لا تخذلوا العراق

إن للعراق دين في رقبة كل إنسان واع ومتحضر على وجه المعمورة, فهو مهد الرسالات وموطن الرسل والأنبياء, من وهب البشرية أول أبجدية في تاريخها أول قانون مدني, وعلى أديم أرضه الطاهرة صارع الإنسان القديم الطبيعة, فسطر الملاحم والبطولات, وخلق المعجزات, وابتكر الزراعة والصناعة وأبدع الفلسفة والفن.

ولقد قدم الشعب العراقي لأمة العرب والمسلمين ما لم يقدمه أي شعب آخر لأمته على مر العصور, ومنحها كل ما يدعوها للفخر والاعتزاز, فكان العراقيون أرباب كل علم وسدنة كل فكر, بدءاً من علوم القرآن الكريم والحديث الشريف مروراً بعلوم النحو واللغة والأدب والتصوف وعلم الكلام, وليس انتهاءاً بالحساب وعلم الفلك والطب…إلى آخر القائمة.

قصة العراق وشعبه الفريد المتميز يعرفها المثقفون قطعاً, ويعرفها حتى المتعلمون العاديون, لكن الكثيرون من أبناء شعبنا لا يعرفون تفاصيلها – مع الأسف – بعد أن حال الجهل والأمية بينهم وبين ذلك التاريخ المجيد الذي هو تاريخ مشترك بيننا, لكنهم سيتعرفون على العراق الحديث بمواقفه الرسمية ويكرم أهله ونخوتهم, بعضهم عرف العراق مع أواخر الستينيات من القرن الماضي عندما ضرب الجفاف بلادنا بقوة فكان العراق أول من مد يد العون والمساعدة ووصلت التمور العراقية إلى موائد الموريتانيين في المدن والأرياف المنكوبة.

وبعضهم تعرف عليه من خلال البرامج والمسلسلات التلفزيونية العراقية التي كان يبثها التلفزيون الموريتاني مطلع الثمانينيات وهو التلفزيون الذي أهداه العراق لشعبنا بكامل عدته وتجهيزاته وبرامجه البعض الآخر عرف العراق بالمستشفيات والمدارس التي مول بناءها وقدمها هدية للموريتانيين.

وطبعا هناك جيل بأكمله كان يقرأ اسم الجمهورية العراقية يومياً على أغلفة كتبه المدرسية التي طبعت في العراق وعلى نفقته ومن أبناء ذلك الجيل من سيكمل دراسته لاحقا في جامعات العراق ومعاهده.

و أخيراً هناك العسكريون ومتقاعدوا الجيش الذين تدربوا على الأسلحة العراقية حيث كان العراق هو البلد الوحيد الذي وقف إلى جانب موريتانيا ودعمها بالمال والسلاح عندما هددت في وجودها ووقفت على شفى حرب جدية مع بعض جيرانها في أواخر الثمانينيات.

للعراق أيضا ذكرى طبية في نفوس الدبلوماسيين والمسؤولين الموريتانيين عموماً نظراً لمواقفه الداعمة والحاضنة وأياديه البيضاء ودعمه السخي للتنمية في هذا البلد الفتي النائي عنه جغرافياً.

وليس آخر تلك المواقف الطيبة, ما أقدم عليه العراق قبل سنين عندما أعفى عشرات الملايين من الديون التي كانت مستحقة على بلادنا, بل وزاد على ذلك أنه قدم منحة ب 15 مليون دولار دعماً لقواتنا المسلحة, فما أعظمه من شعب, شعب لم ينسى واجبه اتجاه الأخوة والأصدقاء حتى وهو في أحلك الظروف مثخن بجراحه ومضناً بمحنه.

قد يسأل سائل عن مناسبة هذا الكلام وهو سؤال في غير محله إذ لا يحتاج الوفاء إلى مناسبة’ ومع ذلك يبقى ذكر الدوافع ضرورياً أحياناً ولقد كان لنبإ التهديد بتفجير السفارة العراقية بنواكشوط وقعاً مؤلماً في نفوسنا جميعاً, لا لأننا نراه غريباً فهو ليس كذلك حتماً – على الأقل في هذا التوقيت – حيث العراق كله مستهدف من إرهاب لا وطن له ولا حدود تحده.

لكن مثار استغرابنا بل واستياءنا واستهجاننا هو هذا الصمت المريب لأحزابنا ونخبنا ومجتمعنا المدني, كيف لا يهب الجميع للوقوف في وجه هذا التهديد الإرهابي وكيف لا يتضامن الجميع مع ضيوفنا وأشقاءنا إن لم يكن من أجل كل ما تقدم من أسباب فمن أجل موريتانيا ومن أجل سمعة شعبها الذي عرف بالكرم وحسن الضيافة ورد الجميل يجب أن يدرك الجميع أن المستهدف الأول هو أمن واستقرارا بلدنا وهيبة ومكانة دولتنا بين الدول.

وإن السفارة العراقية التي يرفرف فوقها علم الله أكبر هي رمز العراق وقطعة من أرضه تختزل تاريخه وأمجاده وعظمة شعبه بكل مكوناته وأطيافه, ويجب أن نحرسها جميعا ونفديها بأرواحنا حتى لا يمسها سوء ولا ينالها مكروه.

ختاماً فإننا علي يقين أن الحكومة الموريتانية لن تقصر أو تتهاون في حماية البعثات الدبلوماسية فذلك أمر يفرضه عليها القانون الدولي وتقتضيه الأعراف والتقاليد كما أن ثقتنا كبيرة في قوات أمننا التي دحرت الإرهاب وانتصرت عليه طيلة السنوات الماضية’ لكننا أردنا مخاطبة الرأي العام الوطني كي يتحمل المواطنون مسؤولياتهم وينتبهوا إلى خطورة مثل هذا التهديد وهي فرصة أيضاً للتضامن مع الشعب العراقي الشقيق الذي يخوض غمار حرب شرسة فرضتها عليه المجموعات الإرهابية التكفيرية الحاقدة, ومناسبة للتعبير له عن الشكر والامتنان والعرفان بالجميل.

اللجنة الإعلامية للرابطة الموريتانية لأشقاء العراق