وزارة الثقافة والشباب … أي وئام؟

كثر الحديث في أروقة وزراة الثقافة والشباب والرياضة عن انفصال متوقع بين الثنائي غير المنسجم، بفعل أن الثقافة المتغنى عليها وطنيا لها دعاة يحاربون زواج المسيار بينها وبين الشباب، بحكم أنهم مردوا على إقصاء الشباب، وإن دخله بعضهم متسللا، هاربا من كراهية مثقفي الخرافة لسن المراهقة وما بعدها، طامعا في أن يصله عطف الرئيس فيضعه على هامة المجلس الأعلى للشباب، وينتهي عصر الفتوة بذبح قريبي العهد من الصبا وبواكير العمر.

وقد شن المتمرزقون باسم الثقافة حملة شعواء على الشباب والرياضة، باسم تشويش الثنائي الممقوت من قبلهم على الثقافة، التي زعموا أنفسهم تصوفوا في حبها، والوفاء لقضيتها، وهم استبدلوها بالنفاق، وبطلبات الدعم المهدور في الجيوب الآثمة، وتناسوا أن ثقافة البلد عفة وقيم وأخلاق ومروءة ودين، والارتزاق مستحدث وافد ليس إلا، والمنغمسون فيه شوشوا على كل شيء بالبلد، ورهنوا الصالح للطالح، فمهرجانات ومنتديات وندوات الفيافي سار الركبان بخبرها، وأهدرت فيها طاقات الدولة، وصارت ثقافة متبعة في هدم هرم القيم، الذي بناه الأجداد فأعلوا الصرح، الممرد بقوارير البطولة والتضحية.

واليوم يأسف كثيرون على أن 1% كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز اقتطعها للشباب أهدرت في مهرجانات الكسكس والأرز، وفي صناعة وتعليم “العيش”، وربما من حسن الحظ أن بعضها تحول طعاما أو ماء، في بلد يأكل أهله الثقافة في الفواتير، في الحبر والورق والكتابة، في بلد انتشرت فيه ثقافة “أعطني”، ولا تعطني الناي وغني.

وهنا يجد الشباب هو الآخر الفرصة سانحة ليرد الصاع صاعين للثقافة، فيصف الثقافة الرائجة بغير المجدية، فلم تكن مما ولد يوما في شنقيط، ولا ما عاش في ولاته، ولم تسكن في شارع الأربعين عالما، ولم تعرف تيشيت مثلها في الخوالي، فهي ثقافة اللوبيات، والماسونية، بحيث يتحكم نفر في الثقافة والفنون، ويستجلب الثقافات الرديئة لمصالح ضيقة، من لا يعمل يكرم فيها بصفته شاعرا أو أديبا أو مثقفا أو وجيها أو فنانا، وهو ليس متفننا إلا في الاقتيات على الميثولوجيا والأساطير، فهمه الأوحد جيبه، من يعطيه يفهم الثقافة، ومن يمنعه لا يفهم شيئا، ولا يقدر العلماء والفقهاء ولا أصحاب الرأْي والكتاب، والنحاتين، بل “الشحاتين”.

وتمتد يد “الطلابة” لوزراة الثقافة مطالبين بمخصصات صندوق دعم الشباب والرياضة لصالح المتشاعرين، والمتثائبين كسلا وخذلانا، الذين على مدى قرن من الدعم المتدفق لم ينجزوا إنجازا تاريخيا يفيد المعرفة بشيء، ولم يتصرفوا تصرفا مقبولا في عالم ثقافة نشر قيم المواطنة، والإخلاص لقضايا الإنسانية، ورقي التعاطي بين الأنا والآخر.

فلقد كرست الثقافة المحلية المتداولة قيم الطبقية، والفساد، وهدر المال العام، ولم تسهم في بلورة فجر الحقوق، الذي لا يزال يفرض محليا من قبل منظمات ودول العالم الحر المتقدم، ومراسيم تصدر من قبل السلطة التنفيذية لوقف زحف قيم التهميش، والإقصاء، والمسلكيات الشائنة، التي سادت المنكب النائي عن سماوات الرقي والإزدهار، بفعل التقارب مع قواعد الظلام، التي من أبشعها قاعدة مجتمع “الأنباط” القائلة: “من يعمل يقتل”.

أما من يمدح، ومن يهجو فيرزقان، ومن يؤلف الكتب في مثالب العابرين فيثاب، والجنة والنار في يد الثقافة السلبية تدخلهما من … وتمنعهما من …، والشهادات الحقيقية، والمعرفة الحقيقية، والمهنية، والعمل، فهي أشياء لا تكفي ما لم تتقنع بالتزلف، وتتلبس بالـ … وبالــ … .

لقد مل الشباب من مثقفي “لخروطي”، وكل من جثامينهم المفروضة إعلاميا، ومسرحيا، ومن تباهيهم بتزعم الإصلاح، وهم رجعيو حقب أزمنة البلاط، وعنتريات وأوابد الجاهلية، كرسوا في الكتب العبودية والفئوية، ووضعوا على رؤوسهم تاج عز لا وجود له في حقيقة نصاعة الماضي المجيد، إذ لا يوجد ما يماهي بين المرتزق والعامل، ولا ما يساوي بين المتملق والمكابر برغم الظلم والتهميش، فالعالمان متناقضان، لا يجمعهما جامع، ولا ترفعهما أعمدة موحدة.

وإذا كان المثقفون روجوا أنهم ضحايا الشباب، فالشباب يعي جيدا أنه الضحية، والوعي الحاصل عند رئيس الجمهورية وحكومته يؤيد هذا المسار، وهو تجلي لحالة شعبية لم تعد تقبل ثقافة الإقصاء والتهميش، ولا تترك للكهنوت مكانا مقدسا، لم يقدسه كتاب الله، ولا سنته، ولا الأفكار النيرة، التي اعتبرت صرخة مدوية في عالم الفكر، لتغييرها وتنويرها لحياة الناس، وإذا كان ثمة من يجب أن يترجل عن الشباب فهو ثقافة اللاثقافة، ولا مانع أن تبقى الثقافة الحقيقة ثقافة القيم والمعرفة والعمل وحقوق الإنسان والترفيه المعقلن، والمتماشي مع المبادئ، والتوصيات العالمية، المقبولة دينا وعقلا.

وهنا يشاع أنه ثمة عزم على فصل الشباب والثقافة والرياضة إلى عدد من الوزارات، وهو أمر يتماشى مع المنحى العالمي، ويسبر غور الكثير من الإشكاليات التي تحاول النخب الطافحة الترويج لها، لعافية الأنصاب والأزلام، لا لعافية الثقافة والشباب، ولمصلحتهما الصابة بالضرورة في مصلحة البلد.

فإذا كان هذا الفصل المتوقع قادما، فمرحبا به، على أن لا يأخذ منح الشباب والرياضة والترفيه المنصوص عليها في سياسة وطنية معروفة، مصادق عليها من قبل البرلمان لصالح الثقافة، ذات المفاهيم المغيبة، التي جعلتها تعني المحاباة والنفعية وطلب الصدقات، ومجالا مشبوها للإثراء بدون سبب.

وإنه لا يخفى غياب الوئام بين الشباب والتزلف، فالشباب يريد التكوين والتدريب والعمل، ولا يجيد النفاق والتصفيق، وإذا تعلمه تحت أي يافطة فإن الأمور لن تكون بخير في الغد، فشباب اليوم رجال اليوم والغد، ولن ينجح الغد بلا رجال أسوياء، قادرين على العطاء والمبادرة، والعمل الجاد، فالتزلف والتطبيل لا يبنيان، ولا يرفعان، وإنما يضعان، ويمحقان.

بقلم د. دداه محمد الأمين الهادي