الاتحادات و التجمعات… طوق النجاة الواهي

لن تكون موريتانيا إلا كما يريد أبناؤها / المختار ولد داداه

بما أن مستقبل موريتانيا لن يتم بناؤه إلا بسواعد وعقول أبنائها فعن أي اتحاد مغاربي عربي يجب الحديث باستفاضة و عن أي تجمع إقليمي لدول غرب إفريقيا يفترض أن يدور الكلام و تطرح و تصاغ الأفكار في الوقت الراهن المثقل بالتحديات التنموية و الأمنية إذا لم يكن كلاهما إطارا اقتصاديا لا يخلط “ملح” تبادل المصالح في ندية و تكامل مع “سكر” العواطف الانتمائية الجياشة و الغنائيات القومية الساحرة التي تحمل بما هو جزء منها من الشطط والضر أكثر من المنافع المتوقفة بالأساس و الجوهر وابتداء و انتهاء على إرضاء الغرور البشري لا غير؟ فحري بكل بلد من التجمعين أن يواجه مشاكله البنيوية الملحة و الشائكة حتى يستقيم على عوده لينشد من ثم دواعي الاستقواء في إطار أشمل و أصلب.

صحيح أن موريتانيا تتقاسم مع دول المغرب العربي الأربعة الأخرى نفس الحيز الجغرافي الصحراوي في أغلب المساحات و دون المتوسطي في الأعلى، كما تتقاسم و إياها جزء كبيرا من التاريخ و تدين شعوبها بذات المعتقد الإسلامي في الدائرة الكبرى للمذهب المالكي و تتبع كل المدارس المتفرعة عنه و تنطق في غالبيتها باللغة العربية لاستثناء ما يكون من وجود “الأمازيغ” و جاليتين “يهوديتين” في كل من المملكة المغربية و الجمهورية التونسية.
و صحيح أيضا أن موريتانيا تتقاسم مع كل دول غرب إفريقيا و بشكل وثيق تلك منها المشمولة بالانتماء المشترك لمنطقة الساحل المتميزة بمناخها الحار و الجاف و بتلاقي قاطنيها في العادات و مفرزات التراث و بالتقاطع في أنماط العيش و ممارسة الشعائر الإسلامية و العمل بآدابه ضمن منظومات أخلاقية متقاربة رغم تنوع لغات أعراقها واختلاف ثقافاتها الأصيلة في العمق.

و إنه بحكم هذه الخصائص التي تحمل في هذين القطبين المغاربي و الغرب إفريقي كل الأبعاد:

· المعتقدية و السلوكية التي يمليها الجوار و ما يتولد عن ذلك بشكل طبيعي من اختلاط و تقاسم للمنافع التي تفرض بدورها تشابك المصالح و ما ينتج عنها وجوبا من ضرورة التبادل لتلبية التوازنات،

· و تقارب أو بالأحرى تقاطع السياسات في إطار إدارة شبيهة المعالم و الممارسات و مشتركة الرؤيا و اللغة الموروثة عن نفس المحتل الفرنسي كما هو الحال مع دول المغرب العربي ما عدى الجمهورية الليبية التي كانت في هذا الشأن استثناء للقاعدة، مستعمرة إيطالية مثل إثيوبيا و اريتريا.

وجدت موريتانيا نفسها، بعد نيل الاستقلال و ما حفلت به السنوات الأولى التي تلت إعلانه من كفاح في سيبل إثبات الهوية و فرض احترام الخصوصيات، مرغمة على الالتحام بهذين القطبين الذين أرادت دولهما أن تستجمع القدرات البشرية و المقدرات الاقتصادية لخلق إطارين قويين يوطدان الاستقلال و يخلقان أقطابا تنموية حية تعين الشعوب على نهضتها و تحقق لها الاستقلالية بالخروج المطلق من دائرة التبعية و بالتخلص نهائيا من النظرة الدونية التي تلاحقها لما تنطوي عليه من اتهامات بالتخلف الذهني. و بالرغم من نبل المقاصد إلا أن المحاور التي تم العمل عليها كانت أبعد ما تكون عن الأهداف و أقرب ما تكون إلى:

· ما كان السبب قبل نهاية القرون الوسطى في حروب أوروبا المذهبية الدينية في ظل تعدد و اختلاف كنائسها؛
· و ما كان سائدا من الفكر القومي في مفاهيمه و مقاصده الشوفينية الضيقة التي تقصي الآخر على خلفية طبقية وليدة قرون من الظلامية سحيقة تفننت في الأوصاف و النعوت و الألقاب إلى حد أن بعض الطبقات حملت جملة أسماء تصنيفية كـ”القبيحينLes vilains ” و “العراة من السراويل Les sans-culotte ” و “ملك أيمان الأسياد Les serfs”، الذي فرض نفسه على أشهر الكتاب و الشعراء و أكثرهم تحررا و مناصرة للقضايا الإنسانية و ألهمهم كما هو حال الشاعر الفرنسي العظيم فكتور هوغو الذي ألف رائعته المتمردة “البؤساء Les misérables “؛

· و ما هو حاصل إذ ذاك من تخلف شعوب القارة العجوز عن الأخذ بالعلم الذي كانت الحضارات العربية و الهندية من روافده الأولى إليها و كذا الصينية التي نهل من ينابيعها المخضرم ماركو بولو بعد أن وصل إليها تاجرا من البندقية و قد سلك طريق الحرير الشهيرة و أسس لعلاقات دبلوماسية مع قوبلاي خان أكبر ملوك إمبرطورية المغول وحفيد جنكيز خان.

و هما المنظمتان الإقليميتان اللتان علقت عليهما شعوب دولهما و بما هو متاح لها من الوعي الناقص آمالا كبيرة لم يتحقق منها ما يحق أو يمكن حتى ذكره “إنصافا” أو “حصيلة” يسكت عليها، اللهم ما يكون من نتائج جد هزيلة لمنظمة استثمار نهر السنغال في الشق المتعلق بالكهرباء دون نتائج تذكر في مجالي الزراعة و الملاحة النهرية البينية بالنسبة لمنظمة دول غرب إفريقيا التي خرجت منها موريتانيا ذات مرة و لم يقع زلزال. و أما تجمع دول المغرب العربي فما زال مصرا على أن لا يلبي للشعوب أكثر من الخلافات و بؤر الاحتقان و احتمالية الحروب.

حقائق مرة لكنها حقائق منبهة إلى ضرورة العمل على بناء الوعي الداخلي القومي و السياسي و التأسيس للاستقلالية الذاتية في القرار و في صنع منهجية البناء و الشراكة مع أي طرف يمكنه أن يثري دون إملاء أو وصاية.

و هل نحن في هذا المنحى أقل من سويسرا التي لا وصاية لفرنسا على الناطقين فيها بالفرنسية و لا إيطاليا على الإيطاليين فيها و ألمانيا على الألمانيين في “كنتونهم” السويسري؟

إنهم السويسريون على اختلاف لغاتهم و تباين خصائصهم الذين حققوا بإرادتهم و جدارتهم و حسهم الوطني المرتبط بالمصالح الذاتية المشتركة و كل استقلالية بلدهم “المشترك” الذي أصبح على محدودية مساحته و قلة عدد سكانه و اختلاف لغاتهم نموذجا في الديمقراطية من خلال تصويتهم على كل أمر يستدعي ذلك و تسيير أموال الكون من خلال مصارفهم النموذجية في سريتها و أمنها و سرعة أدائها.

فقط وحدها لغة المصالح المشتركة و المتبادلة هي جوهر التفاهم و صمامه. و لا وحدة على أساس اللغة أو الانتماء المشترك تحل محل المصلحة المادية التي هي قوام استقلالية الوجود و مصدر السعادة.

فما لم يفهم الموريتانيون هذه الحقيقة التي استطاعت أغلب الشعوب في دول العالم التي تشهد استقرارا و تنعم برخاء في القارة الأمريكية بمفاصلها الثلاثة و في آسيا بشرقيها الأدنى و الأقصى و كل أرخبيلاتها و أستراليا بكل تضاريسها البشرية من بيض وصلوا إليها مستعمرين ثم طاب لهم المقام فعمروا و استوطنوا و من وافدين ملونين و مواطنين أصليين من “الأبوريجين” السود، فإنها لن تتقدم شوطا إلى الأمام و ستظل تنظر إلى التجمعات الواهية على أنها طوق نجاة أو مجداف ملاحة في بحر تحديات الحداثة الهائج و المتلاطم الأمواج.

و إن هي استطاعت بفضل الواعين و الغيورين عليها أن تسلك هذا النهج، و إن هي بعد ذاك اعتمدت في البناء من الداخل الطاقات و القدرات الذاتية، فإنها تكون في المراحل التالية مرشحة، و ضمن مسيرة توسيع دائرة العطاء و الاستقواء أمام جديد التحديات، لأن تلعب دورا محوريا في أي منظمة إقليمية أو شبه إقليمية أو قارية تنتمي إليها.
و إن المسؤولية في نشر الوعي بهذه الحقيقة ثم ترجمته إلى عمل ميداني، مسؤولية جسيمة تقع بكل ثقلها على عواتق أفراد الطبقات السياسية و المتعلمة و المكلفلة تسيير شؤون البلد في إطار حكامته القائمة. و هي المسؤولية التي يجب أن لا تغفل مطلقا البعد المتعلق بضرورة الانفتاح على المحيطين الإقليمي و الدولي و التوجه إلى فضاء التعاون و التبادل بكل الاتجاهات.