انطلقت الحملة و عادت حليمة لعادتها القديمة

و مرة أخري تنطلق حملة انتخابية في بلاد التناقضات الكبرى وسط موجة عارمة من السعي المحموم إلى التحصيل المادي الرخيص بعيدا عن جوهر الحدث و ارتباطه بمصير الأمة؛ و هو الحراك السلبي الذي يأخذ كل قوته من الترحال الفوضوي للأفراد و المجموعات المصحوب بلغة كثيفة تمجد و تهجو، تبارك و تخذل، تشي و تغازل و تجامل، تعاند و تناصب العداء و تُقزم بسيئ الوصف و بذيء الألفاظ و دنيئ النعوت… هي إذا حليمة بكامل وعيها المتحجر و الثابت على قواعده البدائية تعود لعادتها القديمة.

و لا تخلو أي من الحملات الخمسة في هذه اللحظات الافتتاحية من هذه الأمواج المتحركة بمنطق لا يتناغم مع مبدأ و محتوى و الأهداف النظرية و التطبيقية لكل حملة و يدرك أهلها من قيمين و مسييرين أن الانتخابات في هذه البلاد تعد موسما يمر في كل فترة مرور النجم “هالي” للطمع فيما يقدمه السياسيون من أموالهم التي كدسوا و أموال من حولهم من رجال الأعمال المساندين لهم و المتقاسمين و إياهم نفس الهموم السياسية و ذات إرادة الوصول إلى الحكم و إدارة البلد.

موسم يظل أول المستفيدين من قطافه في ظل غياب الوعي المدني و حكم الضمائر الميتة هُم وحدهم الذين يكلفون بتسيير فقرات الحملات في مهرجاناتها و أماسيها و إعلامها و مجاملاتها و شرائها الذمم و الضمائر المذبذبة و البطاقات و الأصوات. عملية ربحية بامتياز يتقنها هؤلاء الأشخاص الـ”محظوظين” دون إخوان لهم ليسوا – رغم حظهم العاثر و غياب الاختلاف عنهم – بأقل جرأة و لا أموت ضميرا. و هم الأشخاص الذين يتم اختيارهم لهذه المواقع المتقدمة على أسس أبعد ما تكون عن روح السياسة في سموها و نبل مقاصدها و عن أية مراعاة للكفاءة و النزاهة و المبدئية، بل و إن من هذه الاختيارات ما يرقى في أسسه إلى مستوى العشائرية و الزبونية و المجاملة و التسلطية.

و في ظل الوضعية التي تخلقها الحملات بهذا البعد الخارج على روح الديمقراطية المنظمة لها، تتمحور النقاشات و تبادل الآراء و التعبير عن المواقف المتعلقة بمجريات الأمور و حيثيات واقع الحدث، حول الأموال المرصودة و كيف يمكن الاستفادة منها قبل فوات الأوان و انقضاء الموسم الذي لا يتكرر إلا بعد فترات طويلة.

و لا عجب في ظل طغيان هذه العقلية الشاذة و الفريدة أن لا يتأصل الوعي السياسي المنوط به وضع البلد على سكة التصحيح و النهج الديمقراطي القويم الذي يؤمنه من غائلة التباينات الكبرى و الحساسيات التي لا تخطئها عين و الشروخ التي يلعب على أوتارها من لا يعير للأمن أو الاستقرار اهتماما. و هي العقلية التي تحمل في تجسيدها على أرض الواقع كل بذور التركيبة الاجتماعية العصية على التغيير فترى الحملات حاضنة لكل مظاهرها و ناطقة بكل لغاتها و عاملة بكل إشاراتها و مقاصدها.

أو ليست الخيمة، بحضورها الطاغي و إن تطلب نصبها حفر أرصفة الشوارع و اقتلاع علاماتها، أكبر دليل على رفض التغيير و تحدي الحاضر و إغفال المستقبل.

أو ليس الإقصاء في إدارة الحملات و تهميش القناعات الراسخة و القدرات العالية و ضبابية تسيير مواردها و وسائلها في غياب التشاور و الشفافية و في ظل تشكيل المجموعات الضيقة و غياب الرقيب عليها دليلا آخر على أن النضج السياسي ما زال بعيد المنال و الرشد التسييري ضربا من الأحلام؟

أم أن الأمر بهذه الصورة و على هذا النحو يشكل الوضع الصحيح و يرسم المعالم اللائقة بسياسة البلد و خصوصية تعاطيها فوق أديمها لا خوفا من شذوذه وضعا عما حوله.