونه ” الضحية ” بعد ذلك وحتى إن قابله فسيمنعه ” اللثام ” من معرفته .

وكما كان متوقعا فلم يكن ذاك الضغط المتواصل على الشعب من خلال إهانة مقدساته أن يستمر دون أن يدفع ذلك الشارع إلى الانفجار ، فجاءت إهانة المصحف الشريف لتفيض كأس الصبر ليتدفق الغاضبون بعد ذلك إلى حيث قابلوا ” الملثم ” لأول مرة ، لكنهم وجدوه قد احتاط جيدا و أمر زبانيته بالبطش بهم حتى يجد الوقت للظهور في حلة جديدة و بلثام جديد ، وقد كانت زبانية الجنرال شديدة البطش و التنكيل فسقط شهيد المصحف ، وكان الناطق باسم الحكومة غليظ القلب ، مفتقدا للباقة ، خشن الأسلوب في خرجته الأولى حين لم يكتف بعدم التعزية وأطلق على الشهيد لقب ” الجثة ”

ورغم أن القلوب كانت متألمة و النفوس حائرة فقد كان عقل ” الجنرال التاجر ” متيقظا حين هرول إلى اقتناص الفرصة حتى يعرض فكرة جهنمية في سوق نخاسة بيع الشرف و المتاجرة بالأحرار الذي يعقد في سوق قريب من ” عكاظ ” ، فأقدم الجنرال على خطوة لم تفاجئ أحدا – لأنها صدرت من من لا يستطيع احد أن يتكهن بتصرفاته – على صب الزيت على النار ، ففي الوقت الذي طالب فيه الجميع بالبحث عن ” حل ” لأزمات متتالية خطيرة ، كان الجنرال قد فهم مطلب ” الحل” فهما ميكانيكيا فأمر و بسرعة ” بحل جمعية المستقبل للدعوة و الثقافة و التعليم ” و إغلاق مستشفى النور الطبي و معهد البنات و مدارس الأطلسي ، في خطوة لم يتساءل أحد عن سببها بقدر ما تساءل الجميع عن قيمة المبلغ الذي حصل عليه الجنرال في تلك ” الصفقة الفاسدة ”

ظهر نظام ” الجنرال ” في ثوب المستأسد على أهل الخير ، ” المستنعج ” أمام من دنس المقدسات ، فاشتعل الجميع غضبا على منابر للخير ” منعت ” و مراكز استشفاء وتعليم مجانية أغلقت في الوقت الذي لازال فيه ” العابثون بالمقدسات ” يمرحون في انتظار أن تجبر السلطات ” ماعز تيارت ” على تبنى الحادثة .

وفي انتظار ما ستؤول إليه خطوة الجنرال المقبلة وهو يهرول إلى سمسرة الوطن و استقراره لمن يدفع أكثر…. يبقى السؤال الأهم :

إلى متى سيستمر الوطن في دفع ثمن تصرفات نظام جنرال عاش الشعب خلال سنواته الخمس من الأزمات ما لم يعشه طيلة خمسة عقود من عمر الوطن ؟

محمد فاضل ولد محمد يحي ( التراد )