معادن إينشيري : الذهب يذهب جزافا وما يضر الناس يمكث في الأرض

تتوالي الإكتشافات المعدنية في الشمال الموريتاني الواعد بالخير الكثير, لكن المشكلة تكمن في ما يكتنف عمليات الإستغلال. فتنمية القطاع تتطلب سلسة من العمليات بدء بكيفية منح الرخص مرورا بشروط الإستغلال و التصريف. إضافة إلي ذلك يشكل الموضوع البيئي تحديا آخر لما يشكله من خطورة و لصعوبة القيام بمسؤوليته علي الوجه المطلوب.


إن حداثة عهد موريتانيا باستغلال مناجم الذهب و الخبرة الطويلة نسبيا للشركات العاملة في المجال, وحاجتنا إلي الموارد المالية وجشعها هي في سعيها لتحقيق الربح السريع, إضافة إلي ضعف وسائل الرقابة الفنية لدينا مقابل طول باع تلك الشركات في مجال “التخفي” البيئي, كل تلك العوامل تجعل من القلق بشأن الموضوع أمرا له ما يبرره.

لقد بدأ نشاط استخراج الذهب في بلادنا في خضم جو من عدم الإستقرار انعكس علي ادارة الملف الذي تم التعامل معه في ظروف غير شفافة. وفي حين إنه من المفترض أن تكون أية اتفاقية استغلال منصفة للبلد المضيف – وهو ما لا يتعارض مع حق المستغل في الربح, كما أنه لا يعني عدم تشجيع للإستثمارات الأجنبية في المستقبل – إلا أن الواقع مخالف لذلك. فمقابل ما تحصل عليه الدولة, تتمتع الشركتان المستغلتان بمزايا كبيرة. فشركة أم. سي. أم علي سبيل المثال تتمتع بامتيازات واسعة كالحق في نقل كل ما تصادف في المنطقة موضع الرخصة, حتي من غير الذهب إضافة إلي العديد من التسهيلات المالية من إعفاءات ضريبية لمداخيلها وكذا رواتب مستخدميها الأجانب، و من فترات سماح … إلخ.

أما في المجال البيئ فإن المشكلة ذات بعدين، أولهما يتعلق بعدم مسؤولية المستغل الحالي في أكجوجت عن أي نفايات كانت موجودة في السابق, وهو أمر, وإن كان منطقيا بالنسبة للشركة الجديدة, إلا أنه يتضمن تحديا خطيرا يتمثل في عدم وجود بيان دقيق للوضعية البيئية الميدانية معد من طرف الأجهزة المعنية في الدولة من قبل. ومن المعروف أن المنطقة قد شهدت نشاطا لشركات أخرى (جماك, موراك و سوميما) وبالتالي فاحتمال استخدام هذا الشرط للتملص من المسؤولية عن نفايات حديثة هو أمر وارد خاصة وأن ميزان الأخلاقيات لدي الشركات الأجنبية ليس “من ذهب”. أما البعد الثاني فيتعلق بخطورة المواد الناجمة عن معالجة الخامات في الوقت الراهن, وهي مواد عالية السمية وقابلة للتسرب إلي المحيط القريب. فمادة اسيانيد المستخدمة في هذا المجال تستلزم مستوى فائقا من الحيطة والحذر خلال مختتلف المراحل من نقل وتخزين وإستخدام.

أما في جانب الأشراف و الرقابة فإن الأجهزة المعنية، في تعاملها مع الموضوع، تبدو كجزر منعزلة. إذ ينصب إهتمام إدارة المعادن علي سير عملية الإستغلال، في حين أن اللجنة الوطنية لمبادرة الشفافية في الصناعات الإستخراجية تركز علي مطابقة مدفوعات المالية للشركات المستغلة لما تحصل عليه الدولة، أما الرقابة البيئية فهي بإجراء. أما جهاز الشرطة المعدنية الحديث النشأة و الذي يشرف علي عدد كبيرمن المواقع علي إمتداد التراب الوطني، فإنه يواجه تحديا في مواكبة نشاط الشركات العاملة في المجال.

والحقيقة أن استحداث أجهزة الرقابة ليس دوما ضامنا لحسن التسيير خاصة في بلادنا التي لديها ترسانة رقابية في المجال المالي، ومع ذلك ظل القطاع فريسة للفساد. كذلك فإن الغياب النسبي للشفافية، خاصة في البعد البيئي، يشكل ملمحا خطيرا للمشهد الرقابي في بلادنا. و لقد رأينا ما كان من أمر الصهريج الأخير الذي تضاربت الأقوال حول طبيعة حمولته. و ما مكب سموم الجراد في إحدي الولايات الداخلية هو الآخر عنا ببعيد. بل إن الأمر وصل أحيانا حد الخداع المباشر للسلطات (يرجى الإطلاع علي مقابلة مديرالرقابة البيئة السابق لوكالة أنباء الأخبار) كما هو الشأن بالنسبة لشحنة السيانيد لشركة تازيازت التي أدخلتها في استهتار واضح بمناديب الرقابة البيئية الذين كلفوا بمهمة الإشراف علي العملية، والذين استقدموا ليلا إلي نقطة الخروج علي طريق انواذيبو, ثم غرر بهم ليناموا ثم ليصبحوا وقد أفرغت الحمولة، في حين أنه كان من المفترض أن لا تخرج الحاويات من الميناء قبل وصولهم، أما الشركة فقد حصلت في الشهر الموالي علي رخصة بأكثر من 200 طن من نفس المادة السامة.

لا يبدو أن ميزان المصالح في مجال استغلال الذهب يميل للدولة بل للشركات, حتى بالمقارنة مع دول إقريقية أخرى تشكل مجالا لعمل ذات الشركات, لكن بشروط أكثر عقلانية بالنسبة للبلد المضيف.

إن استخراج 6 أطنان من الذهب سنويا تسوقها الشركة الكندية- الإماراتية-الأسترالية (لا رنة ولا ناقة ولا حتي كنغرو لموريتانيا فيها)، و تشغيل قرابة 400 عامل ومبالغ مالية تدفع لخزينة الدولة، إضافة إلي بعض “الرتوش” التجميلية في مجال البني التحتية الطرقية والخدمية التي تحتاجها الشركة في الأساس، كل ذلك قد يبدو حسنات ظاهرية لاستغلال الذهب في بلادنا.. لكن تقابلها الشروط المجحفة التي تتضمنها الاتفاقية الأساسية والتي عدلت لتناسب الشركة المستغلة، إضافة إلي عدم التحكم في الأثر البيئي الذي يبقي حتي بعد أن يزول بريق المعدن الأسطوري.

إن تاريخنا بشكل عام مع سياسة الرخص التي تمنح لإستغلال مواردنا الطبيعية ليس بالناصع أبدا. بدءً من قطاع الصيد في أوائل الثمانينات والذي تحول إلي ممون رخيص للأسواق الأوروبية النهمة، في حين عجز القطاع عن إطعام سكان المنطقة نفسها.. و مرورا بالنفط (قبل فضيحة الملاحق وبعدها) ووصولا إلي الذهب الذي يبدوأن يذهب جزافا إلي الخارج و لن يبقي لهذه الأرض ليمكث فيها إلا ما كان من ضرره.

عبد الله ولد محمد

الرأي المستنير