حصاد الإيديولوجيا في ساحتنا الوطنية

نالت موريتانيا استقلالها في فترة من التاريخ كانت تشهد غَلياناً إيديولوجيا محموما لا يتوقف عن الحركة والهدير إلى حدّ الإزعاج، فلقد كان للمعسكر الشرقي بقيادة القطب الشيوعي صولة وجولة في الساحة الدولية عبر خطابه الثوري ومقارعته الحامية للرأسمالية الغربية، وكان الخطاب القومي العروبي قد بدأ ينتزع مواقعه في الساحة العربية المحررة من يدي المستعمر، ولم يكن للخطاب الإيديولوجي الإسلامي في تلك المرحلة صوت يذكر على المستوى الدولي مع أن طلائعه بدأت تتسلل إلى موريتانيا في وقت مبكر من تاريخ الاستقلال الوطني عبر نظرية “الحل” الإخوانية، وفي هذه الظروف الهائجة نَالتْ موريتانيا استقلالَها، فكانت ساحتُها مفتوحةً لاستقبال “طلائع التنوير” عبر الخطاب الأيديولوجي المتنوع كُلٌّ يريد أن يحجزَ لنفسه موطئ قدمٍ من الساحة الوطنية المحرّرة التي كانت خاويةً على عروشها يَومئذٍ .

لهذا يمكن القول إن عُمُرَ الأيديولوجيا في ساحتنا الوطنية يساوي عُمر الدولة، فإذا أردنا أن نتكلم عنها فسنتكلم عن عشرات السنين من الصراع الإيديولوجي. فما هو حصاد ذلك الصراع على مستوى ساحتنا الوطنية؟ وكيف تعامل الناس مع ذلك الوافد؟ و ما هي إنجازاته على الصعيد الوطني؟ وهل كان يمكن لساحتنا الوطنية أن تكون أكثر حضورا ثقافيا وسياسيا، على المستوى الإقليمي والدولي، لو خلت من ذلك الصراع ؟

سنحصر حديثنا هذا ـ وبعجالة مخلة في بعض الأحيان ـ في الخطاب الأيديولوجي العروبي والإسلامي، وسنغفل الحديث عن الخطاب اليساري لاعتبارات عدة منها: أنه خطاب مُنْبَت عن بيئتنا الاجتماعية ولم يستطع أن يقدم لها نفسه في يوم من الأيام إلا وهو متلفّع بغطاء ساترٍ لحقيقته؛ فالمجتمع الموريتاني مجتمع متدين بفطرته وقوميّ بطبعه، وغير مؤهل لاحتضان خطاب معاد للدين أو للقومية، ولهذا فإن الخطاب اليساري لم يستقر تحت لافتة محددة، بل ظل يتلون بلون الأيديولوجية التي يرى أنها قادرة على دعمه وإيوائه داخل الساحة الوطنية، إلا أنه لم يغادر الأيديولوجية الغربية على كثرة ما تدثّر به من تلك الألوان وما تنقل به من تنقلات.

الإيديولوجية القومية: دخلت الأيديولوجية القومية الساحة الوطنية مبكرا عبر الخطاب الناصري أولا ثم البعثي ثانيا، فكيف مارس الخطاب القومي تنزيل أيديولوجيته؟ وفيم نجح هذا الخطاب؟ وفيم أخفق؟ .

لقد قارعت الأيديولوجية العربية أعداءها بقوة، إذ كانت الفرانكفونية تسعى جاهدة وبدعمٍ غير محدودٍ من فرنسا لجرّ موريتانيا إلى مصاف دول مثل مالي والسنغال تخلّت عن تاريخها وحضارتها وارتمت في أحضان المستعمر الغالب لغةً وثقافةً وتاريخاً، علما أن المستعمر لم يباشر يوما إدارة الاستعمار في موريتانيا إلا بفئات مستجلبة من محيطنا الإفريقي تعرف بـ “كوميات” كانت تشكل حربته العسكرية تقاتل في صفوفه الأمامية في أيامه الملتهبة ويسخرها لخدمة الخاصة في أيامه الأخرى، لقد ناضل القوميون لتحقيق أهداف محددة منها، ترسيم اللغة العربية لغة للإدارة والتعليم، وانضمام موريتانيا إلى الركب العربي من خلال الجامعة العربية، ومكافحة تغلغل الثقافة الوافدة عبر بوابات المستعمر .

ويتذكر كثير من الذين عاصروا تلك الحقبة كيف كان الشباب في أحضان المدارس يتعاملون مع القوى العربية التي كانت تريد أن تتسلل بسلاسةٍ ولينٍ عبر أدواتها التقليدية المتواضعة إلى عقول الناشئة في المدارس، فكان أستاذ اللغة العربية محل سخرية من زملائه وطلابه ينعتونه بأوصاف بدوية لا تخلو من صدق – أحيانا- وإن غلبت عليها مبالغةٌ مقصودة هدفها التشويه والنَّيلُ من الثقافة العربية و نعتها بنعوت التخلف والهمجية .

لقد استطاعت الأيديولوجية العربية أن تكسب المعركة في كثير من قضايانا الوطنية، وأن تجمع كثيرا من نخبنا الوطنية حول قضايانا الكبرى، ولم يخب بريق تلك الانتصارات ويبدأ التنازل عنها إلا بعد أن ضعفت الأيديولوجية القومية وانحسر الخطاب العربي في مطلع التسعينات حين صادف ذلك مرحلة حكم ولد الطائع الذي انفردت به القوى اليسارية واستغلت ديكتاتوريته وفساد حكمه لنفسها أشدّ الاستغلال .

ولقد تَلقّفتْ الجماهيرُ بشقيها الشعبي والمثقف الخطابَ القومي بارتياح كبير؛ إذْ كانت ترى فيه مخلّصاً لها من واقعها المتردي، وحلمتْ من خلاله باستعادة الأمة العربية لوحدتها من الخليج إلى المحيط ، وظلّت تشم فيه عبق التاريخ، وتتذكر من خلاله روابط الأخوة والدم وأواصر القُربَى، وقد تغلغل الخطاب القومي في أوساط الشباب بمختلف أطيافه وأنماطه. إلا أنّ ذلك كلّه لا يستطيع أن يخفي وراءه الإخفاقات الكبرى داخليا على مستوى الساحة الوطنية على الرغم من تزامن تلك الإخفاقات مع ضربات القوى الإمبريالية الموجعة لمراكز القرار القومي، فعمل ذلك كله على الحْـَدِّ من بريق الأيديولوجية العروبية وطنيا وعربيا، بل وأجهض مشاريعها، ولم يخطئ موريتانيا نصيبُها من ذلك .

ترى أين أخفق الخطاب القومي في موريتانيا؟ وهل كان في وسعه أن يحقق نجاحا أكثر لو تفادى بعض أخطائه؟ وما ذا لو خلت الساحة من ذلك الخطاب في بداية تشكلها؟ لقد تمثلت أخطاء الخطاب القومي في أمور ثلاثة: أولها الانشغال بالسياسة عن دراسة الواقع وتقديم الحلول لمشاكله وهو أمر انتقده كثير من المثقفين العرب على المراكز الكبرى للأيديولوجية العربية من أمثال عبد الإله بلقزيز؛ فلقد اعتبر بلقزيز سقوط الأيديولوجية العربية ناتجا عن غياب التراكم المعرفي والثقافي الذي يهتم بتحليل الواقع وتقديم الحلول له ليتم الاختيار منه عند الحاجة، وإذا كان هذا حاصلا في المراكز الكبرى التي ملكت المال والرجال ومراكز البحث فما بالك بالقوميين الموريتانيين!

والأمر الثاني يتمثل في غياب المضمون الديني حيث لم تكن له الأولوية لدى ذلك الخطاب إن لم نقل إنه كان مُهْمَلاً تماما. علما بأن التدين ظل موجودا داخل القوميين لكنه كان على المستوى الفردي فقط ؛ ومردّ ذلك أن القوميين الموريتانيين استجلبوا الأيدلوجية العربية بعد أن تم تبييتها في الدولة العربية الأم ( مصر أو العراق أو سوريا..) والتي تختلف عن مجتمعنا في كثير من الأمور؛ تختلف عنه في بنية التركيب الاجتماعي والطائفي والعقدي، حيث توجد ديانات أخرى نصرانية ووثنية متعددة، فلم يسعَ الخطابُ القومي في موريتانيا إلى فصل عوامل التبييت تلك عن العناصر الأساسية والحقيقية في الفكرة القومية ، فدخلت الفكرة القومية إلى المجتمع الموريتاني المتدين فارغةً من الدين بل محشوة بمضمون ماركسي اشتراكي لا يعبأ بالدين أصلاً، ولا يولي أيّ اهتمام لقضايا المعتقد الإسلامي الذي كانت له الصدارة في المجتمع المستهدف، وهكذا لم يعبأ الخطاب القومي بتوطين الأيديولوجية العربية في البيئة الثقافية الموريتانية والتي هي بيئة إسلامية بامتياز، علما أن المجتمع الموريتاني بمختلف تكويناته القومية لم يجد غضاضة في تقبل الخطاب العروبي عبر التاريخ؛ فلقد تم استقبال الثقافة العربية عبر تاريخ المجتمع الموريتاني بالترحيب، باعتبارها حاضنة للدين ومصدر لغته، إلى حدّ أنه تناسى ثقافته ولغته الأصلية في ظرفٍ تاريخي وجيز، كما حدث في بيئات عربية وإسلامية عدّة، كمصر والعراق والشام، والمغرب العربي والأندلس، وفارس قبل القرن الرابع الهجري، وما كان ذلك ليتم لو أنّ الثقافة الوافدة كانت تعوّل على ثقافة قومية مجردة من الدين الذي يخاطَب به الإنسان من حيث هو إنسان، على أنه رسالة من الله إليه، وإن حملها إليه جنسٌ معين.

والخطأ الثالث يتمثل في تجاهلها للقوميات الزنجية داخل البلد، وهي جزء من التركيبة الاجتماعية ليس في مقدور أي جهة تريد الإصلاح تجاهلها، وليس من مصلحة الوطن ذلك، وهو مخالف للثوابت الإسلامية التي تجعل العلاقة بين البشر على أساس عقدي، لا على أساس آخر مهما كان، وتقطع العلاقة بين المرء وأخيه من النسب، وتصلها بينه وبين أخيه في الدين، ولا تتجاوز بالأعراق أبعدَ من التعارف (إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا)، وإن كانت تحترمها، وتعدّها آية من آيات الله (ومن آياته خلقُ السماوات والأرض واختلافُ ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآيات للعالمين)، فلم تُولِ الأيديولوجية العربية أي اعتبار للقوميات الأخرى، ولم تحاول أن تخلق خطابا يتناسب مع حالتها من حيث هي فئات وطنية مسلمة، يجب أن لا يلوّح لهم بمجرد الاحتواء، بل كان يتوجب على الأيديولوجية العربية أن تقدم رؤية تسعى من خلالها إلى استقراء مصاعب تلك القوميات، وتقدم لها حلولا مرضية تنتهي في الاندماج والتلاحم لبناء وطن متماسك لا تشعر فيه أيّ جهة بالإقصاء، وهذا هو الذي كان معهودا قبل الأيديولوجية العربية الحديثة حيث كان الزنوج يشعرون بانتمائهم لثقافة العروبة باعتبارها ثقافة الإسلام والمسلمين أينما كانوا، وكائنة ما كانت أصولهم، فكان من بينهم العلماء والشعراء والأبطال المدافعون عن حياض الأمة، ولم يشعروا أبدا بالغربة في عالم الثقافة العربية الإسلامية إلا بعد أن دخلت الأيديولوجية العربية الحديثة التي رفعت شعار اللغة والعنصر ( العِرق ) ، وغيبت الدين والتاريخ، فغاب الآخر من اهتماماتها تماماً، مما ولد شعورا مطبوعا بالمرارة لدى تلك القوميات تجاه العروبة وفلسفتها الأيديولوجية يتسم بكثير من الجفاء والتوجّس، وعملت ثقافة المستعمر السائدة على تعميق ذلك الشعور عبر شعارها التقليدي “فرق تسد” .

وما حصل من الجفاء في بلادنا بين الأيديولوجية العربية وغير العربية كان هو مقصد الاستعمار في العالم الإسلامي كُلّه، الذي سعى إلى التفريق بين من جمعت ثقافة الإسلام بينهم، فلم يتفرقوا في التاريخ، فصنع حساسياتٍ بين شعوب إسلامية كانت مندمجة في تاريخها الإسلامي غاية الاندماج، كالعرب والفرس والترك والبربر والزنج والهنود، إلخ. وكانت هذه الشعوب كلها تخدم العربية وعلومها، وتعتزّ بها كما تخدم علوم الشريعة وتعتزّ بها وتنشرها وتعدّ ذلك دينا تدين الله به وتتقرب به إليه ، حتى قال ابن خلدون في مقدمته قولته الشهيرة: بابٌ في أن أكثر علماء الملة من العجم.

هذا إلى أن القومية على المستوى الفكري، و بشكل عام، كانت تفتقر إلى الخطاب الفكري المقنع، كما تفتقد الخطاب السياسي الحديث القائم على الديمقراطية وإشراك الشعوب في إدارة أنفسها ومناقشة مصيرها، وقد انبثقت أنظمتها السياسية من انقلابات عسكرية، قام بها ضباط غير مثقفين، وليس عندهم فكر الدولة، فاتسمت سياستهم بالاستبداد والعسف والفساد، في كثير من الأحيان، وبإقصاء الطاقات الوطنية والمخالفة عموما، والاستئثار بالحكم دونها، فكان ضررهم على البلاد التي حكموها لا يزيد عليه نفعُهم.

وقد ظلت عين الأيديولوجية القومية في موريتانيا على الجيش والأمن فترة طويلة حتى تمت تصفيتها من تلك المؤسسات إبّان ضعفها ، ولم تترك الأيديولوجية القومية ثقافة في الحوار والنظام الديمقراطي على مستوى التنظيم أو الحزب، فلذلك كثر الانشقاق والخلاف الذي عصف ببعض أحزابها حتى تحلّلت أو كادت، بعد أن كان لها من القوة والشعبية ما لم يكن لغيرها، كما عابها عدم المبدئية، وانتهازية بعض قادتها مما جعلهم يبيعون أحزابهم في لحظة من اللحظات حين ظهرت لهم مصالح شخصية مع بعض الحكومات.

الأيديولوجية الإسلامية

دخلت الأيديولوجية الإسلامية بداية السبعينات من خلال بعض الطلاب القادمين من المشرق العربي، وأرادت أن تستثمر خلفيتها الإسلامية في اكتساح الساحة المتدينة أصلا، ولم تتحول الأيديولوجية الإسلامية إلى حركة إلا مطلع الثمانينات إذ انتظمت في حركة سرية تحت رعاية الإخوان المسلمين ولكنها لم تضع أهدافا سياسية لأنها آنذاك كانت تشكل واجهة لجماعة دعوية تحصر الدعوة في مفهوم محدد لا يتجاوز الوعظ والتوجيه والإرشاد، وكانت أهدافها تتمثل في إيجاد الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، ومن ثم المجتمع المسلم، ثم الدولة المسلمة، وأخيرا الخلافة الإسلامية .

وهي من خلال هذه الأهداف عملت على نقل إيديولوجيا صنعت – هي الأخرى – في الساحة المصرية المتعددة الطوائف والأديان، فلو تأمل الخطاب الإسلامي الحركي في الساحة الموريتانية المستهدفة لوجد أن معظم أهدافه موجودة؛ فالفرد والأسرة والمجتمع والدولة كل ذلك مسلم، بل لقد تأسلم قبل دخول ذلك الخطاب بمئات السنين، إلاّ إذا كان المستوردون لتلك الأيديولوجية يرون أن ذلك الإسلام كان على دَخَنٍ، وهو ما ظلّت تُلمز به الحركة الإسلامية في موريتانيا باعتبارها قد تأثرت بالخطاب الوهابي الذي ظل سخيا معها إلى حد التبذير، فهل حققت الحركة الإسلامية أهدافها؟ وما ذا يؤخذ عليها؟

لا يمكن أن نتحدث عن أهداف محددة قابلة للقياس كانت الحركة الإسلامية قد وضعتها نصب أعينها وعملت على تحقيقها، إلا إذا ركزنا على هدفها الأخير المتمثل في إيجاد الخلافة الإسلامية، فلقد كان أبناء الحركة الإسلامية ينتقدون عليها عدم وضوح خطابها وغبشية أهدافها ولعل انخراطها في المرحلة السياسية الأخيرة كان تنصلا من ميراث تلك المرحلة التي لم تدرس بعناية يوم أن نقلت إلى موريتانيا .

ومما يؤخذ على تلك الأيديولوجية ممثلة في الحركة الإسلامية ذات المرجعية الإخوانية اعتناقها للخطاب الوهابي الذي يَعمُّ بالتبديع والتفسيق كل من لا يدين به، وقد يتجاوز الغلاةُ من أهله التبديعَ إلى التكفير لكلّ من ليس وهابيا، من أموات المسلمين وأحيائهم، ومن علمائهم وعوامّهم، كما تشهد بذلك مراجعهم المعتبرة، قبل أن تلامسها يد الإخوان الدبلوماسية، التي تَتَنَكَّبُ المصادمةَ، وإن كانت تخفي في حقيقتها ما تعلن الإيديولوجية الأم، فزرعت بذورَ الشقاق في مجتمع متدين متّحدٍ أشدّ الاتحاد في كل شيء من أمور دينه، لا يعرف إلا عقد الأشعري وفقه مالك ، وطريقة الجنيد السالك (على طريقة ابن عاشر)، وما يقع بين علمائه من الخلاف يقع في إطار محدد، وتحكم الخلافَ غالباً ثقافةُ الاحترام بين العلماء، وتقديرُ العالم لأخيه، ولا يعرفون ثقافة التكفير والتفسيق والتبديع، لما يتّصفون به من الورع والعلم، وهضم النفس، وعدم التطلع إلى شيء من أمور الدنيا من مال وجاه. فنظرت الحركة الجديدة في طورها الأخير، بعد أن غادرها الرعيلُ المؤسس الذي كان موريتانياًّ صرفاً، وإخوانيا بحتا على طريقة البناّ – رحمه الله – الأولى، نظرت إلى المذهب الأشعري والطرق الصوفية بريبة وتطاولت على بعض رموزهما، وعدتها مشاقا لها، وخطرا عليها، لا يقل عن الإيديولوجيات العلمانية واللادينية الوافدة، كما صرح بذلك أحد قادتها المتأخرين لموقع (إسلام أون لاين) ذات مرة، وجعلت من القضاء على التصوف هدفا من أهدافها، تحت عنوان إصلاح العقيدة، ومن خلال هذا الخطاب المتشدد شكلت بيئة لتوجهات تكفيرية هي التي صنعتها ثم تبرّأت منها حين عجزت عن ضبط حماسها وعجزها عن الصبر على السياسة والدبلوماسية التي يبلغ بها ما لا يبلغ بالصراحة والصدام، فزرعت بهذا التوجه بذرة الخلاف في بيئة ما عرفت في تاريخها الطويل سوى التوافق، ولعل الحركة ذاتها لم تسلم هي نفسها من آثار ذلك التشدد فلقد شكل لها نزيفا داخليا مؤلما غادرتها من خلاله بعضُ العقول التي هي في أمس الحاجة إليها، والتي لم تعدْ تجد مَقنعاً في ذلك الخطاب. كما يؤخذ عليها أيضا الانتقال غير المدروس من المرحلة الدعوية في مفهومها التقليدي إلى المرحلة السياسية من غير أن تأخذ العدة الثقافية والعلمية لذلك وآية ذلك أنك لن تستطيع أن تجد لها إنتاجا فكريا أو ثقافيا باسم مؤسساتها أو باسم بعض أفرادها ينبئ عن رؤية معينة تجاه القضايا الكبرى والهامة وطنيا وإقليميا ودوليا، ويقدم تصورا عن برنامجها تجاه المجتمع والدولة .

وينتقد عليها أيضا تمييع مواقفها مؤخرا تجاه قضايا التعريب وتطبيق حق الأمة الدستوري في جعل اللغة العربية لغة التعليم والإدارة، مع الاحتفاظ للغاتنا الوطنية الأخرى بحقها في التعبير عن وجودها، وارتمائها تلميحا أو تلويحا إلى جانب لغة المستعمر وثقافته، وهو ما جعل البعض من مثقفي البلد يمج مواقفها تلك، ويفسرها البعض الآخر بأنها صورة أخرى من صوّر الهرولة تجاه الحكم حيث تعول الحركة على ” أفلام ” ذات العلاقة المتوترة مع غالبية أطياف المجتمع الموريتاني المسلم، و على فرنسا التي يسر بعض قادة الحركة أن تقرأ في صحافتها أنها تصفها بالاعتدال والجدارة بالحزب وبالعمل السياسي الذي حرم منه أكثر الحركات الإسلامية التي لم تنل شهادة الاعتدال من الدوائر السياسية الأجنبية، وإن كنا نعلم أن بعض مواقف الحركة لا تعبر عن رأي قواعدها بالضرورة، وهي هرولة أفقدت الحركة الإسلامية توازنها، وغيبت رؤيتها السياسية وجعلتها تنساق وراء أي حكم جديد سعيا وراء المشاركة في السلطة، وذلك ما انتقده أيضا عليها نظراؤها في جبهة الدفاع عن الديمقراطية إبان حركة التصحيح الأخيرة التي أزاحت ولد الشيخ عبد الله، ويشاع في الأوساط الشعبية أنهم هم الذين أقنعوا الرئيس المخلوع بضرورة إقالة الجنرالات قبيل حركتهم التصحيحية، ويعتقد بعض العارفين بالحركة أنها تحرص على شيء واحد هو كيف تصل إلى الحكم، بغض النظر عن المبررات، ولكنها تُلبس مواقفها لباسا من الدين بات أكثر رقّة من أن يستر ما وراءه، بعد نضج الشعب، ووضوح التناقض الذي لا يحتاج اكتشافه إلى كثير من الذكاء. ولا يعتبر سردنا لهذه المآخذ مجرد جلد للذات وإنما هو نصح واستشعار للمسؤولية، ولأن فشل من يدعي أنه يحمل مشروعا إسلاميا ستكون له آثار سلبية كبيرة على نفسيات الناس وتقبلهم فيما بعد لمشروع آخر يطرح باسم الإسلام، وهذا ليس كفشل مشروع سياسي آخر.

ويؤخذ على الأيديولوجيتين معاً العروبية والإسلامية أنهما لم تستطيعا أن تفرّقا بين مرحلتين: مرحلة تنزيل الإيديولوجيا، ومرحلة السياسة؛ فالأولى تستدعي السرية و التورية في أحيان كثيرة، أما المرحلة السياسية فتتطلب الوضوح وعدم الخلط بين حقّين؛ حق التجمع والتحزب والدعاية لهما، وحق الأفراد في المشاركة الكاملة والحقيقية في إدارة تلك التجمعات من غير احتكار لقناعات مشتركة، أو ممارسة وصاية أو تدجين أتباع أو تفكيرٍ نيابةً عن أحد. فكلا الأيديولوجيتين بعد أن رخص لهما في الممارسة السياسية العلنية وأصبحتا تتمتعان بأحزاب مفتوحة تستقطب الناس من خارج تلك التوجهات ومن انتماءات متنوعة ظلتا تحتفظان بحركتيهما السريتين تسيران عملهما الحزبي المشروع من خلال عمل حركي سري غير مشروع، دون أن يدرك ذلك كثير من المنخرطين في تلك الأحزاب من خارج تلك التوجهات، الذين يُوهَمونَ أنّ بيدهم شيئا وليس بيدهم إلا الموافقة على ما يُبرم بِلَيْلٍ، وهو خطأ تتحمل الدولة جزءً من تبعاته إذْ كان عليها أن تشترط الترخيص بحلّ تلك الحركات السرية، منعا لاستغلال الناس واللعب بإرادة الجماهير من حيث لا تشعر، ومنعا للعمل غير المشروع، الذي يقوّض النظام، ويهيئ للفوضى والخراب، والذي يمكن أن يعصف بالدولة في أيّ لحظة، وإذا كانت الجهات الرسمية قد فات عليها ذلك فإن طبقات المجتمع الواعية لم يفت عليها خطرُه وعواقِبُه.

وخلاصة القول أن الأيديولوجيات التي عرفتها موريتانيا أرهقت كاهلها كثيرا بصراعات متواصلة مزقت جسم الوطن الثقافي والسياسي، فما حققته من نجاحات ألحقت بنا أضعافَه من أضرار وتشتت وفرقة، وليس من المبالغة إذا قلنا: إنها هي التي أجهضت مشروع الدولة الحديث التي تَسلّلت إليه قبل أن يرى النور، فجاءتْ به خَديجاً غَيرَ مُكتمل. ولقد بات وطننا بحاجة إلى صناعة أيديولوجيا غير مستوردة تستلهم التغيير وتنشد البناء، نابعة من ثقافتنا المحلية وواقعنا المتنوع وخصوصياتنا الدينية، دون أن تكون مجرّد ناقلة لتجارب من خارج الحدود، وهو أمر يجب أن تعمل عليه القوى الوطنية قاطبة مُستغِلة ما هو حاصل من تعدد وحرية في واقعنا الراهن بعيدا عن واقع الأيديولوجية المستوردة التي لم يعد في جعبتها إلا الاحتيال للمحافظة على مكاسب نالتها بالخداع، أو بنوع من تملّق العواطف، عن طريق الشعارات أو المنافع المادية التي تستغل حاجةَ الناس.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..

يحيى ولد البيضاوي