من ذكرياتي مع المقاومة

تنزلق بي الذاكرة إلى أيام حرب تموز 2006 بين الجيش التلمودي الليكودي والمقاومة الإسلامية اللبنانية، كنت أيامها طفلا على تخوم المراهقة، وأسوار الإعدادية، وكانت المدارس قد أغلقت أبوابها خلال العطلة الصيفية فقفلت إلى قريتي الصغيرة وسط موريتانيا.

اندلعت الحرب على حين غرة وكنّا فتيانَ القرية المندلقة بين أخبية الصحاري والرمال نجوب الحيّ ليل نهار نحمل جهاز مذياع صغير، ونزف بشائر الانتصارات المقاومة المتلاحقة والمتواترة التي يعزفها رجال حزب الله في أحراش الجنوب اللبناني بين حقول الأرز البهية السامقة.

كانت ضجات التكبير والهيللة تتعالى من أطناب الخيام كلما انتفض المذياع بنبأ مقتل جندي صهيوني، وأضحت أسماء بلدات وقرى الجنوب اللبناني مثل بنت جبيل ورأس العين والناقورة وعيتا الشعب وغيرها مفردات أليفة في قاموسنا اليومي، كأنها أعلام ماثلة بين صحون الرّمال في سرّة آفطوط الموريتاني.

كان الجميع يصيخ في خشوع مهيب إلى كلمات “السيّد” حسن نصر الله، مستسلما لسطوة الرجل وأبهة كلامه المضمخ بالتحدي والشموخ، وبنبرة بطولية لم نعهد لها مثيلا في خطابات العرش والتنصيب…

من يومها سكنتني ورفاقي أهازيج المقاومة اللبنانية وأناشيدها التي تطفح نصرا وعزيمة، وفتنا بالأصفر والأخضر الذي يشكل لون علم حزب الله، ولون العلم الموريتاني.

بعد حرب لبنان وما حققته المقاومة من نصر مجيد فيها، جاءت ـ بسنتين تقريبا ـ حرب غزة 2008 وكنت حينها قد انتقلت إلى العاصمة نواكشوط لأتابع دراستي الثانوية في الصف الخامس، اندلعت الحرب، مباغتة مفاجئة هذه المرة أيضا، ووجدتني وسط مئات الشباب في مخيم أقامته الفعاليات الشعبية والسياسية وسط العاصمة نواكشوط وتحديدا في ساحة “بلوكات”.

يبلغ عدد الخيام المنتصبة وسط الساحة عشرة إلى اثنتا عشرة خيمة مدججة بمكبرات الصوت، وكان مئات الشباب يتجمهرون في الساحة يصلون الليل بالنهار حاملين الأعلام الفلسطينية ومرددين أناشيد المقاومة الفلسطينية المجاهدة، كنّا شبانا وأطفالا ورجالا ونساء من مختلف المشارب والتوجهات قومية كانت أو يسارية أو إسلامية، في انسجام تام وحميمي، وكانت السهرات عامرة بالكلمات الحماسية والمداخلات الشعرية والنثرية التي تتغنى بأمجاد المقاومين الفلسطينيين، وتحتفل بصمود الشعب الفلسطيني في لوحة زمردية تختزل موريتانيا بكل تنوعها.

يحضرني كلّ خلال هذا العدوان الأثيم وأنا أتجول بين أروقة الصفحات، وحارات المدونين الموريتانيين، لأرى مستوى التعاطف والتضامن الذي تموج به أنفس الموريتانيين جميعا تجاه فلسطين والقضية مهما نأت الدار وشط النوى بينهم وبينها.

مستوى التعاطف والتضامن الذي تموج به أنفس الموريتانيين جميعا تجاه فلسطين والقضية البوصلة، فالجيل الذي شهد بنفسه زوال إمبراطوريات التطبيع مع الكيان التلمودي الصهيوني، واحدة فواحدة حريّ بأن يرى زوال هذا الكيان أيضا، وأن تصبح لديه إسرائيل المزعومة مجرد ذكرى لمن أراد أن يذّكر، والجيل الذي رأي رأي العين تدمير أسطورة الميركافا ، يرى اليوم اندثار أسطورة الجيش الذي لا يقهر وانغراز حقيقة المقاومة التي لا تقهر.

عبد الله ولد البو ـ كاتب صحفي