“إذا لم تستح فاصنع ماشئت” | محمد ولد ديديا

من ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ماشئت… حديث. لست من الجريئين على إستخلاص العبر من النصوص الشرعية ودلالاتها أو إسقاطها على الواقع وتحليلها إلا أنني فهمت من هذا الحديث أن (اصنع ماشئت) أي من الأعمال السيئة كالتي أستشرت في مجتمعنا (البيظان) فما عاد صاحبها يخجل لكثرة فاعليها وصار لا بد لمن يريد الانكار على مخالفي الفطرة أن يأتي بالحجج والدلائل وأن يكون مفوها كتابة (بالتشديد كعلامة) لا أن يتحاكم للفطرة السليمة فكأننا وصلنا في هذا المجتمع لمرحلة إقرار الخطيئة والشذوذ عن الفطرة خصوصا فيما يتعلق بالشأن العام من مواقف سياسية وتعامل مع المال العام وسكوت عن الظلم وما ذاك إلا من قلة الحياء وأكاد أجزم أن جميع مشاكلنا في هذ البلد مردها إلى عدم الحياء ومن تلك المظاهر والعادات:

  1. التقلب وعدم الثبات على المواقف (رخست العهد).
    لا يلام المرء لتغيير موقف عادة ولا يلام العالم عند الرجوع عن فتوى، إلا أنه كما يروى عن آينشتين “الغبي هو الذي يعيد التجربة بنفس الوسائل وفي نفس الظروف ثم يتوقع نتائج مختلفة”
    والعكس صحيح إذا قام الرجل فعارض النظام ونعته بالفساد ووافقناه ثم عاد ليوالي ولما تتغير الظروف فإن ذلك من الغباء والعار بمكان وليس من الحياء في شيء مثل هذ الفعل كثر ولم يعد مما يعاب صاحبه
    سيد ذاك لجاكم.. كبلكم راه جان
    اسو عاد معاكم …واسو عاد امعان

ويحك هذا الزمان زور .. لايغرنك الغرور
لاتلتزم حالة ولكن در بالليالي كما تدور
ومن أمثلة هذ الخلق السيء قلب ظهر المجنِّ للرئيس السابق ول عبد العزيز والشعب لازال يسمع قرع نعاله فلايخلو يوم تطلع فيه الشمس على هذا المنتبذ القصي من مقال أو من فيديو لأحد مشاهير عشرية عزيز -والمطالبين له بالمأمورية الثالثة ليكمل مساره الذي بدأه -ينتقده لشخصه ولطريقة تسييره للبلد أثناء حكمه وكأنه قاد حركة مسلحة للإطاحة به أنذاك. الثبات على المواقف من مايمتدح به
يروى عن عبد الله ابن عمر لما حضرته الوفاة، قال: إنه كان خطب إليَّ ابنتي رجل من قريش، وقد كان مني إليه شبه الوعد، فوالله لا ألقى اللهَ بثلث النفاق، أُشْهِدُكم أني قد زوجته ابنتي. ويقال إنه لما مات أمرؤالقيس الشاعر سار الغساني إلى السموءل (وهو شاعر يهودي )، وطالبه بأدراع امرئ القيس، وكانت مائة درع، وبما له عنده، فلم يُعْطِه، فأخذ الحارث ابنًا للسموءل، فقال: إما أن تسلم الأدراع، وإما قتلتُ ابنك. فأبى السموءل أن يسلَّم إليه شيئًا، فقَتَلَ ابنه، فقال السموءل في ذلك:

وفيت بأدرع الكنديِّ إنِّي * إذا ما ذمَّ أقوامٌ وفيت وأوصى عاديا يومًا بأن لا * تُهَدِّم يا سمول ما بنيت
بنى لي عاديا حصنًا حصينًا *** وماءً كلّما شئت استقيت

الوقوف على المواقف والثبات عليها أو بعبارة أدق الوفاء هو من أجمل مايتصف به البشر وحتى الحيوانات تتصف به فيزيد من قدرها تعظيما والجمادات كذلك فالجذع حنَّ والحب هو الوفاء والأمانة قريبة منه وعكسه الخداع وهو مقيت ومن خدع في العلن ولم يستح أمام الناس فلاغرابة إذا خادع في السر والخداع في السريرة هو النفاق
٢. إنزال الناس منازلهم بحسب ماعندهم.
لقد صار هذا المجتمع ماديا لدرجة لاتتصور فمع أن المال من ما يرفع الناس إلا أن خطورة تقييم الناس على أساس المال كمعيار أساسي إن لم يكن تقريبا الأوحد في أيامنا هذه فإن ذلك مما يؤسف عليه وتتجلى خطورة هذا التصنيف في ثلاث مسائل
-الأولى وهي هضم جميع القيم الحسنة من أخلاق ومستويات علمية واجتماعية في القيمة المادية
-الثانية وهي الأخطر عدم فحص مصادر التمويل والتغاضي عنها فأستوى بذلك رجل الأعمال الورع الذي تدرج على مراتب السلم الواحدة تلو الاخرى هذه بصبره وتلك بعقله وحزمه وذي بتضحيته مع الذي صنع ثروته على حساب أمن أمرأة وتجويع يتيم وقتل مريض ووأد طموح شباب من أبناء وطنه وعمومته أوسرقة تمويل بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى

  • الثالثة وهي الأدهى والأمر فمن بعد إعطاء القيمة للشخص جزافا على أساس ماتحصل عليه من المال لاتوجد مرحلة بعد ذلك لمتابعة هذا التقييم المجتمعي الفاسد غير إستمرارية التملك فاضمحل العطاء وانعدم الكرم ومنعوا حتى الزكاة فمنعنا جميعا القطر ولولا البهائم لهلكنا
    فصار المال كل شيئ وأنعدمت القيم فنافق الرجل باسم قبيلته فقدموه وكذب الوجهاء فاستووا مع غيرهم من المتملقين في الكذب ومدح الحكام بما ليس فيهم طلبا للمال وسرق من لم يذق الفقر دهرا خوفا وحفاظا على منصبه وكفر الشباب وكثر الإلحاد طلبا للمال أحيانا كثيرة وازدادت التفرقة والعنصرية وظهرت الفرق التي لم تكن في أسلافنا وأحتقر المجتمع المتعفف والنزيه وكثرت الامراض وقلت السعادة فضاقت الصدور ونزعت البركة وجفت القرائح وندر الذكاء وقل كل ماهو جميل ولقد لخص الشاعر المصري أحمد شوقي كل ذلك في قوله:
    وإنما الأمم الاخلاق مابقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
زر الذهاب إلى الأعلى