من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الحياة

08-79.jpgما هي الصفة المشتركة بين كل من كاتون القديم وفولتير وبيير منديس فرانس؟ الرجال الثلاثة فهموا، مثلهم في ذلك العديد من السياسيين والمثقفين الآخرين في جميع أنحاء العالم، أنه من أجل أن تشق فكرة طريقها، فمن اللازم أن تتكرر مرارًا وتكرارًا. لقد قال كاتون إنه يجب تدمير قرطاج؛ ووقع فولتير جميع رسائل حقده على الظلامية. أما بيير منديس فرانس فقد أبدى طيلة حياته هاجسه بالحقيقة.

ولدينا ما يجب تكراره دوما وبدون حدود، وهو الحاجة إلى تركيز كل الجهود الرامية إلى انتعاش قطاعات معينة سميتها منذ أكثر من شهر، “اقتصاد الحياة”.

وهي تضم جميع القطاعات التي تؤدي بطريقة أو بأخرى، من قريب أو بعيد، بشكل أو بآخر، مهمة الدفاع عن الحياة.ونحن نرى كل يوم وبشكل عملي جدا، الأهمية الحيوية لهذه القطاعات: الصحة، الوقاية، النظافة، إدارة النفايات، توزيع المياه، الرياضة، التغدية، الزراعة، حماية الأراضي، التوزيع، التجارة، التعليم، البحث العلمي، الابتكار، الطاقة النظيفة، الرقمنة، الإسكان، نقل البضائع، النقل العمومي، البنى التحتية الحضرية، المعلومات، الثقافة، سير الديمقراطية، الأمن، التأمين، الادخار والقروض.

ومن البديهي أن هذه القطاعات مترابطة فيما بينها: الصحة تستخدم النظافة والتكنولوجيا الرقمية- وهذه الأخيرة مفيدة أيضًا في التعليم؛ وطبعا لن يقام بشيء مجد في أي من هذه المجالات دون البحث العلمي الذي يعتمد عليه اكتشاف اللقاح والدواء بوصفهما ضروريين للسيطرة على هذا الوباء. لذلك يجمع هذا الاقتصاد بين جميع الأنشطة التي تسمح للناس في آن واحد بالعيش خلال الوباء وبالخروج من الأزمات (الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية) التي يغذيها.

ولا تقتصر هذه القطاعات على أنشطة متباعدة فقط؛ مما يستدعي تنظيمها واستخدامها تبعا لذلك بشكل يوفر جميع وسائل الحماية لكل العاملين فيها.

واليوم، تمثل هذه القطاعات- حسب الدول- ما بين 40 و70٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وما بين 40٪ و70٪ من العمالة، وهذا ما ينبغي العمل على تغييره حتى تصل النسب إلى 80٪.. بحيث يجب على الأسر أن تنفق حصة أكبر من ميزانيتها على الرعاية الصحية والغذاء والتعلم؛ كما يجب على أرباب العمل زيادة الأجور وتحسين الوضع الاجتماعي للعمال؛ وعلى على الدولة أن تدعم الشركات، الكبيرة أو الصغيرة، التي تعمل في هذه القطاعات.

وفي سبيل اقتصاد الحياة هذا، يجب إعادة توجيه الشركات العاملة في القطاعات الأخرى، والتي تنتظر، دون جدوى في رأيي، عودة أسواقها السابقة: السيارات، الطيران، المنسوجات، موضات الأزياء، الكيمياء الأدوات الآلية، الطاقة الكربونية، وسائل الترف، السياحة، نشاطات الأداء الحي، الأسلحة. فالشركات العاملة في هذه المجالات لن ترى عودة أسواقها السابقة إلى ماكانت عليه حتى لو وُجد الآن لقاح ودواء، فستستغرق الأمور عامين على الأقل قبل أن يعود كل شيء إلى التوازن؛ وبحلول تلك المدة سيزول العديد من هذه الشركات. لذلك، لن يكون من المقبول تمويل الشركات التي ليس لها مستقبل، دون حد زمني.

ورغم ذلك، فلا ينبغي بالضرورة الحكم على هذه الشركات بالزوال: سوف تبقى إذا تحرك قادتها والقادة السياسيون والنقابيون، من أجل إيجاد طرق أخرى، للقيام بنفس الخدمات ولتقديم خدمات أخرى، في قطاعات اقتصاد الحياة لأن كل هذه الشركات لديها مهارات يمكنها إعادة تنظيمها، ويقدم الآن قطاع السياحة مثالاً على هذا.

وإن كانت، حتى عهد قريب جدًا، قطاعات اقتصاد الحياة تتكون بشكل رئيسي من الخدمات، وبالتالي لا تقدم أي إمكانات نمو، (مكونات تحصل فقط مع زيادة الإنتاجية الناتجة عن تصنيع خدمة معينة)، فهذه القطاعات تتكون أيضًا، أكثر فأكثر من الصناعات القادرة على زيادة إنتاجيتها، وبالتالي كفيلة بتحسين قدرتها باستمرار على تأدية مهمتها.

ومن خلال استثمار كل الوسائل في اقتصاد الحياة، يمكننا أن نتجنب أسوأ ركود يعرفها التاريخ ونخرج العالم من الكابوس الذي يغرق فيه الآن.

وقد بدأت هذه الفكرة تجد طريقها في بعض الشركات وفي بعض البلدان، وبدأت فعلا بعض البلدان تخاطر وتسير في هذا المنحى؛ كما بدأت بعض الشركات تدرك أن بقاءها يعتمد على مراجعة مجال نشاطها وتوجيهه في أحد هذه القطاعات.

ولكن كل هذا ما زال ناقصا، كما ونوعا، إذ لم تعلن أي دولة حتى الآن أنه ينبغي أن يتم التركيز على هذه القطاعات، وأن تمنح الأولوية في القروض والمشتريات العامة وتمويل الابتكار، رغم أن هذا هو الطريق الصحيح: حيث حان الوقت للانتقال من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الحياة.

j@attali.com[i]

[i] ترجمه من الفرنسية إلى العربية: البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي) – “موريتانيا المعلومة”.

زر الذهاب إلى الأعلى