صديقنا الجنرال…

عندما يمكنك الله من رقاب شعب بدون ذاكرة فتسلح بسلاح الوعود و تتمترس بمتاريس “الأنظمة البائدة” و “العهد البائد”…

ستمكنك الوعود من رقاب الطامعين وستحميك مصطلحاتك من تشكيك الثلة القليلة من شعبك التى لم تظهر بعد عليها أعراض الزهايمر…

صديقنا الجنرال أضاف لسلاح الوعود سلاح التهميش وسلاح الخوف من الموت جوعا…

لنتحل ببعض الشجاعة ولنعترف للرجل بعبقرية خارقة وإبداع متميز في عالم المؤامرات والوصولية فالرجل الذي كان إلى غاية 2003 ضابطا عاديا في الجيش يزدريه ضباطه المهيمنين ويلقبه رفاق السلاح ب”ضابط الحطب” أصبح بعد أقل من 5 سنوات رجل القصر المسيطر…

لأنه صديقنا..ولأنه جنرال…متقاعد…مقال..أو قرار إقالته لاغ كما صم بها آذاننا صبيحة يوم ما رجل طالما أطرب تلك الآذان بروائع لبير…سنحاول قليلا أن نميط اللثام عن بعض إنجازاته التي ربما تورع “كتابه” عن إبدائها للرأي العام…

ولنرجع بما تبقى من الذاكرة قليلا إلى ما قبل قدوم صديقنا…مع أنه حسب أرشيف الوكالة الموريتانية للأنباء لم تكن موريتانيا موجودة قبل قدومه…

لنرجع إذا ولنعتمد على بقايا الذاكرة…

قبل الجنرال كان لدينا رئيس منتخب ..وبرلمان منتخب وجرائد تحرص المطبعة الوطنية على إصدارها في ورق أصفر فاقع.

قبل إطلالته البهية كانت لدينا أحزاب سياسية معارضة –على الأقل في العلن- تقارع أغلبية جمعها الخوف من الجوع و وحد بين يمينها ويسارها الخوف من تقلبات دهر يسيطر فيه أصحاب النعال السميكة على مقدرات شعب لا حول له ولا قوة…

قبل قرار إقالته من الجيش واعتبار ذلك القرار “لاغ” من قبل التلفزة الوطنية,كانت لدينا عصابة من المفسدين تتقاسم خيرات البلد في تحد سافر لأي رادع قانوني و نخبة سياسية تناضل من أجل الوطن صباحا وتتآمر عليه ليلا في صالونات رجال الأعمال وضباط الجيش….

فجر وصوله على ظهر نخبة من نوابنا “الأشاوس” دخل صديقنا الجنرال بالبلاد مرحلة جديدة من التغيير بدءا بتغيير جلود النخبة السياسية….هذا التغيير -الذي هللت له في ذلك الوقت أحزاب معارضة-طال حتى مخارج الحروف…

أعلنت الحرب على الفساد والمفسدين…أو على الأقل أعلنت حرب تجديد الطبقة المفسدة فمن أجل التغيير يجب أن يكون لكل نظام مفسديه…من أجل السبب ذاته على تلك الزمرة الجديدة أن تبتكر أسلوبا جديدا من الفساد تمارسه على مرأى ومسمع من أجهزة الدولة المخدرة..فكانت صفقات التراضي وربا “شبيكو” و عمولات رخص التنقيب عن المعادن النفيسة وتجارة النفوذ….إلى آخر القائمة التي تطول…

وفَّر إعلان الحرب على الفساد في دولة لا يتمتع قضائها بأبسط مقومات الاستقلال عن ساكن القصر فرصة لترويض رجال الأعمال المعارضين والذين استسلموا بعد جولة واحدة..اعترفوا بفسادهم وأعاد بعضهم مبالغ للخزينة العامة..هناك حيث يتداخل ما هو عام بما هو خاص ومال الجنرال بمال الفقراء..أو ليس صديقنا الجنرال رئيسا للفقراء.

أحزابنا السياسة المعارضة ترنحت طيلة حكم صديقنا بين المعارضة الناصحة والمعارضة الناطحة وحين أكتشف الناصحون حقيقة الجنرال عادوا لحظيرة المعارضة حيث الصياح لا النطاح يغطي على كل شيء..

ركزت منسقية المعارضة الديمقراطية على خطاب أكاديمي عن الحرية والديمقراطية في بلد تبلغ فيه نسبة الأمية 42% بينما ركزت زمرة الفساد الجديدة على تقسيم السمك في الأحياء الفقيرة بالتزامن مع أنشطة المعارضة…

مدفوعا بوضع دولي متقلب وزوابع خريف عربي أطاحت بأنظمة شمولية,سعى صديقنا الجنرال إلى إطلاق ألقاب على نفسه فكان “مفجر الربيع العربي” و “رئيس الشباب” و “رئيس العمل الإسلامي الناصع”…

وللمرة الأولى في تاريخ بلد يعشق فقرائه الفرجة جلس الجنرال في لقاء مباشر مع الشعب…نعم لقاء تلفزيوني مباشر مع شعب يتضور جوعا ويئن تحت وطأة المرض والتجهيل الممنهج.

حرصت أجهزة الأمن على تصفية المتدخلين والمتصلين وانفضت المسرحية في هدوء ومضى كل إلى حال سبيله…

لقاء الشباب لم يكن بمعزل عن خرافات صديقنا وسخافات أجهزته الأمنية إذ لم يتجاوز اكتتاب بعض الشباب البارعين في تلميع صورة مستبد جلس ليملي عليهم مجموعة من قيمه…والنتيجة وعد بتشكيل مجلس أعلى للشباب…أعلى من ماذا؟؟..

أنتجت “رئاسة العمل الإسلامي الناصع” جيلا جديدا من “الفقهاء الجنود”…يُؤمرون فينفذون…يتزلفون علنا لولي نعمهم.. ويكشفون بذلك ظهر الإسلام أمام موجة الحاد تعصف بالبلد..

صديقنا الجنرال يتقن لعبة التمييع….نوابه “الأشاوس” يتقنون إعادة تصنيع دكتاتور من الصنف الممتاز…لكن لنكن موضوعيين قليلا فمعارضة صديقنا الجنرال ما زالت تقدم خطابا سياسيا أقل ما يقال عنه أنه مبتذل.

أحمد طالب الطالب خيار