حول “العبودية العقارية”/ محمد فال ولد بلال

مما لا شك فيه أنّ الأوضاع في الأرياف عموما و في الضفة خصوصا تحتاج إلى المراجعة و التقويم. وبحسب المعلومات المتوفرة لدي و التي قد تكون ناقصة بل و خاطئة، فإنّ الاسترقاق بشكله التقليدي لم يعُد هو المعضلة الأولى في المنطقة كنظام إنتاج قائم. و لكن حلّت محله أنواع جديدة من الاستغلال و الاضطهاد تتمثل أساسا في المزارعة [métayage] والقنانة [servage] حوّلت آلاف الأسر من “لحراطين” و الأرقاء السابقين إلى مزارعين مستأجرين لدى ملاّك الأراضي، و أقنان يعملون خارج قوانين الشغل الوطنية والدولية.

و في بعض الأحيان، تكون علاقة الاستئجار بين السيد ورقيقه القديم.

و لكن، و مهما كان الاستئجار جائرا و ظالما فإنّه يبقى مغايرا للعبودية. و الفرق بينهما هو الفرق بين العقد الاختياري حتى ولو كان اضطراريا، و بيْن القهر و الإذلال و الإذعان… لذلك أرى أنّ “العبودية” لم تعُد هي العنوان الأبرز للعلاقات في الضفة و في المجتمع الريفي… هذا طبعا إذا ما وضعنا جانبا مصطلح “العبودية الحديثة”[esclavage moderne] المتداول عالميا منذُ فترة، و الذي يعتبرُ كلّ ضحايا الاضطهاد والاستغلال “أرقاء العصر”…

أما في موضوع الملكية العقارية، فهناك شبه إجماع على أنّ عملية الانتقال من حيز الملكية الجماعية و العشائرية و القروية التقليدية للأرض إلى حيز الملكية العقارية الجديثة التي تنسجمُ و مقتضيات القانون العقاري الجديد..قد فشلت فشلا ذريعا. و هو ما أدّى إلى شلّ حركة التطور في الريف لمدّة عقود. و لا أبالغ عندما أقول بأنّ الاصلاح الزراعي اليوم هو مجرد حبر على ورق بسبب الادارة أو على الأصح بسبب سوء الادارة. لقد تمّ تشويهه و تحريفه إلى أنْ عمّت الفوضى و اختلطت الأوراق. و هكذا، طغت الدولة و أصحاب المال على جلّ الأراضي الزراعية في الضفة إلى حدّ إقصاء الأفراد و القرى و الجماعات… حتى أنّ بعض القرى وجدت نفسها مُضايقة في مجالها الحيوي الخاص… طبعا، سأجدُ من يُذكّرني بآلاف الهكترات المستصلحة، و أطنان الأرز، و الموز، إلخ… باعتبارها إصلاحا رئاسيا كبيرا… و لكنّ الواقع يقول بأنّ تلك الانجازات “العظيمة” هي جزء من المشكلة و ليست جزء من الحل…

و ختاما لما تقدم، أقول بأنّ هناك حقيقة لا جدال فيها، و هي أنّ الأوضاع في الريف بشكل عام و في الضفة بشكل خاص تحتاج إلى تحقيقات ميْدانية موثوقة لمعرفة كنه المشاكل المطروحة فيها…سبيلا إلى معرفة الحلول المناسبة لها. و لن يتسنّى لنا ذلك و لنْ نستطيع حسم الجدل القائم منذ فترة حول “العبودية العقارية” و “حقوق المجموعات الحلية” و غير ذلك من المواضيع المثارة في نفس المعنى… ما لم نجلس مع بعضنا البعض و نستمع لبعضنا البعض و نُحكم بيننا لغة العقل و الحوار و التشاور… بعيدا عن الغوغائية والانفعال و التقرب لهذا الموقف أو ذاك بالتملق و المصانعة…

مقدمة تحتمل الخطأ…