الرجال يتلثمون التزاماً بالعادات والتقاليد

عرفت ظاهرة اللثام انتشاراً كبيراً في موريتانيا بفعل ظروف المناخ وعادات المجتمع، حيث فرض العامل الأول على الموريتانيين الالتزام باللثام للاحتماء من غبار الصحراء وحرارة الجو، بينما أثر العامل الثاني على سلوكهم وأجبرهم على التلثم احتراماً لعادات الحياء الاجتماعي الذي لا يزال يفرض سلطانه وطقوسه على الجميع في موريتانيا.

ميزة ثقافية

بفعل انتشاره في الصحراء الأفريقية، أصبح اللثام ميزة ثقافية لشعوب هذه المنطقة، وفي موريتانيا يسود اللثام الكامل، حيث لا يظهر من الوجه سوى العينين، وبينما يلجأ بعض الموريتانيين إلى التلثم حين تسوء أحوال الطقس أو في السفر أو حين زيارتهم لشيخ جيل يحترمونه، يتحول اللثام من حاجة إلى عادة عند بعض الأشخاص الذين يتلثمون بشكل دائم حتى داخل منازلهم، ويعاني أغلب هؤلاء من الصلع أو الخجل الاجتماعي.

إلى ذلك، يقول السعد ولد الهيبة إن السبب الأساسي لالتزامه باللثام هو الظروف المناخية القاسية في الصحراء، حيث يفرض عليه عمله كتاجر مواشٍ الانتقال في الصحراء والتعرض للعواصف الرملية والأتربة لفترة طويلة، ولا يجد طريقة للاحتماء من جو الصحراء سوى بالتلثم، ويضيف «اللثام بالنسبة لي نوع من التكيف مع البيئة والمناخ، كما أنه مكمل للزي التقليدي الذي أرتديه باستمرار، واستعمل اللثام تبعاً للظروف المناخية، حيث أتلثم بشكل كامل ولا أظهر سوى عيني حين تشتد الزوابع الرملية والرياح وأخفف من اللثام حين يخف الغبار في الجو وأتخلص منه حين يشتد الحر، وأكون داخل الخيمة»، موضحاً أن «اللثام عبارة عن قطعة قماش مستطيلة من ثوب رطب وخيوطه متداخلة بشكل لا يسمح للغبار بالنفاذ إليه، ويتم لفها حول الرأس عدة مرات وإخفاء الوجه بالكامل باستثناء العينين، ويمكن لهذه القطعة من القماش أن تتخذ شكل عمامة أو لثام حسب حاجة الشخص».

اللثام حياء

شغل اللثام الباحثين والمؤرخين الذين تناولوه من زوايا مختلفة لا سيما أن الرحالة القدامى والمحاربين وعلماء القبائل الصحراوية كانوا ملتزمين باللثام وحافظوا على هذه العادة مئات السنين حتى أطلق عليهم «الملثمون»، ويعتبر الباحث الاجتماعي اغظفن ولد محمد عالي أن اللثام عادة عربية قديمة استمرت في المناطق الصحراوية بسبب الظروف المناخية وطغيان عادات الحياء والاحتشام والخجل الاجتماعي التي يبررها المجتمع بأنها من الحياء الديني.

ويقول إن انتشار اللثام في الصحراء أجبر المؤرخين على تسمية هذا الفضاء الجغرافي باسم «صحراء الملثمين»، موضحاً أن «اللثام في موريتانيا يختلف من منطقة لأخرى حسب درجة الحرارة وطغيان العادات التي تلزم الوالدين بتربية الأبناء على احترام عادة اللثام لضمان للتواصل بين الأجيال؛ ولأن الإخلال بهذه العادة يعرضهم لكثير من الانتقادات ويجعلهم يعيشون على هامش المجتمع».

وعن أكثر المناطق انتشاراً للثام، يقول الباحث «يطغى استعمال اللثام في المناطق الداخلية، حيث إنه لا يفارق صاحبه في أي ساعة من الليل والنهار يحافظ عليه بشدة؛ لأن محيطه يربط بين اللثام والحياء، ويقيس دماثة أخلاق المرء باستعماله اللثام، حتى أن بعض القبائل تفرض على العريس ارتداء اللثام عكس، وتعتبر كشف الوجه وقاحة وفضيحة تدل على سوء أخلاق العريس»، مؤكداً أن الكثير من المناطق بموريتانيا ما زالت تحافظ بإخلاص على عادة اللثام، حتى داخل المدن. ويقول إن «الحفاظ على هذه العادة التراثية لا يجب أن يؤثر على سلوك المجتمع، حيث يستعمل بعض الشبان اللثام في المؤسسات التعليمية وإمكان العمل وبعضهم يرتكب مخالفات سلوكية ويتخفى باللثام، كما أن من مساوئ اللثام انتشار الخجل الاجتماعي وارتكاب الجرائم»


المصدر : وكالة الرائد