“فلام” بين وهم الانفصال وضرورة الحوار

إن “قوى تحرير أفارقة موريتانيا” المعروفة اختصارا بـ”فلامFLAM ” و التي لا شك أنها تتمتع بوزن معلوم و كلمة مسموعة في المعادلة السياسية الوطنية بغض النظر عن المواقف المتخذة بشأنها، قد ولدت في شكلها دون جوهرها – مثلها في ذلك مثل كل الحركات القومية و منها العربية – من رحم الانتمائية العرقية الضيقة باللون و الثقافة في ظرف شهد فيه العالم مدا إيديولوجيا قوميا قلما وجد له نظير في تاريخ الإنسانية تبنته جل الأعراق من كل السلالات البشرية في القارات الخمس نتيجة تقارب المسافات و تقلص الفجوات و السباق المحموم للاستئثار بخيرات و مقدرات الأرض و التربع على عروش و كراسي الأحكام في حيز المساحات المشتركة.

و ما النازية بزعامة “الفوهرر آدولف هتلر Führer Adolf Hitler” الذي ادعى فوقية ونقاوة العرق ” الآري” على غيره من الأعراق في كافة السلالات و على رأسها البيضاء إلا دليلا ناطقا على ذلك و قد امتدت مطامعه استنادا على هذه الفوقية إلى مقدرات و خيرات كل البلدان الأوروبية و ما سواها حتى بلغ غازيا تخوم سيبيريا شرقا حيث حاصر البرد الشديد و جمد جيوشه، و عمق صحراء مصر و ليبيا غربا التي دارت فيها معركة “العلمين” الفاصلة و هزم فيها جنراله الداهية الفذ “رومل” على يد الجنرال الانكليزي المثابر و المحارب العنيد “مونت غوميري”.
في الولايات المتحدة الأمريكية ظهرت في وجه الدعوة إلى تحرير الزنوج من ربقة العبودية المسيئة إلى الدستور الجديد حركة “كو كلوكس كلان Ku Klux Klan” ذات النزعة القومية الضيقة التي تشيد بفوقية البيض. و لما أنها كانت على بشاعة ما أقدمت عليه من المحاكمات الصورية للزنوج و تنفيذ حكم الإعدام فيهم بتهم مفبركة يندى لها الجبين و خارجة على كل قواعد المعاملات و التعايش بين المجموعات البشرية، فإنه سرعان ما انطفأت جذوة نارها بفعل تضافر القوى و التيارات الأمريكية الرافضة لهذا الفكر الهمجي و المؤمنة بالمساواة و وحدة المصير في ظل أمة واحدة و ديمقراطية نافذة.

لم تفلح في الصين الدعوات القومية الضيقة الفجة، التي نادت بها في فترة سابقة قومية الهان Hanالتي تمثل حوالي 92% من سكان الصين و هي بذلك تعد أكبر القوميات المشكلة لفسيفساء الشعب الصيني البالغة 56 قومية، في وضع الصين على مدار التطور و الحضور المزاحم في النادي الضيق لأقوى دول العالم اليوم، إلا لما تصالحت مع نفسها و تبنت بوعي مجرد قومية الانتماء المشترك للحيز الترابي و لقواسم و رموز الكيان المتقاسمة.

كما لم تنجح العنصرية البغيضة في جنوب إفريقيا في خلق هرمية تفاضلية في الأعراق المختلفة المكونة لنسيج السكان من زنوج و هنود و غيرهم تحت ظل و هيمنة البيض المنحدرين من أصول أوروبية. و لما كانت الغلبة للنضال ضد نظام الفصل العنصري البغيض “الأبرتايدApartheid ” بريادة الخالد “نيلسون مانديلاNelson Mandela ” فقد حاولت أفراد من زعامات حركة المؤتمر الوطني الإفريقي، الذين استهوتهم القومية الزنجية المنحسرة في اللون و المجسدة في غنائيتي الشاعر و السياسي السنغالي ليوبولد سيدار سانغور Léopold Sedar Senghor و الكاتب و الشاعر المرتنيكي و السياسي المتمرد أيمي سيزيرAimé Césaire على أنغام تيار الزنجية La Négritude، أن يعكسوا الآية و سولت لهم أنفسهم الإساءة إلى البيض وإعادتهم إلى حجمهم الجديد ثم مضايقتهم و السعي إلى تجريدهم من قواهم الذاتية، كان لهم مانديلا بالمرصاد حيث قال لهم بالحرف الواحد “إنما كنت أناضل من أجل أن يتساوى كل المواطنين من كل الأعراق و الألوان على هذه الأرض في الحقوق و الواجبات و لن أحيد عن ذلك أو أترك أيا كان التحول عن هذه النهج الذي يلائم فطرة البشر الحقيقية و يلامس فيها سقف الإنسانية النبيلة و المجبولة على الخير بالفطرة.

وما هذه الأمثلة على ما كان لها من مساهمة كبيرة في استجلاء و إدراك و تعميق مفهوم الإنسانية في كل أجوجه معانيها إلا النزر القليل من الحالات التي انتشرت في العالم وأخذت مدايات مختلفة قاد منها البعض إلى حروب انتهت بانفكاك عقد أمم وتحويلها إلى كيانات متعددة، وما زال منها البعض يدمي و ينخر أجسام عديد الأمم ويهدد كياناتها بأسوء النتائج .

و ليست موريتانيا التي تأثرت بتيارات قومية وفدت إليها، من منطلق واقع ثقافاتها و انتمائاتها البربرية والزنجية والعربية، إلا أن كانت مختبرا عرفت فيه كل مكوناته الإحساس بتميز الانتماء و رغبة الاستئثار فيما هو موجود من الخيرات في الحيز الترابي الذي تتواجد عليه وتحسبه ملكا خالصا لها دون غيرها والذي هو جزء من ذلك الحيز الذي مد فيه جذوره.

و بقدر أنه ما كان لهذه الاديولوجيات أو التيارات الفكرية الغازية دور لا يستهان به في خلق وعي نقل روح البداوة وفظاظتها دون أن تقتلها إلى حيز المدنية وروح العمل والتطور فيها فقد ضعفت تلك النزعات القومية في خضم ذلك التحول الايجابي الجديد من ناحية و في ظل قيام أركان الدولة المركزية، تحت وطأة وجوب الاشتراك معا في الأخذ بالقواسم المشتركة و في التوجه معا في طريق تحقيق المصالح المتقاطعة و المتكاملة التي تفرضها في العمق و تلقائيا ضرورة البقاء.

و لقد ساعد عامل الدين المشترك و التاريخ المتشابك الحلقات في كبح جماح التهور و الشطط الذين ظلت تمسك و تتشبث بعراهما تيارات و زعامات و و توجهات فكرية و ثقافية من فترة لأخرى تحت نير ظروف تختلف في شكلها و دوافعها و أهدافها و منعرجاتها الزمنية. و لو أن الفكر الإسلامي و المذاهب الشرعية و الفقهية التي انتشرت على اختلاف مدارسها و بتنوع وسائل اقتنائها و العمل بها و سرعة انتشارها قد زادوا جميعهم من حدة الخلافات القائمة و شعبوا مسالك التأويلات و بسطوا حصير التنوع فإنهم لا يزالون مع ذلك عوامل يحسب لها ألف حساب في دعم الوحدة و تقوية أواصر اللحمة بين كل المكونات و إشاعة السلم الأهلي.

فهل تدرك حركة “فلام” مثل غيرها من الحركات، ذات النزعة القومية الانحسارية فى عرق أو لون أو ثقافة كل هذه الأبعاد و ترسو بنضالاتها – التي تحمل بعضا من الشطط الفكري ألمطالباتي إن جاز التعبير و الذي أفصح عنه النداء بالانفصال خلال مؤتمرها الأخير – على “جودي” ما هو مشروع من مطالبة الدولة بالسهر على تحقيقه و تعميم وجه العدالة فيه في أجندة نضالية جديدة تتسم بالجدية و الصرامة في العمل و تبتعد عن الحدة و الغلو و السقوط في فخ “إقصائية” تقول “فلام” نفسها إن من تدافع عنهم ضحيتها في وطنهم؟