ذكرى الاستقلال كيف تكون!؟!

جميل أن يحب الشخص وطنه فيخلد مناسباته السعيدة ويحتفل بها, وجميل أن يحس بوطنه فيدافع عنه بذراعه وماله وعقله, كما أنه من الجميل أن يشعر بروح الوطن تجري في عروقه وشرايينه, وأجمل من ذلك أن تكون هذه الروح موجها ومرشدا, فتأمره بخدمة الوطن وتشجعه على ذلك وترده وتلومه إذا ما تقاعس عن أداء واجبه في كل وقت وحين.

إن الوطنية كحقيقة وكإيمان ربما تكون مفقودة عند الكثير منا, فالإنتماء للوطن والتضحية في سبيله ربما يكون أقرب إلى الفلسفة منه إلى عقيدة راسخة وفكر متجدد. في مجتمع كمجتمعنا ينبغي إعادة تصحيح لمفاهيم عديدة, فالوطنية عند الكثير منا تعني الولاء للسلطان والسير وراء رغباته ونزواته, فالمعارضة لا تحب الوطن ولا تسعي إلى ما فيه المصلحة وإنما هدفها إثارة البلابل والقلاقل. وكأن من يقول هذا ينكر علي المعارض أن يكون مواطنا صالحا, فكما قد يكون الموالي وطنيا فكذلك المعارض وإنما وجد هذا ليصحح إعوجاج ذلك ويقومه والعكس صحيح.

إن الخلاف ظاهرة صحية, وسنة كونية, لذلك ينبغي ألا يكون التعارض في وجهات النظر سبيلا إلى التباعد والتنافر, والهجر والقطعان, والإقصاء والتهميش, بل على العكس من ذلك ينبغي أن يكون مجالا لتعدد الأرآء وتلاقحها ومعرفة الصالح منها وتبنيه والدفاع عنه, والفاسد منها واقصائه ونبذه.
كما أنه من الواجب أيضا على المواطن الصالح تخليد كل ذكرى جميلة عاشها أو عرفها وطنه ولاسيما ذكرى الاستقلال. ففي سبيل الحرية راحت فدى الوطن دماء زكية وأرواح أبية أبت الخنوع والاستكان للمستعمر وعنجهيته وجبروته وطمعه وتكبره وبطشه. لكن الإحتفال بهذه المناسبة ينبغي أن يكون المحرك الأساسي له هو الحدث نفسه. وألا نترك الشعور بهذا الحدث وأهميته تتراجع في نفوسنا وإن طال الزمن ومرت الأيام والليالي, فالتعبير عن الفرح بهذه الذكرى فيه تقدير لدماء الشهداء الزكية, وأرواحهم الطاهرة, و ينبع منه عبق الحرية, وتتجلى فية معاني الوطنية السامية. لذلك ينبغي ألا يدنس بحذلقات المهرجيين, وأفعال المطبلين, ومكر الماكرين. فالمناسبة تكررت سنيين عديدة وعظمتها وقدرها هي نفسها في نفوس المواطنين الصالحين الغيورين على وطنهم الساعين إلي مصلحته في كل زمان ومكان.

إن من يدعو إلى تخليد هذه الذكرى وتمجيدها لايمكن إلا نشكره على ذلك ونثمن ما يقوم به, فنحن لانشك في نيته وولائه وإنما نريد أن نلفت انتباهه إلى أن الوطن كما هو بحاجة إلى تمجيد تاريخه وتخليده فهو بحاجة في نفس الوقت إلى ترسيخ قيم الوطنية والديمقراطية في نفوس أبنائه ومحاربة التطبيل والنفاق, والرشوة والفساد, وغيرها من الأمراض التي يعاني منها المجتمع.

إن ما نشاهده اليوم من استعدادات وتجهيزات لتخليد الذكرى الخمسين للاستقلال تفرح القلب وتدخل عليه السور من جانب, حيث تمثل فضاء رحبا يلتقي فيه الجميع وينسى فيه الجميع خلافاته ويتوحد تحت راية الوطن فرحين بأمجاد السلف ومقاومتهم وتضحياتهم النبيلة,مستشعرين قيمة الوطن وضرورة المحافظة عليه من بطش البطاشين, وجور المعتدين, وفساد المفسدين, وعبث العابثين.
ومن جانب آخر فإن القلاقل تتسرب إلى النفس من أن تتخذ هذه المناسبة العظيمة كمطية لترويج وإظهار انجازات ما وتهميش انجازات أخرى قد تكون أكبر وأكثر فائدة بحسب الزمان والمكان, فتاريخ أمة وانجازتها لايمكن اختزاله وحصره في سنتين ونيف أو حتى أكثر من ذلك. فالنتصور حجم وقدر انجاز تأسيس دولة من عدم ونقلها من مجموعات بدوية إلى مجتمع متحضر ساهم في إرساء الحضارة البشرية وتعزيزها في نفوس الانسانية. كما أن ربط أطراف الوطن المترامية بطرق معبدة تزيد على الألف كلم هو الآخر انجاز يجب أن يقدر بقدره, خصوصا إذاما علمنا أن هذا الانجاز لم يجد الصيانة اللازمة للمحافظة على رونقه وعطائه. فالمسافر في هذه الفترة على طريق الأمل يرى الحالة المزرية التي اصبحت تعاني منها هذه الطريق, فهذه الطريق تحولت من أمل إلى ملل, من أمل في لقاء الأهل والأصحاب إلى قلق وتخوف من الفراق واللاعودة.

كما أن هذه المناسبة ينبغي ألا تكون طريقا لتبديد المال العام والإسراف في صرفه, فهناك أشخاص همهم الوحيد هو التهام أكبر قدر من مال الدولة, فهذا المال في نظرهم مال سائب, ونهب أكبر قدر منه شغلهم الشاغل, فتراهم يتحيننون الفرصة ليهتبلوها خصوصا في هذه الآونة التي لا يجدون فيها سبيلا لنهب المال العام. فهذا النوع من الناس لو وجد مجس لقياس الوطنية لدى الأفراد لأظهر كذبهم وخداعهم, فلو نطرنا إلى تخليد هؤلاء القوم لهذه الذكرى فيما مضى لظهر لنا زيفهم وخداعهم وأن تلبيتهم هذه المرة لم تكن تلبية لنداء الوطن واحساسا بالإنتماء إليه وإنما جاءت لأنك من أمرت بتخليد هذه الذكرى فلبوا لكي لا يظهر الوجه الآخر لهم.

إن الاحتفال بذكرى الاستقلال وتخليدها أمر يستدعيه الإنتماء للوطن والإحساس بروح الوطنية لذلك ينبغي أن يكون هذا الشعور هو الداعي إلى الاحتفال قبل غيره, كما ألا ندع هذا الشعور يتراخى أو يصيبه الفتور أو التلاشي, فبقاؤه يمثل بقاء الوطن قويا وضعفه يظهر فيه العكس.

Jerefine@gmail.com