الترف الفكري و انحسار العطاء العلمي

لا جدال في أن الشعر ديوان أيامنا و ذاكرتنا الحية بامتياز و مدونة أخلاقنا العظيمة، كما هو أيضا ملاذنا عندما يتربص بنا الضياع و يهدد ذواتنا. و لكن من المؤكد بالمقابل أنه حالة ندرة و نبع إلهام و سمو إبداع، لا حالة وفرة و إسفاف فإسراف، فلا يصونه “قيمة” و “قمة” حقا إلا أن تتم الغيرة و الحفاظ عليه و حمايته “منهجا” قويما من المفرطين و تجار الكلمة المبتذلة و النغم النشاز و قراصنة النقد الأدعياء. و
صحيح أيضا أن الاهتمام بتاريخنا المجيد و من قبله معتقدنا و كل أوجه عطائه الروحي و الأخلاقي في وحدة مذهبه المالكي من خلال التناول العلمي لطرقنا الشاذلية و القادرية و التجانية التي تلتقي جميعها في جوهر الدين عبادة و أخلاقا و في المعاملات أداء و قواما.

و يلحظ من منطلق هذا السياق العام لطابع هذا البلد و وجهته أنه تغلب على معظم أفراد طبقته المتعلمة و منها على رأس الهرم صاحبة الدرجة السامية و الكعب العالي نزعةٌ مترفة جارفة إلى:

· الأدب في بعده الشعري بشقيه الفصيح و اللهجي الحساني غالبا و تلاقيهما عند عتبات و في أحضان الموسيقى التقليدية في بعض النهايات،

· و التاريخ في بعديه الديني من حيث تداخل الطرق المستحكمة في دائرة التصوف الجامع و ما كان من تأثيرات ذلك التداخل و التدافع و التكامل و التعارض و التلاحم في حميمية المذهب المالكي الواحد و دائرة الأشعرية الجنيدية داخل القطر و في التخوم،

· و بعض الجوانب الاجتماعية ذات الصلة من مثل أدبيات “المجلس” الحساني و مفهوم “الفتوة” و مختلف فنون تذاكر السجالات الأدبية و التراكيب اللفظية الخصبة في دائرة فضاء الحكمة و موروث الطرائف التي تسجل قيما و أحكاما مستصدرة للاستهلاك التحججي في الذاكرة المجتمعية و أدوارها المبوبة في قاموس صياغة حركية المجتمع في نحت خصوصياته الأدبية و التعاملية و استصدار الأحكام الجاهزة و الثابتة في الزمان و المكان و تحديد طرائق التفكير و التعامل مع الواقع الذي يعيش في صلة محفوظة بعناية و دقة مع الماضي بمجمل حالته و ثابت تقلباته و بعده عن عوامل الاستشراف بهدف التوجه إلى مفاهيم المستقبل و إمعانا في البقاء في صيرورة الماضي الحاضر،

و هو الواقع بهذا الوجه الماثل الذي يشكل دون أدنى شك هدرا كبيرا لإمكانات هذه الشريحة العالية القيمة بمعارفها الجمة العلمية المتميزة و قدراتها الفائقة على العطاء الإيجابي، كما يجعلها تنحسر عن قاعة البذل كما ينحسر البحرُ عن جَزْر شديد و يذهب إلى فصلها عن مدارك معارفها و مهامها التي أفضى بها إليها تحصيلها و ما استخلصته من الالتحام العالي بالحداثة و وسائلها و توجهاتها و أدبيات تعاملها مع المجتمعات التقليدية إلى التحول الإيجابي و إثراء العقل بمسوغات بناء الدولة الجديدة بمفاهيم المساواة و العدالة و المواطنة و التوازن العقلاني في معالجة مسارات الحياة و طموحاتها و رسم أهدافها النبيلة البعيدة عن عقد النرجسية المقيتة و التخلف عن ركب العطاء بمقدرات العقل و مسوغات الفعل الحركي و الاحتماء و راء النظرة الدونية للغير من عجز عن تواصل و إمداد معرفي علمي.

و إن المتتبع للساحة الثقافية لا بد أن يلحظ ضعف إنتاجها الصارخ وضحالة مخرجاته كما و انحسار عطائها نوعا بحيث تخلو المكتبات و كل وسائط التبليغ المرئي و المسموع من ثمار البحث الفكري و الاستنتاج العلمي و النشر الإنتاجي، و لكن قبل ذلك و بعده سيدمغه خلو محافل العطاء العلمي و مدرجاته و صالوناته و نواديه إن كانت موجودة و لو إسما من أية مادة علمية تعنى بأدنى مستوى من اهتمامات المجتمع و متطلبات قوام الكيان اللذان ينتظران رجع الصدى و ثمرة التضحية و العطاء بعدما صرفا من أرواحهم و جهودهم على تعليمهم و إعدادهم للخروج من بؤسهم و شقائهم و تخلفهم الذهني إلى حيز الحداثة بعلومها الغزيرة التي تفتح الأبواب مشرعة على مثالية و قمة العطاء الإيجابي البناء و تفتق المواهب الدفينة و صقل النفوس من أدران الاعتبارات الغابرة التي كان الجهل يغرسها في النفوس المتوحشة و الغير محصنة.

حقيقة لا بد من الوقوف عندها و التأمل فيها مليا بوصفها ظاهرة معيقة لمسار التحول الخجول الذي تفرضه معطيات العصر و متطلبات التنمية. و إذ لا بد من الاعتراف على قدر ما تعانيه الساحة الثقافية و العلمية من ضعف الحراك الجاد و غياب الإنتاج الإيجابي بضرورة التحرك في المقابل إلى تقبل النقد و النقد الذاتي بكل تجرد و شجاعة، الأمر الذي يتطلبه واقع الحال السقيم و تصدح به حناجر الخواء المدوي في أرجاء ساحة ثقافية قد فضل معظم أصحابها التوجه بقليل زادهم أفرادا و زرافات إلى الحقل السياسي “السائب” في ترحال مرير على ظهور عيس التنافر و التراشق و التلاسن و التنابز، و على أنغام بعض أمراض القلوب الأكثر استحكاما في نفوس ما زال غبار “السيبة” يزكمها عند كل نقع.

ثم أين من واقع هذه الساحة الراكدة مجالُ البحوث في حقل العلوم التطبيقية؟ و ما هو الحيز الذي تحتله فيها الندوات حول الاهتمامات الفنية و إنشاء نوادي تبادل الخبرات التطبيقية و الابتكارات العلمية و تنمية و تطوير القدرة على الخلق و الإبداع؟ و أين في حيزها الذي يفترض أن يكون رحبا و حيويا التفكيرُ في خلق أجهزة تهتم بهذه الابتكارات و ببراءة الاختراعات و غير ذلك من سحب تطبيقات العلوم على متطلبات التنمية القاعدية؟

هي أسئلة جوهرية لم تعد تُطرح و على أي نحو كان في أي من بلدان العالم الثالث الذي كان إلى عهد قريب متخلفا مثل هذه البلاد و فقيرا على عكسها، ذلك بأن هذه البلدان رفضت التمسك – من خلال نظرة ثاقبة إلى ما يجري حولها من تحول هائل – بتلابيب كل أوجه ثقافتها المخدرة على حساب تلك الجالبة للوعي و التنوير و التنمية و الازدهار.

فهل تراجع نخبنا أنفسها و تقتحم بما لديها من كنوز معرفية فياضة واقع حال الركود المؤسف و تصحح الوضع القائم لتخلق موازين جديدة للتعاطي مع متطلبات التغيير في حيز الحفاظ بجدارة على الأصالة في أوجهها الناصعة التي تفوح بأريج الأدب الرفيع و بناء النفس العالية الهمة و الطموحة بأدوات العمل الميداني على جميع الأصعدة.

الولي ولد سيدي هيبه