ملاحظات على هامش الثقافة العربية (1)

تمثل الثقافة بطاقة تعريف حضارية تتحدد بها الهوية وتتحصن بها الكينونة الذاتية للمجتمعات إذا ما أرادت أن تدخل في تلاقح وتثاقف حضاري مثمر وبناء مع غيرها، وبقدرما كانت الثقافة أصيلة وضاربة الجذور في تقاليد المجتمع وأعرافه بقدرما أظهرت كفاءة فائقة على اقتناص العناصر التي تعزز وجودها واستقلالها وتحافظ بالتالي على ملامح وجوه أهلها وسنحاتهم في عملية التلاقح
ويمكن القول إن الثقافة العربية – التي هي مدار حديثنا في هذه السطور – ظلت في عهودها القديمة مثالا حسنا في هذا الصدد؛ إذ كانت مرآة تعكس حياة الإنسان العربي، وآلامه، وآماله، ونظرته للأشياء، وفلسفته في الحياة مهما كانت اللحظة الحضارية التي تكتنفه؛ فمن يقرأ شعر امرئ القيس أو النابغة أو زهير مترجما إلى أي لغة من لغات الدنيا سيجد ذلك الإنسان العربي الذي عاش في الجزيزة العربية قبل البعثة المحمدية بقرابة قرن ونصف؛ سيجد التصورات… الهموم… الأفراح… الأتراح… باختصار سيلفي شخصية عربية تنبض بالحياة…، وبالمثل من يقرأ لشعراء العهد الإسلامي سيجد مثل الإسلام وقيمه وروحه تسري مع كل كلمة وتكاد تخرج من تحت كل حرف ممتزجة – بطبيعة الحال – مع الروح العربية بكل ما فيها من كرم وشهامة وإباء…، وشيء مماثل يمكن أن يقال عن العهود اللاحقة
غير أن هذا لا يمنع من ملاحظة أن هناك إبدالا ثقافيا حدث لهذه الثقافة منذ أخريات العصر الأموي لا يخلو من الخطورة ليس على الوجود الأنتولوجي للذات الحضارية، وإنما على مستوى كفاءة هذه الذات في المضي قدما لمواصلة مشوارها الحضاري على النحو الصحيح؛ هذا الإبدال جاء نتيجة لمجموعة من العوامل منها ما هو خارجي، ومنها ما هو داخلي
1 – الخارجي: نستطيع القول بأنه تمثل في بعدين: بعد اجتماعي، وبعد ثقافي
1 – 1 – البعد الاجتماعي: من الملاحظ أنه مع الفتوحات الإسلامية الكبيرة التي أحرزها المسلمون في العهد الراشدي وتمددت رقعتها في العهد الأموي دخلت أفواج هائلة من مختلف الأجناس البشرية تحت ظل الدولة الإسلامية وامتزجوا بالجنس العربي، وكان هذا الكم البشري الهائل