النخبة الموريتانية و”سباق دكار “

صد العالم وجهه وعدساته عن “سباق دكار” بعد أن قرر معروف ولد هيبة، وضع حد لهذا السباق بعمليته الشهيرة شرق ألاق أواخر 2007 والتي تم فيها قتل ثلاثة سياح أجانب بدم ضفدعي.

لكن دكار عاصمة محظوظة وسكانها أذكياء جدا، واستطاعوا – بقدرة قادر – إعادة الأضواء إلى مدينتهم مستغلين الغباء المخجل للطبقة السياسية الموريتانية التي راحت تضع البلد على كف “عفريت”.. فأصبح هم كل واحد منها حيازة “خطوات”، لن تكون تاريخية بأي حال، على طريق دكار الذي ردمته العواصف وهجره حتى السائقون المغامرون.

وهكذا مرت المرحلة الأولى من هذا “السباق”، وأيا كانت النتيجة وتفسيراتها، فإن أحدا لم يكن ليفرح لأن ما حصل ليس سوى حلقة جديدة من فقدان الدولة الموريتانية التي لم تتجاوز كثيرا على أرض الواقع “تصورا” أو “حلما” في جزيرة من الكوابيس.

ثم أراح الله “دكار” من هؤلاء “النار” القادمين من “كنار” وهم يتبخترون بدراريعهم وسراويلهم التي لا تخفي على الأقل أي رجولة سياسية.

عادوا ليوزعوا “أموالهم” بينهم بالباطل.. فقيل “قسمة ضيزى”، وقيل غير ذلك، كل طرف راح يهلل للنصر العظيم الذي تحقق.

لكن سرعان ما فقد الجميع شهيتهم للسير معا على أرض الوطن، عندما اكتشفوا أن الشيطان باض وفرخ في التفاصيل.

لقد كانوا جميعا أغبياء وحتى حاقدين.. بل إن من حق السفلة أن يعلنوا براءتهم من هذه الحفنة الفاسدة من أشباه الرجال.

لقد عاد المعارضون الذين لا هم لهم سوى النكاية بالجنرال الانقلابي، عادوا ليبعثوا “الشيخ” عبد الله من مرقده، فدخلوا الكهف وسدوه بشروط سرية وأخرى علنية.. لا بد من حل المجلس العسكري، وتأخير الانتخابات، وتعجيل الخلافات…

بكل بساطة هؤلاء هم “الكادحون” الذين هم “أهل علم وظلم”، فقد وقفوا في وجه بناء الدولة مع استقلالها، وأسسوا جبهة البوليزاريو ليدفعوا البلاد إلى “حرب الرمال المتحركة”، ثم زينوا للجيش الانقلاب وكان الجيش على بعد خطوة واحدة من تحقيق النصر النهائي آنذاك.

ثم جاؤوا بولد هيدالة، وأسسوا أول “دولة طالبانية يسارية” في العالم، دولة بولسية وضعت أسسا جديدة لتمزيق البلد عندما فتحت أبواب الهجرة العلنية من الجنوب وسدت أبواب الشمال..

وحتى ولد الطايع الذي خرج من رحم الحركة واستنسخ منها عشرات الحكومات، ومد لها اليد أفقيا وعموديا، لم يكن ليسلم البلد في عهده من شهية الحركة لخطط التمزيق، فقيل للقط العرقي أنت أسد، وبإمكانك إقامة دولة “الوال والو”.. وقيل لولد الطايع اذبح هؤلاء ولا تسمع بياناتنا الإنسانية.

كانوا في الجولة الأولى من “سباق دكار”.. “الكادح” ولد أمين، و”الأكدح” ولد مولود.. كانت الحركة حاضرة حقا.. وكان لا بد من “بنود سرية” تتغذى عليها أطماع الرجال الذين يعيشون من عفن الجراح..

ولم يكن مع هؤلاء غير الجنرال الذي يصر على وضع سرب دباباته داخل صناديق الاقتراع.

كانوا يقولون لنا لا بد أن يفشل الانقلاب، كان البلد طائرة مخطوفة، ولكي نتشفى في الخاطف علينا إسقاط الطائرة.. إنهم لا يريدونها إلا “خردة” بالية.. فهم لا يعيشون في الوسط الطبيعي أبدا.. الله ما أذكاهم.

ومن غبار مرحلة السباق الأولى، خرج علينا انقلابي ديمقراطي آخر.. السيد اعل ولد محمد فال، خرج الرجل من صمت مطبق ليتحول إلى حنفية من الكلام.

غنى أولا على “اللحن الجنائزي” لـ”6-6″. وترنم ثانيا بالمعارضة ومناوئي الانقلاب.

فات على “الداهية”، كما يسمونه، أن أصل المشكلة كلها المرض المزمن بحب الكرسي الرئاسي الذي أكره يوما على تركه..

لن تستقر موريتانيا التي لم يعد فيها رجال الدرجة الثالثة وأصحاب “التذكرة الاقتصادية” يرضون بأقل من الرئاسة.

وهناك حلان لا ثالث لهما، إما تقسيم البلاد إلى دويلات يقود إحداها السيد أحمد ولد داداه، والأخرى الجنرال عزيز، والثالثة ولد محمد فال، والرابعة ولد بولخير، والخامسة، والأفضل أن تكون على مثلث الحدود مع مالي والجزائر، يقودها جميل ولد منصور الشاطبي.

أما الحل الثاني فهو الحرب الأهلية، حرب تنتهي بكل قبيلة إلى الانفصال والالتحاق بإحدى دول الجوار.

قبل أو بعد ذلك بات من شبه المؤكد أن صانعي الأزمة الموريتانية سيخوضون جولة أخرى من الحوار في العاصمة السنغالية دكار، الجولة الثانية تأتي في وقت لم نفتح فيه عيوننا بعد جراء غبار الجولة الأولى. إذن حتما سنسير مغمضي الأعين.

كان أحد الكتاب يردد دائما مقولة “أن التدويل لم يؤدي لحل مشكلة أي دولة”. ونصحح له فقط بأن الخلاف إذا خرج لا يعود..

أصبحت موريتانيا مرتهنة بتحالفات أبنائها ضد بعضهم البعض لأمريكا وفرنسا ونيجيريا وليبيا وبركينافاسو.. وحتى السنغال.

أصبحت موريتانيا تسير من طرف عجوز شمطاء تجلس في مكتب الأمم المتحدة الصغير بنواكشوط.

أما من يوجه ويعطي التعليمات للأطراف الموريتانية فهو سفير اتشاد.. السيد السفير الذي لا يملك الشجاعة للحديث عن بلده الصغير الذي يعيش في أتون حرب أهلية، لكنه، ولله الأمر من قبل من وبعد، يعالج الأزمة الموريتانية فهو حقا رجل صالح ونظيف. ويؤثر على نفسه أو على بلده.

الآن علينا الاعتراف ببطولة طبقتنا السياسية.. فالجنرال بطل، واللهِ ! بطل لأنه لا يزال يسعى لرئاسة بذل فيها ما لو بذله في غزو “القمر” لنجح.
والمعارضة بطلة لأنها مزقت البلد من أجل “الديمقراطية” لأن زيدا وعمرا، أطال الله الاستشهاد بهما، غير راضيين عن حصة الحركة أو القبيلة أو الجهة أو الشريحة..

بطولة رجال المعارضة لا غبار عليها.. نجحوا في تدويل الأزمة وفي حصار البلد، واستدعوا كتائب المارينز الخضراء، نسبة إلى الدولار، لتسد فتحات أرحام نسائنا حتى لا يلدن مرة أخرى.

ومثل ما كان لا بد أن يدفع الأكراد ضريبة انتماء صلاح الدين لهم، لا بد أن يدفع الموريتانيون ثمن جرأة المرابطين وغزوهم للأندلس قبل ألف سنة.
لا بد أن يخرج نسل المرابطين من إفريقيا بأي ثمن.

المحاولة الأولى تبناها السيد عبد الله واد في الثمانينات فأخرج الموريتانيين من السنغال مهجرين أو مسفرين فقتل من قتل وجرح ونكل بمن نكل واستولى شعبه الجائع على 80 ألف محل تجاري.

المحاولة الثانية كانت فرصة أيضا للسيد عبد الله واد حتى يزوج ابنته أولا، وثانيا يجعل البلد منطقة سنغالية أخرى تابعة على غرار غامبيا أو غينيا بساو، أو أي من تلك الأسماء التي سميتموها.

ولأن “الديمقراطية” أحب على معارضتنا من أي شيء آخر، فقد قررت أن البلد يمثل ثمنا زهيدا في سبيل الديمقراطية.
وعندما تعود الديمقراطية فيمكن حملها إلى المريخ والعيش مع أفراد القبيلة في الفضاء الطلق.

كان القذافي صادقا وصريحا وعفويا حقا معنا… لقد فهم البلد ولم يقل غير الحقيقة.. إلا أنه لم يتعب نفسه في استخدام المجازات اللغوية..
لذلك صلى، وصلت خلفه طبقتنا السياسية، وهي أول “صلاة طمع” في التاريخ.

* بن ولد (أنباء إنفو)

الاثنين 22 حزيران (يونيو) 2009