إسرائيل و”سرطان الحرب”

يفرق المؤرخون عادة، عند كلامهم عن الحروب، بين الأسباب المباشرة والأسباب غير المباشر. الأولى تكون في العادة أقل أهمية بل قد تكون تافهة.

كان ذلك شأن الحرب العالمية الأولى والثانية، وكان ذلك شأن الحروب الاستعمارية كلها. وقد يكفي أن نضرب مثلا لذلك بـ” قصة” احتلال فرنسا للجزائر عام 1830. كان “الداي”، حاكم الجزائر (وهو في الأصل الوالي العثماني عليها) قد استقبل قنصل فرنسا، وأثناء مناقشة بينهما نطق القنصل الفرنسي بعبارات استفزت الداي فمد هذا الأخير مروحته، التي كانت بيده يدفع الحر بها عن وجهه، فنقر بها على رأس القنصل!

اعتبرت فرنسا ذلك إهانة للدولة الفرنسية فدفعت بأسطولها وجيوشها لـ “تأديب الداي”. غير أن ما تم ليس “تأديب الداي” بل تخريب عمران الجزائر وتشريد شعبها وقتل الآلاف منهم، والإتيان بالمعمرين ليحتلوا أرضها، ثم إعلان أن “الجزائر أرض فرنسية” (1830)! كان ذلك مظهرا من مظاهر “سرطان الحرب في الحضارة الغربية” –حسب تعبير توينبي- كما بينا ذلك في المقال السابق.

ومنذ ذلك الوقت و”مخالب” هذا السرطان تضرب العالم العربي كما ضربت من قبل، واستمرت تضرب، جهات أخرى في إفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية.

وفيما يخص العالم العربي نشير إلى أنه بعد احتلال فرنسا للجزائر تحركت الدول الأوروبية صاحبة النفوذ يومئذ فأجهضت، عسكريا ومدنيا، طموحات محمد علي باشا في النهضة بمصر والعالم العربي والتحرر من التبعية للإمبراطورية العثمانية.. وهكذا قزموا مجال حكمه بعد تحطيم أسطوله (1840)، وفرضوا الحصار والرقابة عليه، وقلصوا من عدد جنوده ليصبح حكمه نوعا من “الحكم الذاتي”، تابع لـلإمبراطورية العثمانية المتداعية –(“الرجل المريض”)- التي كانت الدول الأوربية تتهيأ للإجهاز عليها واقتسام ولاياتها.

ومباشرة توالت الضغوط المعنوية والعسكرية على الإمبراطورية العثمانية وعلى الأقطار العربية، سواء التي كانت ولايات” تابعة لها أو دولا مستقلة عنها، وهكذا فرضت فرنسا حمايتها على تونس (1881) متذرعة بـ”هجوم” بعض القبائل التونسية على حدود الجزائر (التي كانت تعتبرها أرضا فرنسية)، فأجهضت بحمايتها المشروع الإصلاحي التحديثي الذي كان قد قاده خير الدين التونسي في أوائل الستينات من نفس القرن، ثم واصلت فرنسا إحكام السيطرة على المغرب العربي بتوجهها صوب المغرب الأقصى الذي بدأ يستيقظ بعد هزيمته أمام الجيش الفرنسي (1884)، وكان ذلك في معركة إيسلي على الحدود الجزائرية التي خاضها في إطار مساندة ثورة الأمير عبد القادر الجزائري على الاحتلال الفرنسي. لقد أخذ المغرب منذ ذلك الوقت يتلمس طريقه نحن النهضة والتحديث، وعندما تطورت الأمور فيه إلى أن أضحى يعيش مخاضا دستوريا نهضويا حداثيا (الحركات الدستورية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين)، كانت فرنسا قد صفت خلافاتها مع منافساتها من الدول الأوربية خاصة إسبانيا مما مكنها من فرض حمايتها (1912) على الجزء الأكبر منه تاركة المنطقة الشمالية منه لإسبانيا في إطار حماية مماثلة، وبذلك يكون المغرب قد فقد استقلاله “التام” لأول مرة منذ الخليفة العباسي في بغداد هارون الرشيد.

وعندما قامت ثورة عرابي في مصر وجهت إليها بريطانيا حملة عسكرية (1882) فاحتلتها مع تركها تابعة اسميا للخلافة العثمانية لتعود إلى فرض حمايتها عليها عام 1914، في إطار تصفية الدول الأوربية الاستعمارية خلافاتها واقتسام العالم العربي بينها، عشية الحرب العالمية الأولى. ومباشرة بعد الحرب وزعت الدول الاستعمارية بينها تركة الإمبراطورية العثمانية في إطار نظام الانتداب، النظام الذي ما انتزعت منه بعد الحرب العالمية الثانية قسما من فلسطين لتقدّمه لليهود ليقيموا فيه “دولة قومية” لهم، تعويضا عما لحق بهم من أضرار داخل البلدان الأوربية في القرون السابقة وخاصة في الحرب العالمية الثانية (النازية الألمانية).

ومنذ ذلك الوقت والعالم العربي يعاني من نوع آخر من “سرطان الحرب” حمله معهم الصهاينة من “الحضارة الأوربية” فتفشى في دولتهم “إسرائيل” منذ غرسها في فلسطين. لقد انغرس “سرطان الحرب” في إسرائيل منذ أن كانت مجرد مشروع واستمر يتجذر في كيانها حتى غدت الحرب جزءا من ماهيتها، فباتت لا تستطيع الفكاك منها، رغم مرور ستين عاما على قيامها. لقد احتفلت إسرائيل قبل أسابيع بعيد “ميلادها” الستين، أي بتاريخ بداية حربها الأولى مع العرب، ولكن “إذا كان من الممكن تحديد موعد للدخول في الحرب فإنه لا يمكن توقع متى تنتهي”. وفعلا، فلا إسرائيل، ولا القادة الأوربيون الذين أنشأوها ليجعلوا منها “أصبُعًا سادسا” ربيبا في كف حضارتهم … لا أحد منهما يستطيع تحديد نهاية لتلك الحرب التي لا زالت تنخر كيان إسرائيل وتهدد مصيرها منذ نشأتها. ذلك أن الحرب كما يقول توينبي، مثلها مثل “بقية الشرور، تظهر في بادئ الأمر في صورةُ مَا هو محتمل، ولكنها سرعان ما تنقضُّ على عنق الذي ينخرط فيها فلا يستطيع منها انفلاتا، ثم تضيِّق قبضتَها عليه حتى تنتهي به إلى الْمَوت”، مثلها في ذلك مثل السرطان!

أقول، والحق أقول، إنه ما لم تتخلص إسرائيل من السرطان الذي ينخر كيانها منذ بداية حلمها بدولة قومية تمتد من النيل إلى الفرات، وما لم تضع حدا لأطماعها التوسعية على حساب شعب فلسطين والشعوب العربية كافة، ثم إنه ما لم تتحرر دول أوربا الغربية ومعها الولايات المتحدة الأمريكية من وهْم “السيطرة على الشرق الأوسط: على النفط، وعلى قناة السويس وباب المندب ومياه الخليج الخ، فإنه لا يمكن قيام سلام حقيقي في هذه المنطقة التي كانت في الماضي وستكون في المستقبل كما هي في الحاضر، قلب العالم.

ذلك لأن “سرطان الحرب” في إسرائيل، كما في الحضارة الأوربية، سيبقى يمد مخالبه دائما يقتل ليس الأفراد “الأعداء” وحدهم، بل يدمر الحرث والنسل، وينسف العمران نسفا، كما فعلت إسرائيل في السنين الأخيرة، بتواطؤ مع الغرب أو بسكوت منه، في كل من لبنان وغزة، وكما فعلت الولايات المتحدة –وتفعل- في العراق وفي أفغانستان، ودون تحقيق انتصار. نعم إن “سرطان الحرب” لن يحقق الانتصار النهائي الذي يطلبه، لا في فلسطين ولا في أفغانستان. السرطان لا ينتج الشفاء ولا السلام! وسرطان الحرب لا ينتج السلام، وإنما يستنهض نقيضه وهو “سرطان الإرهاب”. والأدلة الدامغة أمام أعيننا. إن دبابات سرطان الحرب تنتج نقيضها باستمرار، في فلسطين والعراق وأفغانستان وأماكن أخرى: ينتج “القنابل البشرية”! أعني سرطان الإرهاب.

زر الذهاب إلى الأعلى