الهجرة الإعلامية إلى موريتانيا؟

وعدت الحكومة الموريتانية مؤخرا بالبدء قريبا في فتح مجال إنشاء الفضائيات التلفزيونية التابعة للقطاع الخاص على المستوى المغاربي.

هذا وينتظر أن يتم إعتماد هذا المشروع قانونيا من قبل مجلس الشيوخ الموريتاني في نهاية هذا الشهر الجاري حسب تصريح نائب نقيب الصحافيين الموريتانيين ومدير المركز الافريقي العربي للإعلام والتنمية بعاصمة البلاد اليومية “الخبر” الجزائرية أثناء زيارته لها ولقائه بمسؤوليها خلال الأسبوع الماضي.

وفقا لهذا التصريح فإن الهدف الجوهري لهذا الانفتاح الاعلامي الموريتاني يتمثل في “تعزيز الحريات” وعكس “الثراء الثقافي” في المنطقة المغاربية، وإبراز “الحركية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية” في هذا الفضاء كله.

من الواضح إذا أن الشأن الثقافي يدخل في صلب هذا المشروع الذي سيولد بموريتانيا. وبهذا الخصوص فإن الأسئلة المطروحة هي كالتالي: هل ستكون هذه الفضائيات بمختلف اللغات أم بالعربية فقط؟ ثم ما هي الجهات التي سيسمح لها بالاستثمار في المجال السمعي البصري، وهل ستستثنى أحزاب المعارضات أم سيرخص لها أيضا خاصة وأنها ستعتبر نفسها جزءا من المجتمع المدني، والقطاع الخاص معا.

يبدو هذا المشروع طموحا في توجهه لتجاوز احتكار الدولة للفضائيات في المنطقة المغاربية، وخلق تقاليد جديدة لإعلام تلفزيوني ذي استراتيجية عابرة للسياسات الوطنية القطرية المعتادة والنمطية. وبهذا المعنى فإن خطوة موريتانيا ستكون لها تداعيات من شأنها أن تنشط حركية، وسباقا بين دول المنطقة إلى إطلاق العنان للقطاع الخاص بداخل جغرافياتها لتأسيس فضائيات تتجاور مع القنوات التابعة للقطاع العام.

إن التجربة القطرية وكذلك التجربة السعودية لا تنتميان عمليا وسياسيا للقطاع الخاص لأن الإشراف والتمويل يتمان بواسطة كل من قطر والمملكة العربية السعودية. فالجزيرة والـ”إم.بي.سي” مؤسستان رسميتان.

أما الفضائيات التابعة للقطاع الخاص والناطقة باللغة العربية فإن أغلبها موجود في الدول الأوروبية وخاصة ببريطانيا، وفرنسا. ونظرا لذلك فإن مشروع موريتانيا سيكون فريدا من نوعه نسبيا من حيث التوجه على الأقل.

وهنا سوف تطفو على السطح مجموعة من المسائل في حالة تحقق وتجسيد هذا المشروع.
كماهو معروف، فإن تقاليد حرية التعبير وأخلاقيات الاختلاف في الرأي لم تتضح بعد في المشهد الاجتماعي والثقافي والسياسي على مستوى المنطقة المغاربية لأسباب كثيرة ومعقدة في ظل سطوة التخلف فيها وعدم حل مشكلة التبعية، والدوران حول تسيير الأزمات، وهكذا فإن المنتظر أن تلعب هذه الفضائيات أدوارا تنويرية، وتثقيفية وتربوية على طريق إنضاج وتوسيع فضاءات الحوار الجاد والملتزم بقواعد النقد البناء وبعيدا عن نهش الأعراض، وتصفية الحسابات الشخصية.

أعتقد أن المنطقة المغاربية في حاجة ماسة وأولية إلى هذا النقد الحر والمسؤول والنظيف. إن حرية التعبير جزء أساسي في التربية الديمقراطية والتدريب على منهجها، وآلياتها، وأخلاقياتها.

مما لاشك فيه أن مجتمعاتنا لا تزال تعاني من مشكلات الأمية بكل أنماطها وتفرعاتها، ولذلك فإن رسالة الإعلام التلفزيوني تفقد مصداقيتها إذا لم تنجز محو هذه الأميات المتشابكة والمتبادلة التأثير ومنها أمية تقاليد النقد والحوار في الحياة الشعبية، وعلى مستوى النخب أيضا.

لا شك أيضا في أن الرهان على عكس الثراء الثقافي في المنطقة المغاربية يتميز بأنه مركزي وجد حاسم بالضرورة، ولكن السؤال المطروح بخصوص هذا هو: هل تتمثل المهمة في هكذا مجرد عكس ما هو قائم في البنية الثقافية التقليدية السائدة عندنا أم أنها أعمق وأبعد من ذلك؟ أعتقد بأن مهمة إحداث تغييرات جذرية في هذا النوع من الثقافة مستعجلة، ولكن كيف يمكن إنجاز هذا المشروع التنويري الكبير؟

المال الأصلي : العرب أون لاين