“خناثــــة”

“خناثــــة” 1

في ظلال الخيــام ذاتَ مســاء *** بدأتْ قصــتي معَ السمــراء

أنا تلميــذُ ركبـةٍ يا ابنةَ الشيـ *** ــخِ لديكـم مُؤبَّـدٌ لا أُرائي

كرري لي درسي أيا ابنةَ شيـخي *** كـرري لي فـذاكَ كلُّ رجائي

منـذ ألْمحْـتِ يا خنـاثةُ، قـلبي *** يترقَّــى إلى مقــام الفـناء 2

البسـي يا عـروسُ ملحفـةَ الليـ *** ـلِ وقـد ضُمِّخَتْ من الأنـداء

إن نصَّ الجـمالِ فيـكِ احمــرارٌ *** طـرَّرتْـه الآصـالُ بالأفــياء

قد تَماهـيتُ فيك؛ جـوُّكِ أنفـا *** سي وروحي، والأرضُ مِن أشلائي

نسَـبي في العُــلا قصـيرٌ قصيرٌ *** فأنـا ابنُ المحـيط والصحــراء

جادَكِ الغيثُ! كيف؟! بل جُدتِ أنتِ الـ *** ـغيثَ غـيثاً بديمـةٍ هطلاء

اسـلمي يا خريطـةَ المجـدِ لوحـاً *** رتَّلتْـه حنــاجرُ الشـــعراء

عَــلَمٌ لاحَ لي به وجــهُ أمـي *** وأبـي في غِـــلالة خضــراء

خافــقٌ بالفــؤاد يختـال هونـاً *** هـودجاً راقصاً بـ”شَـوْرِ” الحداء

بَسَمَتْ جدتي: “خذِ اللـوحَ واقـرأ *** يا أعــز الأحفــاد والأبنـاء”

فتهجَّيْتُ حبَّـها في الصــبا من *** ألِفٍ في الغـــرام حـتى الياء

أرضعــتْني منها منـارةُ شنقيـ *** ـطَ أذانــا يرتــجُّ في أرجائي

إنَّ لي قصــةً بكــل كثيـبٍ *** وحــديثا بيني وبين الرعـــاء

أنا خِلُّ الأقــلامِ والخيـلِ والليـ *** ـلِ هنــا والسيوفِ والبيـداء

إنني ناشــدٌ هنـــا لِيَ حُلْماً *** أخضــرَ الطيف ضل في الأحياء

يا نسيـمَ الصَّــبا بربكَ ساعِـدْ *** ني وسَــل لي عنـهُ عيونَ الظباء

كـم أُنـادي خناثــةً وأنـادي *** علَّ أطــلالها تجـيب نــدائي

انظــروا ما أذكى الطيور! تَنَادَى *** من جميــع الأرجــاء والأنحاء

كلَّ عام تحـجُّ “أرقــين” تقضي *** في روابي شنقيـطَ فصـلَ الشـتاء

تحتـمي في ظـلال أسيـافنا مِـن *** كـلِّ مَن تخـتشي من الأعــداء3

في رُبـانا تقيـمُ حفـل زفــافٍ *** بحضــور الأحـباب والأصدقاء

وإليهـا نهـدي ثيــابَ عـروسٍ *** مثلُهـا لن يُحـاك في صنعــاء 4

ثم يَبـقى الفـرخُ المـدللُ فيــنا *** فينــاغي بشكــرنا والثنــاء

فعصـــافيرُ الأرض فيـنـا تَربَّتْ *** وتلقَّت منـــا فنــونَ الغــناء

ثم طـارتْ والريـحَ في كـل صوبٍ *** يَتســامي تغــريدُها في السماء

بتسـابيحــنا تَغَـنَّى ومـــنا *** قد تَلَقـَّى الكِـرْوانُ فــنَّ الدعاء

وجميـعُ الأسمــاك حاضـنةٌ بيـ *** ـضاً عــزيزا على المـزار النـائي

لا تــراه بمــأمن أبـــدا إن *** لم تضعـــه من بيتنــا في الفِناء

دُمْتِ شنقيــطُ رتـلي وتـرقيْ *** أَوِّبِــي أَوِّبِــي مـــع القُراء5

دُمْتِ شعـراً، مدارسـاً في ظهورِ الـ *** ـعـيسِ، تكــبيرةً، ورفعَ لــواءِ

دُمْتِ شنقيــطُ صــافناتٍ جيـاداً *** جمـــلا يغتــلي إلى العــلياء

دُمْتِ بئـرا يَفيـضُ مَحــضاً وسمنـا *** لم تكـــدره مترَعــاتُ الدلاء

دُمْتِ أرضــا رمالُهــا الذهبُ الخـا *** لصُ، حســبي رمــالُها من ثراء6

بحـرُ تِبرٍ، لكـن إذا جـــاءه اللصـ *** ـص المُغـــيرُ استحـال بحرَ دماء

سـوف تبقى شنقيطُ – أَنْجَدتُّ أم أَعْـ *** ـرَقْتُ – طيفَ الفردوسِ في أحشـائي

سوف تبقــى دراعــتي ولثـــامي *** سوف يبقــى لـوحي ويبقـى بقائي


هوامش :

1- خناثة بنت أنيوال كانت مشهورة بالجمال والحظوة وهي التي يضرب بها المثل فيقال: “مجيء خناثة من كرائها”؛ كانت مكترية مرة عند قوم، ورجعت إلى زوجها فجعلت كلما مرت بحي سار معها رجاله حتى أنها مرت على حداد يدور بشجرة يريد قطعها مغيربانا وبيده قدومه ومشحذه فألقى القدوم وسار معها، فلما بلغت أهلها رأى الناس من معها من الرجال فظنوه جيشا يقصدهم وفزعوا إلى أسلحتهم، فقال لهم زوجها: “ليس كما تظنون ولكنه المرأة جاءت من كرائها”.
حياة موريتانيا (الحياة الجغرافية) – للمختار بن حامد – ص: 157 – 158.

2- أَلْمَحَت المَرأَةُ مِنْ وَجْهِها إِلْمَاحاً، إِذا أَمكنَتْ مِن أَنْ يُلْمَحَ، تَفعَلُ ذلك الحسناءُ تُرِي مَحَاسِنَها مَنْ يتَصدَّى لها ثُمَّ تُخفِيهَا. القاموس المحيط: مادة: ل م ح.

3 – كان حوض أرقين رمزا للمطامع الاستعمارية، ومظهرا للمقاومة، بسبب موقعه الهام؛ منذ أن احتله البرتغاليون سنة: 1444م حتى استقلال البلاد سنة: 1960م.

4 – تتخلص الطيور في فترة إقامتها بأرقين من ريشها، لتكتسي ريشا جديدا زاهي الألوان استعدادا لموسم التزاوج.

5 – قال صلى الله عليه وسلم: “يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارْتَقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها” رواه أبو داوود والترمذي. وقال تعالى: “وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر”. سبأ: 10.

6 – شاعت في أوربا في العصور الوسطى أسطورة تقول: إن بلاد شنقيط هي “بلاد الذهب”، وأن كثبانها من الذهب الخالص؛ ولذلك صارت مقصدا للرحالة والمغامرين الأوربيين.