لنحارب “الإيبولا”..!!

لم ولن تواجه إفريقيا عدوا أشرس من “الإيبولا”، فالجفاف، والحروب الأهلية والبينية، ومشاكل الجوع والجهل، وتوقف التنمية، وغياب العدالة الاجتماعية، دونها فتكا وأقل منها تكلفة وتهديدا لمستقبل شعوب ودول القارة التي يبدو أنه لم يعد لديها ما تصدره للعالم من حولها سوى “الإسهالات الوبائية”..!!

لنتذكر في عجالة ان “الإيبولا” فاقت في وقت قياسي ـ من حيث الفتك والقدرة على الانتشار والآثار السلبية صحيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسيا ـ أمراضا وأوبئة أخرى كانت ـ وإلى وقت قريب ـ هاجس رعب حقيقي للدول والمجتمعات، خاصة في إفريقيا وآسيا، مثل “الكوليرا” و”السيدا” و”التيفوئيد” وغيرها..!!

ولنلاحظ أن العالم كله استشعر الخطر،والتمويلات بدأت تضخ في مجهود عالمي كبير، للحد من انتشار “الإيبولا” وآثارها الكارثية بكل المقاييس، فمنظمة الصحة العالمية ترغى وتزبد، وتعقد اجتماعات القمة للفت الانتباه لخطورة الوضع في إفريقيا، والدول الكبرى بدأت إجراءات عاجلة لتطويق الوباء، فالعالم أصبح في “علبة” واحدة، وما يواجه إفريقيا اليوم، تدرك أوروبا أنها ستواجهه غدا، وتنتفض آسيا لمواجهته بعد الغد، وهكذا

إن ظروفا كثيرة تتضافر ـ مع الأسف ـ لإكساب “الإيبولا” كل ما هو ممكن من نفش وتمنع وتوسع، ومن تلك الظروف:

ـ غياب التغطية الصحية الفعالة والمدعمة في الدول الإفريقية عامة وخاصة تلك التي تحركت منها “الإيبولا” ( سيراليون، غينيا، ليبيريا، نيجيريا) وضعف التعليم والوعي الصحي

ـ انتشار الممارسات الضارة بالصحة وسط علاقات اجتماعية مفتوحة ومريبة وغير متوازنة

ـ وجود ظروف مناخية حاضنة للفيروسات وناقلات المرض مثل ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة

ـ تفشى الهجرة بين البلدان دون ضوابط أو تنظيمات أمنية أو قانونية مع غياب أجهزة الرقابة الصحية على المعابر والمنافذ الحدودية

ـ ضعف الوسائل التشخيصية الطبية مع تشابه في الأعراض والسريريات بين “الإيبولا” وأخواتها من الحميات النزيفية الغامضة بل حتى مع بعض الحميات البسيطة والعابرة

ـ انعدام الثقة بين معظم المجتمعات المحلية الإفريقية ودولها المركزية ومنظوماتها الصحية فبدلا من إبلاغ الحكومات بحالات مرضية مريبة أو التقيد بنصائحها والالتزام بنظمها الصحية فإن تلك المجتمعات تتداوى ذاتيا وتفضل الانطواء على النفس بمرضاها ومعاناتهم ومن ذلك ما شهدته عواصم دول إفريقية من قذف لجثث ضحايا “الإيبولا” في الشوارع خلسة للتخلص منهم والإفلات من الإجراءات الصحية الاستثنائية المترتبة عن اكتشاف حالات المرض وربما أيضا لمعاقبة الحكومات على التأخر في محاربة الوباء وحماية الناس منه

ـ تشابك وتداخل الحدود والعوازل البرية والمائية بين الدول الإفريقية ما يجعل تنقل الأشخاص كما الأوبئة يسيرا خارج نطاق الرقابة الرسمية والأمنية للحكومات

لا تخص هذه الظروف دولة افريقية دون أخرى، وإن تفاوتت قدرة الدول وإرادتها لمحاصرة الوباء، وتطويقه ،وهنا في موريتانيا يقترب الخطر ـ مع الأسف ـ في ظل الحديث عن ظهور حالة “إيبولا” في مناطق شمال السنغال، ومن المعروف أن موريتانيا والسنغال ترتبطان جغرافيا وبشريا، بحيث يصبح أي تهديد صحي لإحداهما تهديدا مباشرا للأخرى.

ولاشك في أن السلطات الصحية في موريتانيا تفتح عينيها على وضعية “الإيبولا” وتراقبها منذ سنة تقريبا كاستمرارلجهودها فى محاربة “الإكريمى دو كونغو” وأخواتها في فترات سابقة، ( وهي محاربة تقتضى الأمانة القول إنها كانت سريعة وفعالة وناجحة رغم ضعف الوسائل وصعوبة الظروف ورغم الضريبة الباهظة التي دفعها عمال قطاع الصحة من أرواحهم ومستقبلهم) وتتحرك رغم شح في الوسائل لمنع الوباء من دخول البلاد، ومنذ عدة أشهر تخضع السلطات الصحية القادمين إلى البلاد عن طريق الجو لمراقبة صحية تمكنها من حجز أي قادم يشتبه في حالته، وتوجدلهذا الغرض نقطة تفتيش ومراقبة صحية دائمة في مطار نواكشوط الدولي، وحتى الآن والحمد لله لم تسجل أية إصابة مرتبطة بهذا الوباء القذر، ومؤخرا تحركت السلطات أيضا لإقامة نقاط مراقبة في كل من روصو ونواذيبو مع حديث عن تفكيرجدي للدولة الموريتانية بالحجر على مواطني الدول الإفريقية الموبوءة حاليا ،ومنعهم من دخول البلاد لحين انحسار الوباء.

إن جهود الدولة بسيطة ومتواضعة، ولكنها ـ للأمانة ـ أعطت وتعطى نتائج جيدة تنبغي الإشادة بها وبالطواقم الميدانية المشرفة عليها من أطباء و مخبريين وممرضين ورجال أمن، وبطبيعة الحال لا يمكن الاطمئنان لجهود الدولة وحدها ،فمحاربة “الإيبولا” مسؤولية جماعية ينبغي أن تنخرط فيها الأحزاب والجمعيات غير الحكومية، والنخب، وكل مكونات المجتمع المدني، وفى المقدمة يجب أن نرى الأئمة، وخطباء الجمعة، والدعاة، والإعلاميين، ووسائل الإعلام الوطنية مسموعة ومرئية ومكتوبة، حكومية وخصوصية، ويجب كذلك استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لخلق إحساس وطني جمعي بضرورة التوحد لمحاربة هذا الوباء.

إن المنخرط فى هذا الجهد يجب أن لا ينتظر ربحا ماديا أو سياسيا من أي نوع، فهو أقل واجب اتجاه نفسه أولا وأسرته ثم اتجاه وطنه وشعبه وهما يواجهان خطرا حقيقيا لا سبيل للوقوف في وجهه إلا بتوحيد الجهود، واستحضار الضمير الجمعي للموريتانيين دينيا ووطنيا وإنسانيا.

إن على الموريتانيين الانتباه للخطر القادم، وعدم الجلوس في انتظار جهود حكومية قد لا تكون على المستوى المطلوب.
إن الوباء لا يستهدف الحكومات، ولا يفرق بين معارضة وموالاة، ولا بين عسكري ومدني، ولا بين عربي وزنجي، ولا بين أبيض وأسود، فنحن جميعا تحت حد سكينه سواء، ولذلك لنتحرك ـ ومن الآن ـ كل حسب جهده وطاقته، لنتحرك بالتوعية الصحية، بالتعبئة العامة، بنشر ثقافة المدينة، بالحث على النظافة، بالإبلاغ عن أية حالة غريبة، بالتعامل بحذر مع الغرباء والوافدين، بخطب دينية توضح للعامة خطورة الممارسات الصحية الشاذة، بحملات لربط الناس بمنظومتهم الصحية، وثنيهم عن التحرك خارج عباءتها، بوثبة وطنية كبرى يتصدرها الأئمة، والخطباء، والدعاة، والأطباء، وخبراء التغذية، والممرضون، والمخبريون،ـ وعبر كل المنابر المتاحة ـ لإعطاء العامة معلومات بلهجاتهم الشعبية حول ضرورة الوقاية من “الإيبولا” ،وتزويدهم بخبرات مبسطة عنها، وعن طرق انتشارها، وسبل تطويقها ومحاصرتها، ولا أرى مانعا من استخدام قوة الدولة القانونية والأمنية والاعتبارية لحمل الناس على التبليغ عن أية حالة مشتبه فيها أينما كانت ومهما كان مصدرها، ومعاقبة كل من يتكتم على وضعية صحية مريبة مرتبطة بحميات ذات علاقة ب”الإيبولا” ونحوها.

وإذا كنا خضنا تجربة تبرع للرياضة، فلماذا لا نخوض حملة رسمية وشعبية مشابهة لدعم قطاع الصحة، لاقتناء المخابر، ووقاية عمال القطاع وتحفيزهم على مضاعفة الجهود، وتوفير الأدوية المناسبة، وإقامة مراكز عزل مجهزة في حالة ظهور حالات مرضية غير طبيعية لا قدر الله ( لا يمكن أن يختلط حابل الأوبئة بنابل الأمراض العابرة في مستشفياتنا العمومية لما لذلك من خطر على نظامنا الصحي كله) والعمل على تشييد مركز وطني متخصص في الأوبئة، به أقسام للفحوص، والمراقبة الوبائية، والعزل، والحجز الطبي المتخصص.

لنفق من طمأنينتنا البدوية، فالحمى على الأبواب، ومواجهتها ليست مسؤولية محمد ولد عبد العزيز، ولا ولد الغزواني،ولا ولد محمد الأغظف، ولا ولد جلفون، ولا أحمد ولد داداه، ولا مسعود ولد بلخير، ولا جميل منصور، ولا ولد بدر الدين، ولا صمبا تيام، ولا بيرام، ولا بيران، إنها مسؤوليتي كممرض وصحفي، ومسؤولية الطبيب، والجندي، والتاجر، والداعية، وبائعة الكسكس، والمدون، والإداري، والمعلم، والفنان، ورجل الأعمال، والآباء، والأمهات، وكل المواطنين بدون استثناء.

هذه قضية وطنية، لا مجال فيها للتجاذبات السياسية أو العرقية..ولا تخص جهة، ولا طائفة، ولا شريحة دون أخرى.
إن الوطن الموريتاني يواجه خطر “الإيبولا”، وإن كل مواطنيه الحقيقيين الشرفاء، والمقيمين على أرضه، الأوفياء له، يجب أن ينخرطوا ـ ومن هذه اللحظة ـ في مواجهة هذا الوباء.

هذه معركتي، ومعركتك، ومعركتنا.

فلنحارب “الإيبولا”..

لنحارب “الإيبولا”…