موريتانيا : انتخابات تموز… ولعبة الخروج من الأزمة

بقيام حكومة الوحدة الوطنية وبإصدار المجلس الدستوري لمرسوم يستدعي هيئة الناخبين يوم الثامن عشر من تموز (يوليو) وانطلاق الحملة، يكون اتفاق دكار قد دخل حيز التنفيذ، فاتحا المجال أمام تنظيم انتخابات رئاسية، تشارك فيها أهم رموز أطراف الأزمة السياسية التي عرفتها موريتانيا طيلة أكثر من عشرة أشهر مضت.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح: هل ستشكل انتخابات تموز (يوليو) مخرجا نهائيا من الأزمة السياسية التي كادت تضع مصير البلد في مهب الرياح ؟.

إن المتتبع لاتفاق دكار والظروف التي اكتنفت المحادثات، وما اتسمت به تلك الاتفاقية من الغموض وغياب آليات التطبيق والصعوبات التي أخرت في وضعها موضع التنفيذ والمشاكل التي اعترضت سبيل أول اجتماع لحكومة الوحدة الوطنية، ليدرك بسهولة أن الاتفاق لا يملك ضمانات للصمود أو العبور على الأقل إلى انتخابات شفافة، تمكن من إعطاء كل ذي حق حقه.

يبدو أن مشاركة الأطراف المناوئة لانقلاب السادس من آب (أغسطس) في حكومة ائتلاف هي أقرب للرمزية منها إلى الحضور الفعلي، فهي لا تملك نسبة معطلة لقراراتها، التي تدار من خارجها، بل من طرف خصومها الذين مازالوا يمسكون بخيوط اللعبة ومفاصل الحكم وأدوات إصدار القرارات وتنفيذها، رغم ما يشاع عن توازن اتفاق دكار وحيازة المعارضة لوزارات الدفاع والداخلية، لكنها حيازة لمقاعد شاغرة وليست إدارة فعلية لقطاعات وزارية، فوزراء المعارضة يفتقدون لصلاحيات التسيير وإصدار القرارات وتنفيذ الأوامر، فقد برهن أول اجتماع للحكومة على الفخ الكبير الذي سقط فيه المناوئون لانقلاب السادس من آب (أغسطس) وعلى ما ينتظرهم في الأيام المقبلة، التي ستكون حبلى بالمستجدات، مما سيجعل من وجودهم داخل الحكومة مجرد ديكور تجميلي لتحقيق ما عجز عنه العسكر في المرحلة السابقة من عمر الانقلاب.

إن رفض تمديد آجال الإقتراع،بما يتناسب والتأجيل الذي طال تاريخ تنفيذ اتفاق دكار ودفع المجلس الدستوري إلى التراجع عن القرار الذي أصدره بخصوص عدم إمكانية إجراء الانتخابات في الثامن عشر من تموز (يوليو)، ليؤكد مرة أخرى عزم أصحاب السادس من اب (اغسطس) على الالتفاف على روح ومضمون الاتفاق، رغم تمسكهم الشكلي وغير المبرر بتاريخ لم يعد في الإمكان تطبيقه قانونيا وواقعيا .

إن تشكيل الحكومة من طرف الرئيس الشرعي،قبل أن يقدم استقالته، ودخول وزراء مناوئين إلى حكومة انقلاب السادس من آب (أغسطس)، قد لا يكن بالضرورة إفشالا للانقلاب بقدرما هو تبرير للأمر للواقع بكل تجلياته من رئيس بالنيابة ووزير أول ونصف حكومة ومجلس دفاع، ستكون له الكلمة الفصل في كل شؤون البلاد، فهو ما يزال، رغم تسوية وضعيته القانونية، يتمسك باستقلاليته ودوره في الحياة العامة للبلاد بوصفه الضمانة الوحيدة للأمن والاستقرار، على غرار نظرائه في بعض دول العالم،الثالث، الذين يتدخلون في كل شاردة وواردة، ويحولون دون قيام ديمقراطية حقيقية.

فلن يكون بإمكان حكومة الوقت الضائع أن تصلح، خلال شهر، ما أفسده العسكر خلال سنة، فوزراؤها لا يملكون حق اختيار معاونين وهم مرغمون على التعاطي مع تركة حكومة الانقلاب السابقة، مما يزيد من استحالة تحقيق المهمة الموكلة إليهم والمتمثلة في تسيير انتخابات شفافة في ظل إدارة متوازنة بين المناوئين للانقلاب والمؤيدين له.

إن دخول مرشحين أقوياء وبارزين من المعارضة، يمتازون بالعمق الشعبي والخطاب السياسي الرصين، واستحالة حسم الانتخابات في الشوط الأول، سيغير من المعادلة التي كانت قائمة وسيضعف، لا محالة، من حظوظ نجاح مرشح العسكر، فهل سيتقبل هذا الأخير وبصدر رحب نتائج الانتخابات مهما كانت؟، ذلك ما يبدو حتى الآن بعيدا رغم تصريحه بقبول نتائج الإنتخابات مهما كانت، فالذي رفض مجرد الرجوع الشكلي للرئيس الشرعي، لتأدية مراسيم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لا يمكن أن يقبل الهزيمة في انتخابات هو من سعى إلى فرض تاريخها وكرس، طيلة الأشهر الماضية، كل الوسائل العامة والخاصة للنجاح فيها، أم أن انقلابا انتخابيا بات وشيكا، في ظل انتظار العسكر، هذه المرة، للعودة للقصر عبر صناديق الاقتراع، تفاديا للعقوبات وسعيا لإرضاء المجموعة الدولية التي رفضت التعامل مع نظام استولى على الحكم بالقوة.

إن الخطاب الإقصائي السائد لدى مرشح العسكر والقائم على مبدأ ‘إما أن تكون معي أو أن تكون مع الفساد’، يفرغ برنامج هذا الأخير من كل جدية ورؤية حقيقية لحكم البلاد مستقبلا على قواعد رصينة تضمن العدالة والمساواة وتشيع قيم الحرية والإنعتاق، ويجعل منه أداة لتكريس الأحادية السياسية وإقامة نظام شمولي على أساس إيديولوجية خاطئة.

وعموما فإن الخطاب الانتخابي لم يرتق إلى مستوى طموح وتطلعات الشعب الموريتاني في تجاوز آلام الماضي والعمل بروح اتفاق دكار على تحقيق مصالحة وطنية، تمنح الأمن والاستقرار لهذه البلاد من خلال تنظيم انتخابات شفافة والقبول بنتائجها، فقد ارتكز أساسا على اظهار عيوب الخصم دون أن يقدم برامج متكاملة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع تحديد الآليات والأجندة الزمنية الكفيلة بتطبيقها، مما سيحرم الناخب من الإختيار على أساس البرنامج ومن تغليب الخيارات الوطنية لانتخاب الأصلح على أساس معايير والتزامات وطنية.

لقد تحول الصراع من مجرد صراع سياسي على الحكم إلى صراع مالي تغذيه ديناصورات رأس المال، ويبدو فيه المرشحون مجرد أدوات في معركة كبيرة عنوانها الرئيسي ‘تحكم رأس المال في السلطة’، وربما يكون دعاة محاربة الفساد هم من دشنوا هذه المعركة بفعل تحالفهم المبكر مع رجال أعمال وارتمائهم في أحضانهم مما أعطى انطباعا أن شعار محاربة الفساد ليس إلا وسيلة لإقصاء الآخرين وحرمانهم من كعكة الدولة ومنافعها وأن لافتات خاصة ستكون عنوانا للمرحلة القادمة، لمن أراد أن يستفيد من الخدمة العامة.

لقد اصطدم شعار محاربة الفساد، الذي رفعه أصحاب انقلاب السادس من آب (اغسطس)، بحقائق الحكم الديمقراطي ومتطلباته وباتوا يراوحون بين استخدام المال العام والخاص للحفاظ على سلطتهم، التي اصبحت مهددة بفعل صناديق الإقتراع وارتكاز العملية الانتخابية برمتها على المال وإنفاقه بدون حساب لكسب أصوات الناخبين قبل كسب عقولهم، فقد ضيع هؤلاء فرصا اتيحت لهم، لم يحسنوا استغلالها ولم يقدروا أصحابها، نتيجة لتبنيهم لخطاب بات جزءا من الماضي ولم يعد قابلا للتطبيق على شعب تعود التعامل بحذر مع الوعود الانتخابية، التي غالبا ما تتبخر بعد إعلان النتائج ومعرفة الفائزين.

وعلى ضوء هذه المعطيات تبدو نتائج الإنتخابات مفتوحة على جميع الإحتمالات وعلى الذين قبلوا باتفاق دكار أن يجعلوا من تطبيقه مخرجا حقيقيا من الأزمة السياسية، التي عرفتها البلاد، وليس مجرد محطة لتحقيق مآرب لهم في الحكم عجزوا عن تحقيقها خلال الفترة التي انقضت من عمر الأزمة.
كاتب من موريتانيا.

عن القدس العربي

sidi_sidahmed@yahoo.com