خطاب رئيس الاتحاد من أجل الجمهورية أمام مؤتمر الحزب

بسم الله الرحمن الرحيم

الاتحاد من أجل الجمهورية

المؤتمر الوطني الأول

التقرير المذهبي لرئيس الحزب

نواكشوط، 9- 10 يوليو 2010

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على النبي الكريم

السيد الوزير الأول

السيد رئيس مجلس الشيوخ

السيد النائب الأول لرئيس الجمعية الوطنية

السادة أعضاء الحكومة

أصحاب السعادة أعضاء السلك الدبلوماسي، وممثلي المنظمات الدولية؛
ضيوفنا الكرام، ممثلي الأحزاب السياسية في الدول الشقيقة والصديقة؛

السادة والسيدات قادة وممثلي الأحزاب السياسية الوطنية؛

السادة والسيدات ممثلي النقابات والروابط المهنية ومنظمات المجتمع المدني؛

السادة والسيدات أعضاء المؤتمر؛

أيها الجمع الكريم؛

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

اسمحوا لي بادئ ذي بدء، أن أتوجه بالشكر والترحاب والامتنان، إلى ممثلي الأحزاب السياسية في الدول الشقيقة والصديقة، الذين تجشموا الصعاب وعناء السفر ليشرفونا بحضورهم بيننا اليوم، في المؤتمر الوطني الأول للاتحاد من أجل الجمهورية؛ متمنيا لهم مقاما سعيدا بيننا.

والشكر موصول مني – كذلك- إلى الأحزاب السياسية الوطنية، وإلى النقابات والروابط والاتحادات المهنية، وإلى هيئات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وإلى الصحافة الوطنية والدولية الحاضرة لتغطية هذا الحدث الهام.

أيها السادة والسيدات؛

بفضل الله تعالى وتوفيق منه، يلتئم هذا الجمع المبارك- اليوم- من كل أركان الوطن العزيز، في المؤتمر الوطني الأول لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، ليتوج سلسلة طويلة من النشاطات والفعاليات، أثمرت إنجازاتِ ملموسةً، مكنت- بإسهامكم جميعا- من قيام حزب سياسي جديد، على أسس جديدة، من أجل موريتانيا جديدة، ألا وهو حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي مثل إضافة نوعية للمشهد الحزبي في بلادنا، وملأ فراغا واسعا في الساحة السياسية، وعانق آمال وطموحات جمهور عريض من مختلف أطياف الشعب الموريتاني.

لقد جاء ميلاد الاتحاد من أجل الجمهورية، على موعد مع القدر، بعد قرابة نصف قرن من التيه السياسي، دشنته الأحادية الحزبية وما تعنيه من احتكار مقيت للسلطة، طيلة عقدين من الزمن؛ مرورا بعقد من الدكتاتورية العسكرية الكالحة، ليكرسه عقدان من التعددية الوهمية، حيث الأحزاب قائمة والحريات مخنوقة؛ وحيث تتوالى الانتخابات وتحسم نتائجها سلفا؛ ثم جاء حزبنا، فتفيأت بلادنا ظلال الديمقراطية الحقيقية والتعددية الفعلية، حيث الحريات مكفولة، وحق التنافس مصون، والانتخابات شفافة مشهودة.

جاء ليكون إطارا ناظما لمختلف القوى والاتجاهات السياسية- غير الحزبية- التي التقت على كلمة سواء، ومشروع مجتمعي واحد، وهبت تساند حركة تصحيح انحراف المؤسسات الدستورية في السادس من أغسطس 2008، تلك الحركة الميمونة التي تدخلت- مكرهة لا راغبة- تلبية لصرخة استغاثة وطنية، أطلقها الغيارى من أبناء الوطن، بعد ما بدا واضحا، لكل ذي عينين، أن سفينة المجتمع فقدت بوصلتها، ولم تعد تهتدي سبيلا.

وإذا كانت كلمات السر في الرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي التقت حولها القوى المؤلفة للاتحاد من أجل الجمهورية، هي: التغيير؛ والإصلاح؛ والتنمية؛ فإن سمات الجماهيرية؛ والوسطية؛ والديمقراطية؛ والجمهورية؛ هي الخصائص والمميزات الفارقة التي قام عليها وبها؛ فهو جماهيري، حيث ينحاز في رؤاه وبرامجه، إلى الفئات التي تعاني الفقر والتهميش ورواسبَ الاسترقاق والعجزَ والإعاقة، ويعمل على انتشالها من الضياع، بترسيخ العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروة الوطنية، والتمييز الإيجابي لصالح ذوي الاحتياجات الخاصة.

وهو ديمقراطي، حيث يسعى- بجد وتصميم- إلى ترسيخ الممارسة الديمقراطية نهجا وسلوكا وآلياتٍ، سبيلا وحيدا للوصول إلى السلطة، باعتبارها الخلاصة المثلى للتجربة البشرية في مجال الحكم الرشيد والتناوب السلمي، وباعتبارها صنوَ التنمية، إذ لا تنمية بدون ديمقراطية؛ وتجسيدا لهذه المثل، فإن آلية الاقتراع الديمقراطي الشفاف، هي- وحدها- التي تقلد المناضلين والمناضلات مهام حزبية، وهي- وحدها- طريق اتخاذ القرار، في الاتحاد من أجل الجمهورية.

وهو حزب وسطي في الفكر والممارسة، يجمع بين الثوابت والمتغيرات، وينطلق من الأصالة نحو الحداثة؛ يشجع المبادرات الحرة الخلاقة، ويصون الملكية الخاصة، ويتبنى حرية السوق بصبغة اجتماعية، حيث تضطلع الدولة بمسئوليتها في الرقابة والتوجيه والتحكيم، وتحتفظ بحق التدخل عندما تبرز نذر الانحراف.

وهو حزب جمهوري، حيث يسعى إلى ترسيخ القيم الحقيقية للجمهورية، ومثل المواطنة التي تعطي الولاء لوطن واحد، يسع الجميع، مؤسس على الأخوة والتسامح والتكافل والمساواة في الفرص والحقوق والواجبات، تنمو فيه روح التسامح والتكافل والضمير الجمعي؛ ويضمر الولاء والانتماءات الضيقة للقبيلة والفئة والجهة والعنصر؛ ويعمل على تكريس الوحدة الوطنية بمضامينها الشمولية، وعلى محاربة كل الظواهر والمسلكيات المعيقة للتنمية.

إخواني المؤتمرين؛

أخواتي المؤتمرات؛

ينعقد مؤتمرنا هذا تحت شعار مستقبلي نهضوي واعد، هو “التغيير البناء” وهو شعار لا ندعي احتكاره، إذ طالما رفعه الشركاء السياسيون من الأحزاب الوطنية الساعية إلى توفير غذ أفضل للجماهير، وهذا حقها الذي تحمد عليه، لكن ما يميز حزبنا أنه يرفع هذا الشعار من موقف مبدئي، ومن موقع متميز؛ موقفٍ مبدئيٍ يرفض الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية البائسة لغالبية المواطنين، وموقع تميزه الإرادة والقدرة على تغيير هذا الواقع المريض، ولكن بطريقة بناءة تقوم على استلهام الإيجابي النافع من تجارب الماضي- مهما قل- وتجاوز السلبي الضار- مهما كثر- واستشراف الغد الواعد المعطاء في آفاق المستقبل.

هو إذن تغيير يعترف بإيجابيات الماضي ويثمنها ويبني عليها، ويجرف بجرأة واقتدار، ركام السلبيات ليبدأ البناء على أسس راسخة؛ إذ ليس لدى شعبنا مزيدٌ من الوقت ليضيعَه، فكفاه وقتا ضائعا، ومالا مُهدَرا، وطاقة معطلة؛ ومن ثم فإن السير إلى هذا الهدف السامي لن يتوقف، مهما كانت التحديات، والهدف هو تغيير الواقع، اليوم، وغدا، وبعد غد، إلى أفضل منه في كل مرة؛ فلا غرو أن كان التغيير البناء- منطوقا ومفهوما- قاسما مشتركا لا يكاد يغيب عن مجمل الوثائق والأوراق المقدمة إلى مؤتمركم.

أيها الحضور الكرام؛
عندما قامت حركة التصحيح في السادس من أغسطس 2008، بادرت إلى مساندتها فئات عريضة من البرلمانيين والمنتخبين المحليين والشخصيات المرجعية وصناع الرأي العام؛ فظهرت الحاجة الماسة إلى وعاء سياسي ينتظم جهود هذا العدد الهائل من القوى الشعبية والتيارات والاتجاهات، وهكذا تقرر- بإرادة الجميع- إنشاء حزب سياسي، سمي اتحادا لأنه يوحد بين مساندي ومؤازري حركة التصحيح من مختلف المشارب، وجمهوريا لأن قيم الجمهورية بما تعنيه من مضامين الحرية والعدالة والمساواة وروح المواطنة، هي ما يجمع بين مكوناته، فكان “الاتحاد من أجل الجمهورية”.

وقد التأمت الجمعية التأسيسة للاتحاد من أجل الجمهورية في05/05/2009، وفيها انتخب الأخ محمد ولد عبد العزيز بالإجماع رئيسا للحزب، وكان ذلك بعد استقالته من رئاسة المجلس الأعلى للدولة، ومن السلك العسكري؛ ولقد خاض الحزب كفاعل رئيسي حملة الانتخابات الرئاسية، لصالح مرشح التغيير البناء، الأخ محمد ولد عبد العزيز، الذي حسم المنافسة في الشوط الأول، في اقتراع 18 يوليو 2009، حيث شهد المراقبون من الداخل والخارج بشفافية ونزاهة الانتخابات، وزكى نتائجها المجتمع الدولي بأسره.

ولأن مقتضيات الدستور الموريتاني لا تجيز الجمع بين المنصب الأعلى في الدولة، وبين رئاسة حزب سياسي، فقد تداعى الحزب بعد الفوز المدوي لرئيسه في الانتخابات، إلى مؤتمر طارئ يوم 02/08/2009 أعلنت فيه استقالة الأخ محمد ولد عبد العزيز من رئاسة الحزب، وتم انتخاب قيادة مؤقتة، كان لي شرف رئاستها، وقد عُهد إليها بتسيير الحزب والتحضير للمؤتمر الوطني الأول، الذي تجتمعون فيه اليوم.

واسمحوا لي، أيها السادة والسيدات، أن استعرض أمامكم حصيلة موجزة عن عمل هذه القيادة المؤقتة، وما حققه الحزب من نتائج خلال هذه الفترة الوجيزة:

لقد حصد الاتحاد من أجل الجمهورية نتائج غير مسبوقة في حملة تجديد ثلث مجلس الشيوخ، حيث فازت اللائحة المرشحة باسمه بكامل المقاعد المخصصة لمدينة نواكشوط، كما فازت لوائحه في أغلب مقاطعات الداخل المعنية بالتجديد الجزئي، والتي شهدت تنافسا ديمقراطيا شفافا.

وبالتنسيق مع أحزاب الأغلبية الداعمة لرئيس الجمهورية، وبمشاركة بعض أحزاب المعارضة، تم تنظيم أيام تفكيرية كان موضوعها” أية حكامة لموريتانيا بعد خمسين عاما من الاستقلال” وقد انبثق عنها تقرير تفصيلي عام، تضمن العديد من التوصيات الهامة، طالت مختلف جوانب الحكامة: السياسية، والاقتصادية، والمحلية، والقضائية.

ولقد كان من نتائج تلك الأيام التفكيرية، تأسيس قطب سياسي هو الأضخم في البلاد، يضم أكثر من ثلاثين حزبا سياسيا، تحت اسم: “ائتلاف أحزاب الأغلبية” وكان لهذا الائتلاف دور رائد في تحريك المشهد السياسي، مبادرة، وريادة، ودفعا نحو الحوار الهادف إلى صهر جهود كافة أبناء الوطن، سبيلا إلى تحقيق تنمية عادلة وشاملة وعاجلة، لهذا البلد المعطاء.

من جهة أخرى، أنجزت الأمانة المكلفة بالشئون السياسية في الحزب، وثيقة هامة حول محاربة الفساد؛ كما تمت مواكبة المشهد السياسي الوطني والإقليمي والدولي، بمواقف سريعة- واستشرافية أحيانا- اتخذت أشكالا متعددة، من المسيرات إلى المهرجانات فالوقفات والبيانات، فضلا عن المشاركة في الكثير من الندوات واللقاءات والحوارات عبر الإعلام العمومي والخاص والدولي.

فخلال هذه الفترة الوجيزة، تم تنظيم عشرة مهرجانات حاشدة، حضرها عشرات الآلاف من مناضلي ومناصري الاتحاد من أجل الجمهورية، وذلك في نواكشوط ومعظم عواصم الولايات، وفي عواصم بعض المقاطعات، وتم تنظيم ما يزيد عن عشرين مؤتمرا صحفيا، ونشر ما ينيف على ثلاثين بيانا سياسيا، مواكبا لحركة الحياة السياسية في البلاد، ومعبرا عن رؤية الأغلبية ومواقفها من التجاذبات حول القضايا الوطنية الجارية.

وعلى الصعيد الثقافي، كان الحزب سباقا إلى كسر ركود الساحة الثقافية والعلمية، عبر تنظيم سلسلة من الندوات والمحاضرات ذات المستوى الرفيع، تناولت بالبحث والتحليل والاستنتاج، أهم انشغالات الساحة ومواضيع الساعة، وفي مقدمتها الوسطية وظاهرة الغلو والتطرف، و التنوع الثقافي وتحديات العولمة، والمال العام مصادره ومصارفه.

وفي الميدان الاقتصادي، أعد خبراء الحزب عددا من الدراسات القطاعية الهامة، وتم جمعها وتعميمها، لتنير الباحثين، وتقدم المشورة والمرجعية للفاعلين الحكوميين والشركاء الاقتصاديين.

وعلى صعيد العمل التطوعي، أعطى حزبنا الدليل، لمن هو بحاجة إليه، على انحيازه للفئات الضعيفة والمهمشة، ووقوفه مع المواطنين المنكوبين ساعة المحنة، فكان إلى جانب سكان روصو وأحياء لغريكه في دار النعيم، عندما تضرروا من فيضانات الموسم الماضي، كما نظم الحزب أياما صحية لفائدة العديد من المواطنين في المناطق الأكثرِ فقرا في نواكشوط.

وفيما يخص العمل النقابي والدفاع عن حقوق المهنيين، قام الحزب بفتح وإدارة حوار مع التنظيمات النقابية والاتحادات المهنية، وكان مؤازرا قويا لهذه الفئات من المجتمع في كل مناسة، ونصيرا لها في سعيها المشروع إلى نيل حقوقها، منبها الحكومة عند الاقتضاء، ومتضامنا مع الشغيلة ضد أي محاولة للانحراف بالعمل النقابي عن مقصده النبيل.

وفيما يعني الهيئات الحزبية الموازية، فقد تمكنت أمانتا النساء والشباب من إنجاز قاعدة معلومات ثرية، حول القدرات النسائية والشبابية، وقامتا- معا- بتنظيم مهرجانات وتظاهرات حاشدة، لهذه القوى الطلائعية الديناميكية الحية.

ولقد أكد الحزب حضوره المتميز بحيوية وفعالية، في مختلف المهرجانات والتظاهرات والمناسبات السياسية الوطنية، وشارك في إعداد وعرض ونقاش وإقرار وثائق هامة، منها إستراتيجية مقاربة النوع”؛ كما انتظم صدور صحيفة نصف شهرية بعنوان”رأي المرأة”.

وفي إطار توطيد العلاقات مع الأحزاب السياسية في الدول الشقيقة والصديقة، استطاع حزبنا خلال هذه الفترة الوجيزة إقامة جسور عديدة للتواصل والتعاون البناء، واستقبل بعض الوفود الحزبية الزائرة.

وقد قامت بعثات من قيادات الحزب بزيارات عمل وصداقة وأخوة، تلبية لدعوات كريمة من حزب المؤتمر الوطني الحاكم بجمهورية السودان، وحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، وحزب الاستقلال بالمملكة المغربية، وجبهة التحرير الوطني بالجزائر. كما مُثل الحزب في العديد من التظاهرات الحزبية ببعض الدول الشقيقة والصديقة، من طرف بعض الأمناء الدائمين وأعضاءٍ من المكتب التنفيذي وبرلمانيين وأطرٍ من الحزب، وتم إبرام العديد من اتفاقيات التعاون مع تلك الأحزاب.

ويتطلع الاتحاد من أجل الجمهورية إلى توحيد الجهود إقليميا وعربيا ودوليا، بين الأحزاب السياسية الوسطية، اعترافا بحقيقة القرية الكونية التي يمثلها عالم اليوم، وسعيا إلى إقامة حكامة دولية أكثر عدالة وإنصافا، وتمثيلا للإنسانية المكرمة.

وفيما يخص الإعلام والاتصال، فقد اعتمد الحزب خُطة عمل واكبت النشاط الحزبي من خلال طبعتين عربية وفرنسية لجريدة أسبوعية باسم الاتحاد، وموقع الكتروني شكل منذ انطلاقه فضاء للتواصل بين الحزب ومناضليه ومناصريه، بالإضافة إلى العديد من وسائط الإعلام والاتصال، من بينها المطويات واللافتات والملصقات.

وفي مجال العمل البرلماني، يجدر التنويه بالعمل الدءوب لفريقي الحزب في غرفتي الشيوخ والنواب، وبأدائهم المميز في اقتراح القوانين ونقاشها وإثرائها، دفاعا عن مصالح الأمة، وإسنادا للحكومة العاملة على تنفيذ البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية، الذي يمثل عقدا بين الحزب وكافة المواطنين، عقدا يجب علينا الوفاء به للمواطن، من حيث هو مواطن، وبغض النظر عن ولائه الحزبي وميوله السياسية، ونحن بعون الله عند عهدنا.

السادة السيدات أعضاء المؤتمر؛

خلال الفترة الوجيزة الماضية، عمل حزبنا، انطلاقا من إعلانه السياسي، على إبراز مواقف واضحة وقوية من مستجدات المشهد الدولي، ولقد أكدنا وأعدنا التأكيد على وقوفنا بحزم مع الشعب الفلسطيني في نضاله لاسترجاع حقوقه المسلوبة وإقامة دولته المستقلة وكاملة السيادة على أرضه، وعاصمتها القدس الشريف؛ وإننا لنَحسِر- هنا- عن رؤوسنا، ونَحني هاماتنا، تحية إكبار وتقدير لرئيس الجمهورية الأخ محمد ولد عبد العزيز، على القرار التاريخي الشجاع والحكيم والمتصالح مع الذات، بقطع العلاقات مع الصهاينة المحتلين.

وإننا من هذا المنبر، لنطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته في إنهاء مأساة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وفي مخيمات اللجوء، وفي رفع الحصار الظالم عن قطاع غزة الصامد، ونشد على أيدي أحرار العالم الذين تداعوا من كل لون ودين وثقافة، ومن كل قارات العالم، وسيروا القوافل والأساطيل، وتعرضوا لمختلف أنواع المخاطر، من أجل وضع نهاية لمأساة الحصار، ونحن نجدد الدعوة التي أطلقناها في مهرجان التضامن مع أسطول الحرية المنظم في نواكشوط، منذ أسابيع، إلى كافة القوى الوطنية الحية في بلادنا للتعبئة الدائمة حتى يتحقق كسر هذا الحصار.

إن هناك أزمات أخرى، تفرض تحديات جساما على أمتنا العربية والإسلامية، ويأتي في مقدمتها الوضع في العراق الشقيق، وما يستوجبه من تضافر جهود أبناء الرافدين بمختلف مكوناتهم، ومن إسنادِ الأشقاء والأصدقاء، لإنقاذ هذا البلد العزيز من المخاطر التي ما فتئت تتهدده.

وانطلاقا من انتمائنا الإفريقي الضارب في عمق التاريخ، فإننا في الاتحاد من أجل الجمهورية، ندعوا أشقاءنا إلى هبة إفريقية لإخراج القارة من عنق زجاجة التخلف وتوابعه، مستنهضين همم القادة الأفارقة إلى حل مشاكل القارة بسواعد إفريقية، وداعين المجتمع الدولي إلى تحمل مسئولياته في إرساء نظام عالمي أكثر إنصافا، وفي إعادة توزيع الثروة بين الشمال والجنوب بشكل أكثر عدالة.

وفيما يتعلق بظاهرة الغلو والتطرف والجريمة المنظمة، فإن حزبنا دعا ويدعو إلى اعتماد خُطة دولية منسقة لمحاربة كل أنواع الإرهاب والتطرف، مهما كان مصدره أو مسوغه، باعتباره خطرا داهما، لا جنسية له ولا دين، يهدد المنظومة البشرية جمعاء.

وفي هذا السياق، فإن حزبنا يعمل على تصحيح الصورة النمطية السائدة عن الإسلام لدى الآخر، ويدعوا العلماء والمفكرين المسلمين إلى الاضطلاع بمسئولياتهم تجاه رسالة الإسلام، وتقديمها في ربانيتها وإنسانيتها وسماحتها إلى العالم، بعد تحريرها من زيف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ مع التأكيد على استبعاد فكرة الصراع الحضاري، واعتماد حوار بناءٍ بين أتباع الديانات السماوية، واستثمار القواسم المشتركة بينها في تعزيز التفاهم والتعايش بين الثقافات والشعوب.

أيها الإخوة والأخوات؛

لا يسعني أن أنهي هذا الحصاد الحزبي، دون أن أتوقف عند المحطة التي تمثل المهمة الأساسية التي أسندت إلينا كقيادة مؤقتة لهذه المرحلة، ألا وهي الإعداد لهذا المؤتمر، حيث تمكنا- بعون الله- من تحقيق أضخم عملية تحسيس وانتساب وتنصيب للهيئات القاعدية لحزب سياسي، في تاريخ البلد كله، خلال شهر واحد، مع ما طبع العملية برمتها من شفافية وديمقراطية.

ولقد شهدت بعثات وفرق الحزب المكلفة بالعملية، وعلى عموم التراب الوطني، إقبالا منقطع النظير من المواطنين، على اختلاف العمر والجنس واللون، وقد وجدوا في الاتحاد من أجل الجمهورية، وفي نهجه وبرنامجه الذي يقرن الأقوال بالأفعال، ضالتهم المفقودة.

وعندما أقلب النظر- اليوم- في جنبات هذه القاعة، فإنني أشعر بالفخر والاعتزاز، لكوني واحدا من هذه التوليفة النوعية من مختلف الأعمار والأعراق والأجناس والفئات والجهات، وهو اعتزاز يزيدني ثقة بأن التغيير البناء قادم، حيث أنتم وسيلته وغايته.

ولعل هذه هي الفرصة المناسبة لأخص كل واحد منكم- وكل واحدة- بالتهنئة الصادقة على الثقة الغالية التي قلدكم إياها المناضلون والمناضلات، في هذه المحطة التاريخية من حياة حزبنا وبلدنا.

كما أهنئ كافة أفراد القيادة المؤقتة للحزب وكافة الأطر وأفرادَ الفرق الحزبية، الذين أدوا بشكل رائع المهام المسندة إليهم في عملية الانتساب والتنصيب، وفي ظرف زمني قياسي، وبطريقة شفافة وفعالة.

وهناك جنود مجهولون، كانوا- طيلة الوقت- يؤدون أدوارا بالغة الأهمية، في صمت ونبل وشرف، فلهم مني الشكر والتقدير، وأؤكد للجميع أن صورة أدائهم المتميز، ستبقى محفورة في ذاكرة الاتحاد من أجل الجمهورية.

ولا يفوتني أن أنوه- باسمكم- بالجهود الجبارة التي بذلتها وتبذلها الحكومة المنبثقة عن الاتحاد من أجل الجمهورية وحلفائه في ائتلاف أحزاب الأغلبية، والتي تتولى تنفيذ البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية، وقد قطعت أشواطا ملموسة تستحق الإشادة والتقدير، على طريق توفير وتعزيز البنية التحتية والخدمات القاعدية الضرورية لأية تنمية مستدامة، ولقد نجحت الحكومة مؤخرا في اختبار شركاء التنمية على طاولة بروكسل، حيث تجاوزت عروض التمويلات الدولية كل التوقعات، وعادت الحكومة بمحفظة مالية أكثر من كافية لتمويل برامج الاستثمار العمومي المقدمة.

وهذه مناسبة أخرى، نجدد فيها تهنئتنا ومساندتنا للحكومة، ونؤكد مطلبنا بالإسراع في تنفيذ الاتفاقيات المبرمة والبرامج التي حصلت على التمويل، بما يعود بالنفع على كافة المواطنين، صحة وشغلا وتعليما وماء صالحا للشرب وصرفا صحيا.

ونحن كحزب حاكم، نؤكد على موقفنا وموقعنا كنصير وظهير للحكومة، دون أن يعني ذلك مساسا بدورنا كحزب سياسي جماهيري، في تنبيه الحكومة وتسديدها وتقويم عملها، وانتقادها عند الاقتضاء.

وفي الختام، فإننا نضع المؤتمرين والمؤتمرات، أمام مسئولياتهم في هذه المحطة التاريخية من مسيرة حزبنا المظفرة، ونحثهم على اغتنام الفرصة التي تتيحها، في دراسة وتمحيص الوثائق المعروضة على المؤتمر،في هيئته العامة أو أمام اللجان الفنية، حتى نخرج بوثائقِ ونظم حزب، لا يكون رقما إضافيا على قائمة الأحزاب المتخمة بالأسماء والأرقام، بل حزبا جديدا، رائدا بنصوصه ونظمه وأساليبه وطرق تعاطيه مع المناضلين، ومع الشأن الوطني العام؛ حزبا يحقق طموح المواطنين ويطاول آمالهم في قيام وعاء سياسي ديمقراطي، جماهيري، يتحلى بالإرادة، ويملك القدرة على تحقيق تنمية عادلة شاملة عاجلة، يستحقها هذا الشعب الطموح، وهذه الأرض المعطاء.

مرة أخرى، أجدد الشكر والتقدير لكل من حضر، وأخص ضيوفنا الأعزاء من الأحزاب الشقيقة والصديقة، وأقول لهم أنتم: أهل هذه الدار، ونحن الضيوف فيها؛ أو كما قال الشاعر:

منـزلنا رحبٌ لمن زارَه == نحن سواءٌ فيه والطارقُ

وكل ما فيه حـــــلالٌ له == إلا الذي حرّمه الخــــالق

وأتمنى لمؤتمرنا النجاح والتوفيق؛ وأنا واثق من نجاحه، بإذن الله.

أشكركم على صبركم وتحملكم؛ والسلام عليكم ورحمة الله.