وجع الاعلام و محنة الأيام

هي محنة الأيام تعصر روح إعلام هذه البلاد المحكوم برجعية الواقع و المسكون بروح الماضي العصية على الشفاء من أمراض التخلف عن ركب العولمة المنتظم و على إعجاز عقاقير التحول الذي يلاحقها فلا تستجيب كما كان الحال في عديد بلدان العالم من طينتها و قد قفزت نحو محطة الرقي و التقدم إلى مصاف الأمم التي انسجمت مع معطى العصر و أخذت بوسائله.

هو الإعلام كما نشأ من صلب محنة الانقلابات على خلفية هبوب رياح الديمقراطية في ثمانينات القرن الأخير من الألفية الثانية المنتهية بعد تحطم جدار الشيوعية على صخرة مطالب شعوب دول الاتحاد السوفييتي يومها بالحريات جميعها و سقوط جدار برلين الذي كان رمز حدودها و انفصالها عن الغرب الرأسمالي و لكنه الديمقراطي فاستشرت حماه من دون تأهيل و استسهله الجميع حتى عمت بلواه قبل أن تتسع مأساته مع تجنيده من قبل العسكر ليفسد واقعا سياسيا حركيا و حزبيا كان بالأحرى فاسدا، و ليجند من بعد ذالك التجنيد تجنيد الحركيين بثوب أيديولوجياتهم المستوردة جملة و تفصيلا.

إعلام ظل يراوح مكانه حتى تعزز بحرية الفضاء السمعي البصري لتنهار كل قيم المهنة لدى معظم المتعاطين و ليتكشف على حقيقته واقعه المجرد، إعلام غزير و عديد الوسائط ـ و إن كانت لا نتقصه الحرفية الفنية و لا القدرة على الأداء الميداني الذي تنضح به الصحف الورقية على رداءة ورقها و سوء إخراجها و المواقع بغثها وسمينها و المحطات الإذاعية باختلاف توجهاتها و القنوات التلفزيونية العمومية و الخاصة بمختلف طيف ألوانها و تباين رسائلها ـ غشي الساحة السياسية في واقع الحال بمكنونات التركيبة المجتمعية و أنماط تسييرها للمدونة الحياتية عقلية و ممارسة حياتية في كل أوجهها، فأذكى جذوة القبلية، وإن في ثوبها الجديد المتمثل في أرستوقراطية محدودة بعدما تخلخلت وآلت إلى الانسلاخ منها مركبات قاعدتها من الشرائح، و أرست قواعد احتكار الجاه و الحضور الدائم في تضاريس الحكم مبتغى و سلالم التسيير غاية قصوى. و إن ثنائية الإعلام في هذه البلاد ما تزال لغز مركبا من:

ـ الجدارة التي أفرزت، وتفعل، للإعلام العربي و الأجنبي مهارات مبدعة و قامات سامقة يشار إليها بالبنان في كل الأصناف الصحفية و قد انسجمت مع متطلباتهما وأعطتها متوقعاتها بكل جدارة حتى تقلدت فيه المناصب و مثلت في أنحاء العالم،

ـ و الضمور الذي تشوبه من الداخل هنات تخلف الرؤى و ضيق الآفاق و طمعية بدائية محاورها المدح و الذم و التشويه و السب و التضليل و المحاباة و الاستدراج و الوقيعة و مقاصد أخرى تجد فيها ضالتها. و بالطبع فإن هذا لا ينطبق على الجميع حيث أن ثمة استثناءات لهذه القاعدة العريضة.

و في هذه الأجواء، التي لا تعرف التغيير البتة، تنزلت المحاضرة القيمة التي نظمتها في مبانيها المدرسة الوطنية للصحافة و القضاء و ألقاها الصحفي المخضرم ابن قناة الجزيرة محذن بابا ولد أشفغ ضمن ندوة انتظمت بعنوان “الاعلام الجديد الخصائص والتحديات” اعترف خلالها بمعرفة الصحفيين الموريتانيين من مهنيين و متعاطين بالاختيار و هو منهم قبل العالمية بما أورد خلال عرضه العالي القيمة و البالغ المنهجية، و طالب عند اختتامها مشددا بضرورة أن يتخلص إعلام البلد من الكثير من الشوائب العالقة به، عبر تحري الدقة والتحلي بأخلاقيات المهنة والاستعداد للاعتذار عن الأخطاء داعيا إلى إيجاد آليات فعالة للتكوين والتأهيل و وضع ميثاق شرف لمستخدمي الإعلام الجديد الذي زاد على الإعلام التقليدي في الممارسة المحتاجة بشدة إلى الخروج من عباءة اعتبارات الماضي و اللهث وراء قليل ما تتيحه من مادة لا تسمن ولا تغني و لكنها تدمر و تفني.