قطار الموت

خيمت كآبة سوداء على تلك الغرفة البيضاء الفاخرة التي احتشد في داخلها وجهاء المدينة وأعيانها.. أحاطوا بجسد هزيل ألقى على سرير وثير، كان صاحبه يحيا الفصل الأخير من عمره القصير..

ووسط العيون المترقبة التي أصبح أصحابها يرون في الموت رحمة، وأملا أخيرا، توغلت به الغيبوبة في عالمه القديم.. أحاط به ضباب كثيف انبعث منه قطار حياته القادم من زمن الصبا بصفير الأطفال، يجري على شريط من الذكريات المتآكلة، تدفعه البراءة والثقة في الحياة.. رنت ضحكته الصغيرة في أرجاء حيه البريء معلنة ميلاد تجربة حياة.. مرت بجواره الفتاة الرقيقة التي طالما حلم بالعيش معها، ولم يوفق، رغم تحقيقه لأكثر مما يريد.. رن صوت موظفه مذكرا بمرارة لقمة العيش، وضع يديه على أذنيه هربا من تلك النبرة الحادة التي طالما اسماها بسخرية “نبرة الغرور”، ثم حولهما –وسط استغراب الحضور- إلى جبينه، ودقق النظر فرأى نهايته التي أصبحت وشيكة تلوح من بعيد في طريق القطار السريع..

عاش بواكير حياته وأجمل أيامها معدما لا يملك إلا جسده المنهك المثقل بهموم الحرمان.. صارع البرد والجوع ليكسر الحواجز التي تحول بينه وبين مباهج الحياة، فجاءته الثروة تجري مذعورة كما لو كانت تحتمي به من جشع الآخرين، فعاش كما اعتقد أنه ينبغي له أن يعيش، غير مبال بالباب الذي يدخل منه المال والسرور، حتى جاء اليوم الحزين الذي تقوس فيه ظهره، وتثاقلت أنفاسه وخطواته، وضاق صدره وأفقه، واهتدى عقله إلى العالم الآخر، فأدرك أنه قد انحرف عن الصراط المستقيم..

اقترب القطار من محطته الأخيرة، وأصبح توقفه الذي لا حراك بعده قدرا لا مفر منه.. زاغ بصره في أرجاء الغرفة هربا من نهايته المحتومة، وتحركت شفتاه ببطء ووهن، فامتدت الأعناق لسماع همهمته التي زادها الثراء قداسة، لكنها اصطدمت بأنفاسه المتقطعة..

كان قطار حياته الذي مر بألف محطة ومحطة، وحقق ألف رغبة ورغبة، وعاش ألف ليلة وليلة، وبكى ألف دمعة ودمعة، يخفف من سرعته الجنونية استعدادا للتوقف الأخير.. وبخفوت انبعثت من صدره كلمة توحيد بذل كل جهده لنطقها.. لم يدرك الحضور أنها كانت استجداء أخيرا للرحمة والمغفرة.. وتوقف القطار السريع، وسكن الجسد الذي طالما تحرك.. سكونه الأخير..

سيد محمد ولد أحمد

khlilsidi60@gmail.com