“النّجْم والنّجُومِية”:

من الأوصاف التي تطلقها وسائل الإعلام-مَجَازًا- على المتفوق في مجال الغناء أو السينما أو كرة القدم…صفة “نَجْم”. ويقال: فلان في طريقه إلى “النّجُومية، أو وصل إليها…في الوقت الذي لا يطلق هذا الوصف على المتميزين في مجالات أخرى مع أنهم أحق بهذا اللقب من غيرهم. وقبل الحديث عن هذه الظاهرة العالمية، أود أن أشير إلى معنى”النجم”-من الناحية اللغوية-وبعض دلالاته، في سياقات قرآنية. وذلك على النحو الآتي: النجْم: الكوكب المضيء. وغَلُبَ النجمُ على الثريا. وجمع النجم: أَنْجُم ونُجُوم. وفي التنزيل العزيز: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُم النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)97/ الأنعام. المراد هنا: الكَواكِب. وفي قوله تعالى: (وَعَلَامَاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)16/ النحل. قيل: المراد جنس النجم، وقيل: الثُّرَيَّا. وفي قوله تعالى:(وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)6/ الرحمن. قيل: المراد: النجم من النبات، وقيل: الكَوْكَب. والنجم من النبات: ما لا ساق له، ينبت على وجه الأرض، كالبُقُول والعُشب والحَشيش، وهو-في هذا المعنى-يُقابِل الشجر. وفي قوله تعالى:(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ)3/ الطارق. قِيلَ: زُحَل، وقيل: كوكب آخر. وغَلُبَ النجم الثاقب-فيما قيل-على زُحَل. وفي قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ)75/ الواقعة. قيل المراد بالنجوم: الكواكب، وقيل: نجوم القرآن(المرجع: معجم ألفاظ القرآن الكريم/ مجمع اللغة العربية بالقاهرة).

وأقول-بعد هذا المدخل-إننا لا نعترض على وصف الناجح المتميّز ب”النجم” الذي هو أحد الأجرام السماوية المضيئة بذاتها، بصرف النظر عن المجال الذي برع فيه. غير أنّ إطلاق هذا الوصف على فئات من الناس-دون غيرها-يوحي بأنّ الإعلامَ مدفوع بمجموعات ضغط عالمية ترمي إلى إغراء شبابنا-بصفة خاصة-بالانجذاب إلى مجالات معينة، على حساب مجالات أخرى أكثر أهمية وأكثر ارتباطا بثقافتهم وقيمهم. ولا أدلّ على ذلك من أنّ كرة القدم-على سبيل المثال-أصبحت تستحوذ على جزء كبير من وقت شبابنا المدمنين على متابعة المباريات الخاصة بهذه اللعبة، وأصبح لكل واحد من هؤلاء الشباب “نجمه” المفضَّل، ممّا أثر-سَلْبًا- في تحصيلهم العلميّ. بل إنّ الدول أصبحت تتسابق وتحرص على تنظيم المنافسات الكروية الدولية على أراضيها، لما يترتب على ذلك من شهرة ومن أرباح مادية.

وبناءً على ما تَقدَّمَ، فإنه من واجبنا العمل على تغيير عقليات هذا المجتمع التائه-دون تعميم-الذي طغت فيه المادة، وسحرته المظاهر البراقة الخادعة، ممّا جعله يركز على تكريم “نجوم” الغناء والسينما وكرة القدم…مُتجاهِلًا علماءَنا الذينهم أولى بأن نصفهم بالنجوم وأن نكرمهم، وهم الذين نهتدي بهم في أمورنا الدنيوية والأخروية، الأمر الذي يجعلهم أحق بالنجومية من غيرهم. والغريب في الأمر أنّ نظرة المجتمع-بصفة عامة-إلى علمائنا وفقهائنا بدأت-للأسف الشديد-تختلف عن ذي قبل، حيث لم يعودوا يحظون بالاحترام الواجب لهم، ولِما يحملونه في صدورهم من علم نافع، ولِمكانتهم في المجتمع…وليس ببعيد منّا ما حدث-في الآونة الأخيرة- من تطاول على بعض العلماء والفقهاء وأئمة المساجد، ونعتهم بأوصاف غير لائقة…وقد أصبح مَن هَبَّ ودَبَّ يتطاول على الإمام مالك وعلى كتبه، وعلى الإمام الأشعريّ وعقيدته…ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى التشكيك في عدالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم…!

  • ومع أننا لا نقلل من شأن “نجوم” العصر بمقياس “العولمة”، فإننا نطالب بوضع الأمور في نصابها، حتى نحافظ على ثوابت الأمة، ونعطي لكل ذي حق حقه. إنّ الأمة التي تحترم نفسها وتاريخها ومكانتها، يجب أن تحترم رموزها(نجومها)-أكثر من غيرهم- وتكرمهم وتحتفي بهم وتفرض احترامهم. وعلى رأس هذه الرموز، العلماء الذينهم ورثة الأنبياء.