في ذكرى أحداث 11 سبتمبر2001…رؤية وتحليل….

ليلة 11 سبتمبر2001، كنت وبعض الزملاء على مشارف مدينة أطار متوجهين إليها لتغطية زيارة العاهل المغربي محمد السادس، صحبة نظيره الموريتاني آنذاك معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع، وكان معي بعض الزملاء في الرحلة، من بينهم مدير جريدة “أشطاري” التاه ولد أحمد. ولعل أحد الزملاء استعجلنا للمبيت في أطار، فتحرج التاه ورد عليه قائلا: “ربما لا تتم هذه الزيارة” وسيعني زيارة الملك إلى أطار.

وكان الوفد الرئاسي-الملكي على وشك السفر جوا من نواكشوط إلى أطار، ولكنه قبل ذهابه إلى المطار بنواكشوط علموا بخبر أمريكا المثير بامتياز.

ضرب بالطائرات في قلب منهاتن بنويوروك، وعلى أعل المباني التجارية الشاهقة، “برجي نويوروك” الشهيرين، مع استهداف محدود للبنتاغون “وزارة الدفاع الأمريكية”.

وفي المقابل محليا ألغيت الزيارة فعليا، ولم يصل محمد السادس وقتها إلى أطار، وبقي معه طبعا مضيفه معاوية، ليغادر الملك المغربي الأراضي الموريتانية على عجل، وتوجه الجميع إلى الشاشات ومصادر الأخبار ومستجدات الحدث المثير، وبكى اغلب العالم بكاء التماسيح غالبا على قتلى أمريكا!، التي طالما قتلت بدم بارد في الحضر وبين ظهور المدنيين البرءاء قبل أن تقتل -على نطاق واسع- في ساحات الوغى والحروب.

فهل نسي العالم أجمع وقتها حصاد أمريكا المر في العالم أجمع، وفي فلسطين من خلال الدعم المفتوح غير المشروط، سوى من عبارات تنديد نادر بارد، ببعض أعمال الكيان الصهيوني لا كله.

فهل بكت أمريكا يوم بقر موش ديان بطون الحمل الفلسطينيات وغير الحمل من النساء طبعا، أحرى الرجال والأطفال في مجزرة دير ياسين الشهيرة، وأين كانت أمريكا والمتباكون معها، يوم قتل أشنع قتلة في التاريخ الإنساني كله أريل شارون، الذي أطيل عمره تعذيبا، ثم رحل بإذن الله، إن شاء الله، إلى عذاب أكبر، آمين.

وكان ذلك الفعل الوحشي الشاروني في لبنان في المخيمات الفلسطينية المدنية طبعا، في صبرا وشاتيلا سنة 1982.

إننا معشر المسلمين وأمريكا في حالة حرب، سواء صرح بعضنا بذلك أم لم يصرح، وهذه هي الحقيقة، والبادئ أظلم طبعا.

فأمريكا هي التي تبنت الكيان الصهيوني اللقيط، وظلت استراتجيا ملتزمة بهذا الموقف، وهو جزء أساسي من سياستها الخارجية وسياستها المركزية عموما، وتعطي في ذلك المنحى وتنفق مئات البلايين من الدولار، وضمن سياق متصل تتآمر على المسلمين في العالم أجمع، رغم بعض مواقف المجاملة المحدودة، خصوصا داخل أرضها الخاصة “الحيز الترابي لدولة الولايات المتحدة الأمريكية”، لكن هذا لا يكفي لخداعنا جميعا، ولو نافقتك دول الخليج كله، وخصوصا المنتجة منها للنفط بكمية معتبرة، لتشابك المصالح، إلا أن مواقف الشعوب المسلمة، بغض النظر عن قهر الأنظمة الاستبدادية العربية المتغلب العميلة.

أجل، ستبقى هذه الشعوب في أغلبها حانقة على أمريكا، سلطة وشعبا، لأنهم في أغلبهم يتبنون إلا من رحم ربك، على مستوى أمريكا موقفا معاديا نظريا وعمليا، لمصالح المسلمين بوجه عام والعرب المسلمين بوجه خاص!.

أمريكا تفرض نفسها شرطي العالم، الذي يلتهم كل شيء دون حساب لشيء، في جو من الطغيان، حتى أنهم لا يحسبون مرة واحدة بحكمة، لتطرفهم ووحشية توجهاتهم المستنكرة في الكون كله، والتي يطبقونها في الشرق الأوسط والعالم العربي عبر حليفهم الصهيوني، الذي هو حقيقة جزء من أمريكا الكبرى، رغم غرس هذا السكين الصهيوني الأمريكي الصنع والتمويل والحماية في قلب جسمنا العربي والإسلامي، بمشرقنا العزيز، على حافة قارتنا البكر، الزاخرة بالمسلمين وخيراتهم، أفريقيا.

إنني لا أرى المدني عموما في سياق الحرب، هدفا نظيفا لا عندنا ولا عندهم، ولكن التنديد العلني بضحاياهم من المدنيين دون تنديد مقابل بما يقع عندنا، دون حياء ودون تنديد طبعا، قديما وحاضرا، موقف لا يستقيم رجولة وقوة ومهابة.

فلماذا ندعي بأننا كارهون لبن لادن، وفتيته الشجعان الإستشهادين المؤمنين، الذين قتلوا وضحوا في قلب دولتكم الظالمة المزدوجة المعايير، وهم لم يقتلوا من صفكم يوم 11 سبتمبر2001، عشر ما قتلتم ظلما وعدوانا، مباشرة أو غير مباشرة، عبر بقية حلفائكم، من الصهاينة وغيرهم.

ديننا يدعونا إلى تجنب قتل النساء والصبيان والشيوخ في الحرب، ويبقى الهدف المدني عموما، عملا عسكريا غير نموذجي، وليس هو الأولى والأرجح، فالكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، أقرب لرضوان الله من غيرهم، وإن أجيز القصاص عموما في الحالات المدنية والعسكرية من باب أولى.

قال تعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”.

فالأفضل قتل الأعداء في ساحة الحرب المباشرة، والابتعاد عن الأهداف المدنية، لكن هذا ليس دائما أو مفروضا شرعا، فالأمر قابل للنقاش بصراحة، ولست البتة من المتباكين على فاجعة أمريكا يوم 11 سبتمبر2001، رغم كرهي لاستهداف المدنيين العزل، إلا أن سياسة أمريكا هي التي قتلت الأمريكيين أو الضيوف على أمريكا الحاملين لأوراقها، جنسية أو إقامة، بسبب دموية ووحشية السياسات الأمريكية، منذ حرب فيتنام والقنابل النووية على هيروشيما وناكازاكي في اليابان مهما قيل عن تصرفات اليابانيين، فقد ضربت أمريكا في الصميم المدني والإنساني، عندما قتلت بتلك القنابل النووية سكانا بكاملهم في تلك المدن وتركت العاهات السرطانية وغيرها تتوارث إلى اليوم.

طبعا، آه، آه، وخسرت أيضا أمريكا، في حسابنا الإسلامي الجماعي، منذ أن قررت أن تبيح دماءنا معشر المسلمين، في كل شبر من الأرض، حتى أنهم الآن يريدون الدخول مباشرة مرة أخرى، في أرض العراق الطاهرة، جوا أو برا أو هما معا لقتال تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

نسلم جدلا أنهم متطرفون ووحشيون، وهذا ليس على إطلاقه طبعا، فلماذا لا تحاربون المتطرف الأول محل الإجماع العالمي، الكيان الصهيوني اللقيط، المسمى اسرائيل، قبل متطرف ناشئ صغير في العراق، إبان أحداث الموصل، وتغضون النظر، أنتم ومنافقيكم من الأعراب، وخصوصا من الحكام السعوديين والإماراتيين.

اللهم لا تهمل أمريكا، ولا حكام السعودية والإمارات بهذا التحالف المهين المشين، رغم إتفاقهم شبه العلني على قتل الغزاويين والغزاويات بدم بارد، وهدم ديارهم على رؤوسهم، ومع ذلك يخرج علينا العم سام الغربي والأمريكي خصوصا ويقول للعرب المسلمين بوجه خاص، والأغنياء منهم على وجه الخصوص، يقول لهم بلسان الحال قبل لسان المقال: “تعالوا معي نقاتل متطرفيكم، ونترك ونحمي معا متطرفينا، اسرائيل رمزا الديمقراطية والتنوع!!!”

إنهم يحتقروننا ويقتلوننا معنويا أكثر مما يقتلونا ماديا أحيانا!!!.

إن أحداث11 سبتمبر 2001 ليست سوى حلقة من حلقات الصراع بين الحق الإسلامي، والباطل الأمريكي الصهيوني الصليبي المتحالف ضدنا، مصداقا لقوله تعالى: “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم”.

أما موقف بعض الأعراب، فهو حرفا بحرف وشبرا بشبر تقريبا، موقف مشابه لموقف المنافقين بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالحلف والتفاهم مع أمريكا وإسرائيل، لا يخلو من خطر على العقيدة وسلامة الانتماء الديني والقومي.

فيا معشر المتباكين على أحداث 11 سبتمبر2001 ، ومعشر الداعين والداعمين للحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، رغم بعض أخطائه في الرؤية والممارسة، أين دينكم، أين عروبتكم، وأين مجمل شعاراتكم المرفوعة باستمرار، في إعلامكم المرئي والمسموع والمكتوب، في الخليج وعند سائر الأنظمة العروبية الموالية لأمريكا؟!.

لقد بلغ السيل الزبى فعلا، فما عادت الفضيحة في حسابهم تقاس بأي قدر من الانحدار والفجاجة.

أليس من السخافة الحماس في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام، والتغاضي وتناسي ما أقدمتم عليه من اشتراك في الجرم المدوي –عبر النكوص الإعلامي والعملي والإغاثي الحقيقي- عندما نكبت في رمضان وقبله وبعده وحتى اليوم غزة هاشم؟؟؟!!!.

منذ ثلاثة عشر عاما وقعت هذه الحادثة العابرة البسيطة، بالمقارنة مع وحشية الموقف الأمريكي مما حدث في العالم أجمع والعالم الإسلامي بوجه خاص وأرض فلسطين الطاهرة المباركة المقدسة بوجه أخص، فأين عقولكم يا أيها الأمريكيون المغرورون، والغربيون عموما، البلهاء الحاقدون؟!

أفكما قال الشيخ الشهيد أسامة بن لادن رحمه الله: “أتحسبون دماءكم دماء ودماؤنا ماء”.
لا، لقد كانت أحداث 11 سبتمبر2001 نصرا معنويا كبيرا، وفرحنا به كثيرا على الأقل، نقولها لإغاظتكم، مقابل قدر يسير من أحزاننا المستمرة في كل شبر من العالم والتاريخ المعاصر منذ أن برزت دولة أمريكا الصليبية الفاشلة في تحقيق العدل العالمي، والتي زينتها منذ ولادتها الشعارات وفضحتها الممارسات على أرض الواقع، في كل ساحة حرب أو سياسة.
فكانت الولايات المتحدة الأمريكية على الدوام، إلى جانب مصالحها الضيقة ومصالح حليفها الصهيوني، المغروس ظلما في بعض أرضنا الإسلامية، فلسطين، وتتغاضي عن أنهار وبحور دماءنا ومأساتنا في كل يوم وليلة، ومنذ قرون.

فإلى متى نجاملكم؟.

إننا نصارحكم بالحقيقة من أجل حوار حقيقي وصلح حقيقي إن أمكن، فنحن لا نبتغي الحرب وإنما نفضل السلام العالمي والسعادة للإنسانية جمعاء، رغم الإختلاف العقدي والمصلحي. فهل تفهمون هذا الدرس والعبرة الأهم من أحداث11 سبتمبر2001؟، أم تفضلون استمرار المسار المتوتر الحالي.

لا، طبعا إننا لا نتبنى المجاملة والسكوت عن البوح الصريح بالرأي المسالم، أكررها لقد كانت أحداث 11 سبتمبر2001 جديرة بالتأمل الصريح فعلا، فرغم سقوط المدنيين الذين نأسف لقتلهم، لأنهم أصروا على البقاء في ساحة الحرب، وهي كل الأراضي الأمريكية المشروعة الاستهداف طبعا، فإنكم أعداء حقيقيون بالمعنى الأمني والسياسي والعسكري الحالي. و غرابة إن واجهكم خصمكم المسلم المجاهد، تنظيم “القاعدة” رغم الإختلاف على أسلوبه والذي يتبنى السلاح وحمله ضدكم، لأنكم البادئ بالقتل ومباركة قتل المدنيين من المسلمين وغيرهم، في كل مكان، وبوحشية دونها التاريخ، في كل سنة وشهر منذ أن قامت دولة الولايات المتحدة الأمريكية وإلى لحظة كتابة هذه السطور الجريئة الصريحة المجاهدة، والتي أحتسبها لله وإنصافا للإنسانية جمعاء ربما، قبل حتى قضيتنا الأولى، فلسطين المحتلة.
فلا تطمعوا في تنديدنا الكامل، بهذا الحدث يوم 11 سبتمبر2001 على أديم أرضكم وداخل وطنكم، قبل أن تعترفوا صراحة بعمق فداحة ما قمتم به في العالم أجمع وعندنا بالذات، ونتحاسب ويرجع لكل ذي حق حقه.

ولا غرابة وقتها أن نأسف بحق أو تصنع بالنسبة للبعض من سقوط ضحايا في صفكم المدني، أما قبل ذلك فلا نقول لكم إلا اللهم، وكل يوم 11 سبتمبر في عمق أرضهم وكل شبر من الأرض، فيه بعض مصالحهم المشروعة الاستهداف، حسب الجو الراهن، الخلافي الذي غلب عليه طالب النزاعات الدموية، والخلافات الجذرية بين جميع مكونات الحضارة الإنسانية الحالية، التي أوشكت على الإنفجار بسبب الظلم والمعايير المزدوجة، وخصوصا من قبل الغرب الصليبي الصهيوني وقيادته السياسية والعسكرية: أمريكا وإسرائيل.

فأنتم تقتحمون باستمرار ساحاتنا المدنية قبل العسكرية كل يوم، وما أحداث غزة هاشم في رمضان المنصرم ببعيدة، وليست الوحيدة.

فلا تطمعوا فينا كلا أو بعضا، -بجدية وصدق- شفقة حقيقية على موتاكم، إن لم تندموا على قتل موتانا وشهدائنا بالملايين، من المسلمين خصوصا، وترجعوا إلينا كل حقوقنا المسلوبة، وأما قبل أن يحصل هذا بالكمال والتمام، فلا تهمنا قتلاكم أو خسائر بنيانكم الشاهق أو الواطئ الهابط.

قال الله جل شأنه: “وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون”.