زعماء المعارضة.. يدينون الفساد ويبرئون المفسدين

إذا كان البقاء فيما ألف الموريتانيون العيش في كنفه، بين الموت والحياة، وهو وجود نظام حكم فاسد من ألفه إلى يائه، أيسر على كل حاكم وأكثر راحة له، من الخروج منه؛ وكان لكل نظام فاسد رجال أعماله، ووزرائه، وولاته، وحكامه، وحتى محاموه، وقضاته…

فإنه من الفظيع الذي يندى له الجبين أن يكون للمفسدين نصير وظهير من أحزاب المعارضة إلى درجة يخرجها بكامل طاقتها في مظاهرات عارمة جدا بحجم زعيمها وشعارها العظيم الذي حملته على يافطات كتب عليها: ” إننا ندين الفساد كمفهوم مجرد _ ونبرئ المفسدين الذين هم أشخاص يملكون أسماء شخصية وعائلية ويعترفون بما نسب لهم من أفعال”

… حتى أيقن كل من حضر مهرجانها أو شاهد قادتها على شاشة التلفزيون يتبادلون خطبا مسلوبة الثقة، ونظرات حزينة كأنها تخشى على سلالة المفسدين من الانقراض، أنه يحضر أو يشاهد آخر مهرجان موحد لهذه المعارضة تظهر فيه على سجيتها وطبيعتها التي هي: رفع شعارات كاذبة من ضمنها شعار محاربة الفساد مجردا من المفسدين الذين يعرف القاصي والداني أنهم يتألفون من التحالف الخطير بين رجال الأعمال وكبار الموظفين، وهم من قرر اتحاد القوى الديمقراطية كناية عنهم في مؤتمره الثاني العدي بتاريخ: 30 أكتوبر1999 ما نصه:” نظرا إلى أن الرشوة في بلدنا قد قادت إلى مسلسل مستمر من التنازل عن مواردنا الوطنية وعوائد المساعدات الدولية لصالح الملكية الشخصية للبطانة السياسية والتجارية للنظام وذلك عن طريق عدم شفافية إجراءات منح الصفقات العمومية، وفي الحصول على العملات الصعبة من طرف البنك المركزي، والجرائم الاقتصادية المتمثلة في إعطاء الأسبقية لبعض المتنافسين، واحتكار القطاعات الحيوية، والفواتير الوهمية، وتمويل المشاريع الخيالية، وبيع وحدات القطاع العام للبطانة الحاكمة بأثمان بخسة بذريعة الخوصصة”؛ كما أيقن أنها قلبت ظهر المجن علنا لضحايا الفساد الذين انتخبوا رئيسا يملك الإرادة، والرغبة، والشجاعة، والدعم الشعبي، والوقت المناسب، للقيام بإصلاح شامل مستهلا إياه بمحاربة الفساد والمفسدين ليكشف به ما كان مستورا من تحالف قديم جديد بين النخبة السياسية المعارضة مع من كانت تنعتهم برموز الفساد على الفتك بالمصالح الحيوية لهذا الشعب، هذا التحالف الذي تجسد عمليا فيما بات يعرف بمهرجان “بلوكات” والذي ستحتفظ الذاكرة الجمعية منه بـ:

· أن زعيمي المعارضة السيدين: أحمد ولدداداه، ومسعود ولد بلخير، قادا مظاهرات كان ثلثا شعاراتها يمجد الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، ويمجد مرحلته، ويحن إلى أسلوبه في الحكم الذي يقوم على عدالة أن: من سرق خبزا يسجن ومن سرق بلدا بكامله يكافأ.

· أنهما عندما قدما ما يقوم به رئيس الجمهورية من محاربة للفساد على أنه مجرد تصفية لحسابات الانتخابات الرئاسية مع المفسدين على اعتبار أنهم ساندوا فيها المعارضة ضده، فإنهما بنفس المنطق يقدمان ما توفره المعارضة من دعم ومساندة للمفسدين على أنه مكافأة لهم على مساندتهم لها في تلك الانتخابات…

· وبأنهما اعتمدا منظومة مفاهيمية لوقف الحرب على الفساد، أو على الأقل إصابتها بالشلل، على شاكلة أنها انتقائية، أو تصفية حساباتية، أو قبلية، وباختصار أنها كلمة حق أريد بها باطل… ولم يستطيعا رفع التحدي بتقديم حالة واقعية قابلة للترجمة الميدانية والتحقيق من نوع الوقائع المنسوبة لرجال الأعمال من طرف النظام القائم وقبل ذلك من طرفهم هم.

كما ستحتفظ هذه الذاكرة برغبة شديدة في إجابة منطقية من زعماء المعارضة عن تساؤلات تطرح نفسها بضغط شديد على الرأي العام الوطني حول أنجع السبل وأكثرها عدلا لمحاربة الفساد، هل هي العزف على وتر العفو عن سوالف أكلة المال العام، وفي الذاكرة من تجربة العزف عليه، في المرحلة الانتقالية، وفي فترة مرور الرئيس المنتخب سيدي الشيخ عبد الله، ما يدعو لقطعه وتطهير القيثارة منه؟

أم هي الرقص على جثث صغار الموظفين، والمقاولين، والسماسرة، من أجل ذر الرماد في عيون الشعب، وترك الحبل على الغارب للكبار منهم، وبعد حين تعود حليمة لعادتها القديمة: حكومة فاسدة حتى النخاع، ومعارضة تحارب الفساد كمفهوم مجرد وتستغل ضعف المفسدين وجبنهم من هبة شعبية لن تكون في أغلب الاعتقاد رحيمة ولا ودية؟

أم أن السبيل الوحيد لمحاربته هو إشراك المعارضة في جميع دوائر الحكم بنسبة: 47.42% حتى يقضي رئيس الجمهورية الثلث الأول من زمن مأموريته في إخماد صراع زعمائها على من سيدير ويسير وزارة المالية، أو وزارة الصيد، أو التنمية الريفية… والثلث الثاني في إعداد الخطط والدراسات النظرية سبيلا إلى الالتفاف على مخصصاتها، والباقي في إعداد لوائح الانتخابات الرئاسية والتهيئة لها… وخلال الحياة الاجتماعية لهذه المأمورية يتوفر المناخ المناسب للمفسدين ويجد رئيس الجمهورية نفسه مستسلما لأمر الواقع ومتربعا على كرسي رئاسة نظام فاسد؟!

صحيح أن المعارضة أجابت مسبقا بالإثبات عن مضمون هذا السؤال في بيانها الصادر بتاريخ: 26 نوفنبر2009 الذي رأت فيه:”… بأن الأغلبية الحالية عاجزة بمفردها عن مواجهة… التحديات…” ومن أخطر تلك التحديات على الإطلاق ما اعتادته أحزاب المعارضة من أساليب وممارسات دعا نائب اتحاد القوى الديمقراطية، الأستاذ/ محمد محمود ولد أمات في الكثير من وسائل الإعلام، لتغيرها في التعامل مع الأنظمة الحاكمة، وهي دعوة نرى فيها بكل جلاء تنفيسة عميقة عن رفض أغلبية كوادر الحزب للرهان الواضح على أزلام الأنظمة السابقة… ومهما حاول التحالف الشعبي التقدمي إخفاء نفس الرفض والتمرد على تلك الأساليب والممارسات وراء غضب رئيسه مسعود ولد بلخير على خيرة تلامذته: الساموري ولدبي، وعمر ولد يالي، وبيرام ولد الداه، لأسباب قديمة جدا على الغضب الجديد، فإن لسان حال منتسبي حزبه، وهم من ضحايا الفساد الذين أجل المفسدون دفنهم ليكونوا عبرة لمن يعتبر، يقول لا للتحالف مع رموز الفساد.

و صحيح أيضا، وهذا هو الأهم، أن الأغلبية الساحقة من المواطنين الموريتانيين، على اختلاف مذاهبها ومشاربها، تتفق مطلقا مع رئيس الجمهورية اللواء محمد ولد عبد العزيز في أن الحرب على الفساد: الأخلاقي، والسياسي والمالي، والإداري، الذي ظل مجهول النسب أو مبني على المجهول قبله، يجب أن تكون شاملة من الناحية الإستراتيجية لضمان كسبها على المفسدين وتدريجية من الناحية التكتيكية… كما تتفق معه تماما في أنها لا يمكن خوضها بدون خسائر خصوصا أن جبهة المفسدين ظلت تكتتب في صفوفها طيلة ما يزيد على عشرين سنة من ممارسة الفساد الوبائي الشامل، إلى غاية تجنيد زعماء المعارضة للمنافحة عنها في كافة المنابر حتى تحت قبة البرلمان… تلك المنافحة التي يقترب حامل لوائها النائب الموقر المصطفى ولد بدر الدين شيئا فشيئا من المطالبة بسن قانون خاص بمحاكمة الأغنياء وآخر لمحاكمة الفقراء، أو على الأقل سن قانون تقضي المادة الأولى منه: بأن لا تفتح السلطة السياسية الحاكمة ملفا من ملفات المفسدين إلا وطوي فورا لصالح زعماء المعارضة.

ولأن الفساد عائق مهدد للتنمية والاستثمارات الأجنبية ومسبب أساسي للفقر وعائق أمام تجازوه حسب تأكيد بيتر آيغن عميد منظمة الشفافية الدولية الذي يرى في شن الحرب على الفساد سبيلا وحيلة لتحرير الإنسان من الفقر، ولأنه انتشر كالوباء في بلدنا وكبده خسائر بشرية ومادية وأخلاقية بليغة، لن يجبرها إلا القضاء عليه ببناء موريتانيا جديدة: موريتانيا البناء، والمساواة، والعدل.