هوامش على مقال: حصاد الإيديولوجيا في ساحتنا الوطنية

ترددت كثيرا قبل أن أكتب هوامش على هذا المقال نظرا لأهمية الوقت عندي ولأني أن مداد القلم ينبغي أن يوظف في غير هذا، لكني رأيت أن معرفتي بالكاتب وخباياه تحتم علي الكتابة أكثر من غيري، ونظرا كذلك إلى أن الرجل انتقل من التجربة في الكتابة عن الإسلاميين إلى أن أصبحت عادة عنده، وكنت أرى أن أربع سنوات من الإسهال في الكتابة المتخذة من المثل الحساني (سبت شرتات لوالده)، والهستيريا التي أصابت الرجل، كنت أرى أن ذلك سيكون له حد، لكن تبين لي أن تقديري لم يكن في محله، وأن الطيبوبة الزائدة عند الإسلاميين لا تصلح في جميع الأحوال، تلك الطيبوبة التي جعلت الإسلاميين يتلقون الكاتب يحي البيضاوي العائد لتوه من أوكار البعثيين، ويلبسونه على الطهارة في حين كان الأولى أن يغسلوه مائة مرة أولاها بالتوجس والحذر.

لقد استقبل الإسلاميون الكاتب يحي البيضاوي، وفرحوا بتوبته من أفكار النصراني ميشل عفلق، وظنوا أنه طوى صفحة الماضي ويريد أن يعمل لدين الله عز وجل، وقد استفاد في بادئ أمره حتى قال بالحرف الواحد في يوم من الأيام: “لقد شعرت بأني ولدت من جديد”، ومن المعلوم أن من ولد من جديد يحتاج إلى فترة من الرضاعة والحضانة والتربية في سن الطفولة وهو ما لم يتحقق لمولودنا الجديد، فسرعان ما انتفض ورجع إلى أصله، وكأنه كان في حلم جميل، ولم يستطع التصديق أنه في واقع، فبدأ يعيث فسادا في آخر أيامه المشؤومة ولم يتورع عن أي أسلوب يحقق له غايته فمارس الكذب والتضليل والتشويه حتى وصل درجة من السقوط جعلته يقول لبعض الأفراد أنتم يقال فيكم أنكم ضعيفو الإيمان، وأنت يقال لك بأنك علماني وأنت مستثنى من كذا وكذا .. إلخ.

وقد اجتال بهذا الكلام بعض الأفراد الذين لم يصدقوا أن يخبر الشخص بخلاف الواقع خصوصا إذا ما اقتنع بأنه في سجن وأن أمامه جنة تنتظره فور خروجه من هذا السجن الكبير، فأقلع بهم في رحلة مجهولة الوجهة يسميها تيار الإقلاع الحضاري.

ومن الطيبوبة الزائدة عند الإسلاميين أنهم عاملوا الرجل بمثل ما يعاملون به أنفسهم قبل أن يعرفوا طبيعته، فهو قد تمكن حب المال من قلبه تمكنا جعله يسيء الظن بكل من تعامل معه، ويبدو الأمر جليا لكل من تابع كتاباته سواء كانت باسمه أو بصفته المنتحلة، فكثيرا ما يتهم الهيئات والأفراد بأخذ أموال الأيتام والمساكين والأرامل وكأنها كانت ودائع عنده يعرف من أخذها وفيم صرفت.

وقد يغيب عن كثير من الذين تعرفوا على البيضاوي أن سبب خروجه أصلا هو مالي بالدرجة الأولى، وذلك أن بعض الأفراد التزموا له براتب معين على عمل معين، وشاءت الأقدار أن ظروفهم لم تسعفهم بالوفاء بكامل المبلغ في الوقت المحدد وإن تم الوفاء به كاملا بعد ذلك بفترة وجيزة، فكان الأمر بالنسبة للأفراد أمرا عاديا، فكل فرد يمكن أن يضحي بماله ووقته فضلا عن أن يصبر على تأخر راتب، وكان الأمر بالنسبة لكاتبنا طامة كبرى، فأظهر من التسخط والضجر ما الله به عليم.

وأمر آخر مهم قد خفي على بعض من تعرفوا على الكاتب المذكور، وهو أنه كان مولعا بحب الصدارة وتولي المسؤولية، وقد قال أحد العارفين به عن قرب: إذا لم تولوا البيضاوي مسؤولية كذا فسيخرج عليكم قريبا، في حين أن القوم لا يعدون المسؤولية تشريفا وإنما هي تكليف، والقاعدة عندهم أن الشخص المناسب يوضع في المكان المناسب حسب اجتهادهم، وأنهم لا يولون الأمر من سأله.

وأما عن حصاد الإيدليوجيا يتحدث عنه البيضاوي فقد عودنا الكاتب على الإتيان بعناوين مختلفة وأحيانا تكون براقة وكبيرة، ولكن عندما يستهويك العنوان وتتطلع إلى قراءة كامل المقال سرحان ما يتضح لك أن الرجل لم يأت بجديد وإنما يريد أن يمارس شهوته بالتلذذ بالنيل من الإسلاميين، وقصارى ما يكون جديدا في المقال أن صاحبه قد اكتشف عبارات أسوأ وأبشع في الوصف من عبارات سبق وأن استخدمها في مقال سابق، والمقال الذي بين أيدينا اليوم يأتي في نفس السياق.

فأما حديثه عن القومية فهو توطئة لما بعده على أن الحديث عن القومية لم يعد يستهوي أحدا في مجتمعنا الذي لفظها ورمى بها في مزبلة التاريخ، ومن باب الإنصاف الذي لم يتعود عليه الكاتب فإني أشاطره الرأي في كثير مما قال عن قومه “من الاستبداد والتعسف والفساد وغياب الديمقراطية، وإقصاء الطاقات الوطنية والمخالفة عموما … والانتهازية وعدم المبدئية .. ” إلخ كلام الكاتب.

وأنا أقول له يكفينا من نماذج حصاد القومية في بلادنا نموذج كاتبنا فقد كان خريج تلك المدرسة المشؤومة وبقي معه من فكرها الخبيث وحقدها ما لو وزع على أهل هذا القطر لأصابهم جميعا بالدوران.

وأما حديثه عن الإسلاميين -وهو المقصود أصلا بالمقال- فإن الكاتب بدأ حديثه كعادته عنهم في همز ولمز ووصفهم بنعوت لا يتبرؤون منها كممارسة الوعظ والتوجيه والإرشاد، ويقول بأنهم يهدفون إلى إيجاد الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم ثم الدولة المسلمة وأخيرا الخلافة الراشدة.

وقد تفهم أن البيضاوي عنده مشكلة مع الوعظ يعرفها كل من جالسه لكنه لم يوفق في سرد هذه الأوصاف وجعلها تهما في حق الإسلاميين فما من مسلم سوي إلا وسيقول بأن هذه أمنيته، وقد يجامل الإسلاميون البيضاوي فيقولون له صحيح ما قلت من أن الفرد المسلم موجود والمجتمع المسلم موجود لكن هذا المجتمع قد فرخت فيه القومية والعلمانية حتى أصبح ينتج أمثالك ممن أصبحوا معاول هدم للدين، وهل عدم تحملك أنت للوعظ ونفورك منه ينبغي أن يكون سببا لمنعه في هذا المجتمع؟

وتتوالى تهم البيضاوي للإسلاميين فيقول بأنهم تنظيم إخواني سري استورد من الخارج !!

ولنفترض أن الإسلاميين في موريتانيا لا زالوا على الحال يسبهم بها البيضاوي، وإن كان هو يعلم علم اليقين أنهم انصهروا في حزب تواصل.

إذا افترضنا تهمه فما العيب فيها؟

وهل يوجد في موريتانيا شيء غير مستورد؟

هل مالك بن أنس من مواليد انواكشوط؟

هل الجنيد من مواليد النعمة؟

هل الأشعري من مواليد روصو؟ هل وهل وهل ..

أليست البيعة للإخوان أفضل من البيعة لميشل عفلق قديما والعقيد معمر القذافي حديثا؟؟

أما تهمة السرية فلو غيرك قالها يا بيضاوي، فأنت منذ نعومة أظفارك من سرية إلى أخرى ألست تدير الآن تنظيما سريا يقال له تيار الإقلاع الحضاري الذي لا يوجد له تصور إلا في ذهنك أنت، وإنما تجمع له الأنصار تارة باسم حزب الفضيلة وتارة باسم دعم ولد عبد العزيز غير أن كثيرا ممن جالسوك قضحوا أمرك وأصبحوا يسخرون منك لأنهم حسب الثقات منهم لم يجدوا عندك إلا التحامل على الإسلاميين، فالجميع أصبح يقول وماذا بعد؟

صحيح أن البعض منهم قد يجالسك لبعض الوقت انتظارا للأموال التي وعدتهم بها من القائد معمر القذافي، لكن عليهم أن ينتظروا طويلا ! فالأموال التي ستمر بعثمان في طريقها إليك أنت على من ينتظرها أن يكتفي (بشرب لبن الفارو) !!

ويواصل البيضاوي جرائره وقذفه للإسلاميين، فيلتحم تارة برفاقه البعثيين، ويتجاوزهم أحيانا حين يرى بطأهم في حركة النيل من الإسلاميين فيتهمهم هذه المرة بالوقوف في وجه العربية وذلك أمر كفينا الحديث عنه فلم يعد الحديث عنه إلا تكرارا، غير أنه يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول بأنهم يعولون في كل ذلك على رضى (افلام) وفرنسا !!

سبحانك هذا بهتان عيظم

ثم يختم البيضاوي كبائره وفجوره ووقاحته بأن الإسلاميين يلبسون مواقفهم بلباس من الدين بات أكثر رقة من أن يستر ما وراءه، وإن تفهمنا حساسيته من لباس الدين فإننا نسأله ما الذي رأى وراء ذلك اللباس؟

هل هو إلا شيخ عارف بالله؟ أو شاب نشأ في عبادة الله؟ أو امرأة متسترة محتشمة؟ أو بان لمسجد؟ أو كافل ليتيم؟ أو ساع في قضاء حاجة مسكين؟ أو تال للقرآن؟ أو معلم لجاهل؟ أو مقارع للباطل؟ أو متحد لظلم؟ أو مناصر لقضايا أمته؟ أو باذل في أوجه الخير؟ أو مرشد لضال ؟؟

ومع ذلك فلا ندعي العصمة ولا الكمال فنحن بشر نخطئ ونصيب ونعتقد أن الغالب فينا هو جانب الخير بإذن الله.

أما أنت يا بيضاوي فلا تظن أن سكوتنا عنك في الماضي عن عجز عن الرد عليك ولا عن عدم معرفة بخباياك السيئة، وإنما لاعتقادنا بأن الرد عليك مضيعة للوقت وإتاحة لفرصة الظهور التي تنشدها، لكن تماديك وتجاسرك وتجاوزك لكل الحدود جعل السكوت عنك فيه إهانة لأهل الحق والإيمان.

وإذا كنت قد انتفشت وانتفخت وأنت تنسج أكاذيبك عن الإسلاميين وتلصق تهمك الباطلة في حقهم فلتسعد بالمزيد من ذلك وابحث عن مزيد من العبارات التي يمكن أن تزيدك نشوة وفرحة وتحامل كيف شئت واقذف بما شئت وحرض بما استطعت، كن مثل دداهي أو ولد الطايع فلن تعدو قدرك ونحن لن يزيدنا ذلك إلا تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت).