بأي حق أو تفويض تختزل نخبة الأمة

لاشك مطلقا أن الأحد عشر اسما الذين ذكرهم الدكتور حماه الله ولد السالم و أضفى عليهم صبغة ألمع كتاب موريتانيا، ألمعيون و شموع مضيئة في سماء الكتابة و أنهم بذلك نياشين على صدور كل الموريتانيين و مفخرة تباهي بهم البلاد في محافل الثقافة و الأدب و العلم و الإعلام إن تطلب الأمر ذلك.

و لكن بأي حق أو تفويض تهان أمة باختزال الإبداع و تقزيم العطاء فيها بهذا الحجم ثم ترمى بالعقم المعرفي و القصور الذهني دون ما إنصاف أو ترو أو نشر لمجهود علمي يستجمع الصنعة الكتابية و يرصد الأسماء و يقنن المحصول و يفتح الأبواب مشرعة على دروب الإنتاج المعرفي و التعبيري و التبادلي الفكري حول كل المواضيع لتزول الغشاوة عن الأعين و تطيب النفوس بما يليق بالمثقفين و المتعلمين و ذوي معرفة من احترام الآخر و تقدير عطائه أيا كان حجمه أو مستوى لغته التي حمله إياه ليصل إلى الآخرين، ذلك بأنه في كلا المستويين لا بد معطاء؟
و ليسمح لي الدكتور، الملهم بخطابته العالية و الذي يعاب عليه توانيه النسبي عن الكتابة على الرغم من أنه يجيدها في بعديها الشكلي و ألقصدي، أن ألفت انتباهه إلى أن الكتاب الموريتانيين، أكاديميين و أدباء و إعلاميين و مهتمين بالتحليل السياسي و علم الاجتماع و الاقتصاد و التاريخ و الحقوق وغير ذلك من الاهتمامات العديدة، كثيرون، بارعون، واعون و متمكنون من ناصية اللغات التي يكتبون فيها، تزجر بهم و تفخر الساحة الثقافية. و لن أذكر أسماء حتى لا أنسى أسماء أخرى أبلت و تبلي حسنا في حقول التوجيه و التنوير و التثقيف و التحليل و الإرشاد و الإعلام.

و هي الأقلام كذلك التي استطاعت في وقت قصير نسبيا أن تغني من الكتابات الأجنبية عربية و غيرها بمادة محلية خالصة و عالية المستوى و القيمة، المواقع الالكترونية و الصحف كما أثرت النقاشات و الحوارات التلفزيونية منذ تحرير الفضاء السمعي البصري بلغة رصينة، علمية، عالمة و سليمة بنكهة محلية طالما اشتهاها إخوان لنا في أرجاء المعمورة و قدروها حق قدرها ليرفعوا أهلها إلى مصاف المتميزين من بينهم و من ليعتبروهم في مصاف رموزهم الخالدة.

و أنا لست خير من يذكر بذلك الدكتور و هو البوصادي الذي تتبع بأبحاث رصينة و أكاديمية خطوات أجداده الأفذاذ إلى غاية جوامع اسطنبول عاصمة الديار الإسلامية أيام الدولة العثمانية مرورا بمصر و نجد و الحجاز.

إن جولة سريعة عبر المواقع الالكترونية العربية و الإفريقية في الشبكة العنكبوتية ستفصح لأي باحث محايد و موضوعي عن الكتابة الرصينة و المحتوي العلمي الرفيع القيمة و العالي الحبكة و النسق، لن يخطئ مطلقا كثرة الزبد المنبعث منها. و لو عاد بعد حين إلى أرض الوطن و ولج أوعية الكتابة و مستودعها من مواقع و صحف و منشورات لأدرك يقينا أن ثمة عبقا زكيا ساحرا آسرا و عمقا نافذا و رصانة و جودة و ملكة تستوطن أقلام كتاب البلد و أنها تغني من الجوع المعرفي الذي ما زالت بعض نخبنا تتوهم الشعور به مع إحساس آخر مغاير من الاستعلائية؛ و هما الشعور و الإحساس اللذان يجسدان حالة جامدة من الشيزوفرينا الذات.

و طبعا فإن الكتابة ليست “غولا” لا يقوى عليه أحد و لا “طوطما” يقدم عند قدميه الصمتُ و كبتُ المشاعر و دفنُ الأحاسيس و تكميمُ الأفواه عن إصدار صرخات الألم و ترانيم الرضا، قرابينَ لتهشيم الأنامل و إخراس العقول، بل الكتابة و على وجه التحديد في شكلها الإبداعي هي تعبير عن الرؤى الشخصية، وما تحتويه من انفعالات، وما تكتشف عنه من حساسية خاصة تجاه التجارب الإنسانية و هي ابتكار وليس تقليد، وتأليفا لا تكرار، تختلف من شخص لآخر حسب ما يتوفر لكلٍ من مهارات خاصة، وخبرات سابقة، وقدرات لغوية، ومواهب أدبية، وهي تبدأ بالفطرة، ثم تنمو بالتدريب والإطلاع. و لكن صحيح أيضا أنه لما كانت اللغة العربية تتكون من فنون هي: الاستماع، والتحدث، والقراءة، والكتابة التي هي رابع هذه الفنون، ليس لأنها أقلها أهمية بل لأنها تؤسس على فنون اللغة الأخرى، فإن هذه الفنون تمثل روافد تستقي منها الكتابة مادتها وأفكارها .