أفيقي يا معارضة

كان لأحد التجار في الجاهلية صديق مخلص , وأراد مكافأته فسأله ما هي أمنيتك لأحققها لك أجاب : السفر إلي الهند رد عليه : لك علي أن أذهب بك في رحلتي القادمة , عندما حانت الرحلة اعتذر الصديق فتفاجئ التاجر وسأله لماذا ؟ أجاب لأنني إذا حققت أمنيتي لن تبقي لدي أمنية وستبقي حياتي بلا معني ولا هدف .

عندما يحقق نظام في بلد ما رهانات التقدم والتنمية تصبح المعارضة الفطرية خيطا في الهواء , تحاكي تحفة تمثالية من الثلج وضعت في صحراء ازويرات .

ستتلاشي وتضمحل وتفقد معناها وتنتهي صلاحيتها وهذا حجر الزاوية ومربط الفرس .

الأزمة ببساطة هي أن المعارضة ضعفت عللها وتضاعفت علاتها في مواجهة نظام قدر علي تحقيق ما عجزت عن الحلم به ( مثلا لا حصرا التصوير الطبقي العلاجي , كلب الغين 2 , عصرنة المدن …………….).

لا تريد المعارضة الفطرية أن تنجح الحكومة في إصلاح البلد فذالك يسحب البساط من تحتها ويفقدها مبرر وجودها .

ولكل كائن غريزة الوجود وعند إحساسه بتهديد سلامته تنطلق ردود أفعاله لا إرادية و عشوائية .

عندما تحس المعارضة بخطر جذري يهدد مبرر وجودها فحدث ولا حرج عن ردودها ما بين الحاد الشبيه بالمنعكس الفطري و بين الهادئ الرزين , تطالب بالحوار و الحكومة الائتلافية والشراكة السياسية فتلك طريقة هادئة تطرق الأبواب علها تلج لتحتمي من الصقيع الذي سيذيبها و يقضي علي وجودها .

وعندما لا تلقي ردا إيجابيا تنطلق القوة الكامنة فيها لتعبر عن نفسها علي غير المعتاد والنشاز فتنطلق صيحات رعب تصدح بنذر مآسي ومشاكل وبؤس قادم وحصيلة بالمقلوب تري ما لم يتحقق و تغمض العين عن الإنجازات الماثلة أمام العين , وكل صيحات الرعب منهم إذا ريئت علي حقيقتها واستكنهت حيثيتها تبين أنها إنما تعبر عن دواخلهم وعن خشيتهم علي مستقبلهم ووجود كيانهم , وأنها لا محل لها من الإعراب عن حال المجتمع الذي تتخذه درعا بشريا لها في معركة البقاء .

كنا شغوفين بالمعارضة لحبنا لروح الاندفاع الطامحة للتغيير البناء , ولأن النظام الطائعي كان يقيم علاقات مع الصهاينة ويدعم الفساد , اعتقدنا أن رجال المعارضة أبطال وطنيون يناضلون من أجل أهداف سامية ويسعون لتخليص الشعب من نير الطغيان و ربقة الحيف , فيهفوا إليهم كلما دخل في أتون جحيم , اعتقدنا هم زاهدين في السلطة حد الانمحاء في الطبقة الكادحة من الشعب معبرين عن ضميرها .

ولكن بعد الثامن أغشت تبين أنهم نفعيون ومصلحجيون إلي درجة تذوب فيها مبادئهم وتتجمد فيها الروح الشيطانية التي تسكنهم حين يثورون علي النظام , هم ثوار حقا لكن لغاية في نفوس اليعاقيب .

فعندما اعتبرهم ولد الشيخ عبد الله شريكا رئيسيا وأسس لهم زعامة يلتقيها دوريا كانت تلك الزعامة أول من بارك إزاحته ولعن أيامه فهم يجرمون الشراكة ويكفرون بها فإما كل شيء أو لا شيء .

وفي مساومة مفضوحة رهنت مصالح البلد ونادت بالحصار وأرادت ضرب أطنابها في البلاد لتحصل علي عدة وزارات كانت كافية لإسكاتها .
شغلها الشاغل اللهث نحو الرئاسة , التي يبدو أنها لا ترضاهم أو أنهم مصابين بفوبيا الأماكن المرتفعة .

وبانقشاع سحب الحملات الداكنة والمليئة بالأنواء الكاذبة , كانت الصورة قد اتضحت جليا فتراجعت الأصوات الصادحة بتنبآت العهد القادم لتترك الفرصة للأصوات المخنوقة والمفعمة باليأس من أنظمة شمولية متعاقبة لم تعدم وجه شبه في الوعود العرقوبية التي لا تكل ولا تمل من ترديدها .

لقد وضحت الصورة بكل تفاصيلها وجزئياتها مزاد إلي واقعها الماثل قيمة مضافة سحبت خيوطها شخصيات المعارضة الثملة من الماركسية والعنصرية والجهوية .

اتضح الفقر المدقع الذي تعانيه فئات كثيرة من الشعب , وبدأت المعارضة إزاء هذا تصدر عن نسق متزن الإيقاع والخطوات يترجم حصادا مرا أفرزته حقبة يبدوا أن البلد قد دخلها خطأ أو كأن المعارضة تنتظر أن تجد فانوس سليمان فيخرج لها عفريت يقول شبيك لبيك التقدم بين يديك .

أهملت المعارضة سنن الكون في التطور التي تفرض المرحلية والسير بخطي حثيثة وواثقة , كأنها تريد تنمية البلد بقفزات مكوكية في حين لن تقدم له إلا خطوات سلحفاتية , و بدت تجر ذيول هزيمة نكراء , وتجتر علقما سقاها الشعب به إذ حسبته عسلا .

وقفت واجمة أمام النتيجة وكأنها لم تستوعب الصدمة أو كأنها لا تريد أن تفهم الحقيقة أو تريد أن تكتمها عن نفسها وأن تستمتع بمراهقة سياسية حين اشتعل رأسها شيبا وغاب عنها أن هذا حلبا للنوق في المستنقع .

فطفقت تقصف عليها من ورق النقد للنظام لكن الأوان قد فات فاهبطوا منها جميعا , انزاحوا من أمامنا ودعونا نصدق حلمنا حتي ولو كان وهما لا نريد وأده , لا نريد برامجكم التي تحمل بذور فشلها في أحشائها .

نعرف كم هو بسيط جدا أن تطبق علي عينيك منكرا وجود الشمس في رابعة نهار صيفي , ومع ذالك فهي تدور .

تحاول المعارضة في بلدنا الهروب إلي الأمام في سياسة يراد منها إخفاء شمس بدت تلقي بصيص أمل علي أرض كابدت الأمرين .

إنهم يلعبون وكأنهم في حفلة تنكرية , أغلقوا أعينهم وتصوروا أن البلاد تعيش ظلاما دامسا وكأنها في ليل أرخي سدوله وأردف أعجازا وناء بكلكل وما ذالك الليل البهيم في واقع الأمر إلا حصيلة تصورات خاطئة أضلت طريقها فكذب رائدها أهله .

كل شيء في عيونهم عدم لأنهم ارتدوا مناظر حالكة السواد وحيدة الرؤية تري الجانب الفارغ من الكأس , لأنهم ركبوا مجسات تحسب إخفاقات الحكومة وأخطائها بالجيغا وإنجازاتها بالملي إن لم تضربها في لوغاريتم واحد .

تعرف المعارضة أن الستار كشف عن مناورتها , و أن أحدا ما سلط النور علي الحفلة التنكرية , ونعرف أنها لا تجابه النظام لسواد أعيننا , ولهذا دخلت حالة هيستيرية تذبذبت فيها وفقدت صوابها .

أصبحت سفينتها تمخر عباب المياه علي غير هدي وبغير نور , وبغير قدرة علي التراجع سائرة بنظام أحمق الخطي يصعد بانسيابية نحو الهاوية لها دروب محددة في مقارعة السلطة .

فهي تريد أن تمسك الحكومة من تلابيبها وتقطع منها الوتين , تحبس الأنفاس علها تجد كبوة أو ثغرة تقفز منها إليها مقلدة الفأر والقط .

يريد المعارضون أن يكون لهم حظ الأسد من الكعكة السياسية .

يلمزون الحكومة في الصفقات فإن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا .

يرجون لعقارب الساعة أن تتوقف إلي أن يغيروا الحاكم والحكومة .

لكن رغم الأسطوانات التي يتغنون بها مذ ولدوا ويستجدون بها أصواتا أبحها الفقر والجوع وخنقها الاحتقان واليأس وكتمها جلادو الأنظمة المتعاقبة فللواقع شهادة أخري .

رغم ما يشيعون ويرتلون من ترانيم البؤس والشقاء , ورغم ما يرجون ويعدون به من الفقر والخسران والبوار , ورغم ما توسوس لهم أنفسهم به ويتناجون به مع السفارات الغربية , ورغم ما يدعون إليه من ماركسية شيوعية وديمقراطية ليبرالية , فلن تغير نواميس الكون عادتها لتستجيب لمتطلباتكم , لن يعود الزمن القهقرى ليعيدكم للحظة الانتخابات التي أشرفتم عليها وأعلنتم بملء أفواهكم فوز غيركم , ولن ننصفكم فلقد كسرتم ما لا يجبر وحطمتم مرآة صافية كنا نري مستقبلنا منها , لقد عرفنا أن تحت اليافطات التي ترفع والأصوات الشجية الرنانة المتبنية لعذابات المجتمع وآلامه وآماله , تحت كل هذا شرذمة من المهرطقين بائعي أحلام الفقراء والضعفاء في الأروقة السياسية , تسموا معارضة ظنا بأنهم متشرفون بها , لكنهم سقطوا في درك الإعادة فثبطوا وقعدوا مع القاعدين , ورد بصرهم حسيرا حين نظر لآفاق البلد .

علي المعارضة أن تعي الوضعية الجديدة , فإذا كانت تقيم حراكا يعاكس مسار النظام اتوماتيكيا فعليها معرفة أنها في مواجهة الأنظمة الشمولية إيجابا وفي مواجهة الأنظمة الصديقة للشعب سلبا .

فليأخذوا علما أن هناك أجيالا فتحت أعينها وتريد أن تصنع مستقبلها بيدها , أننا أصبحنا نميز بين الحزم والحزم بين البهم والبهم , لن نترك عصفورا في أيدينا لعشرة فوق الشجرة أحري لفلسفات وهرطقات شيوعية وديمقراطية أكل الدهر عليها وشرب بل و أخني عليها الذي أخني علي لبد .

لن نترك يقين ما عندنا لشك ما عند غيرنا , ولن نفرط في الواقع المنجز لندخل في متاهات الخطط والأجندة المختلطة التي لا تقدم ولا تؤخر , فلسنا مفتونين بالشيوعية والديمقراطية والعلمانية وما علي شاكلتها بل نريد للشعب ما يقيم أوده ويشبع جائعه ويداوي مريضه , وعلي الدنيا السلام .

لا نريد ثورة للجياع بل نريد ثروة لهم .

لا نريد من يحلم بفوضى منظمة و لا نريد معول هدم يقتفي أثر حكومة الفقراء .

لا نريد أن ترجع نواكشوط إلي سابق عهدها مدينة أشباح تتهادي فيها كومات من الحديد علي يسير من الطرق لا يكثر عده ولا يقوي شده .

لا نستبدل بشوارعنا الجميلة أخري متهرئة ومتقعرة وملتحفة بالرمال .

لا نريد مكان حكومتنا أخري تعتبر المناصب كشكول هدايا توزعه علي محاظيها .

ما يهم أن يكون هناك ولي أمر يرعي شؤون البلاد والعباد فيوفر لهم الغذاء والدواء والأمن والحرية في العبادة ولا يهمنا إن حمل شهادات الدكتوراة أولا , أما الشرعية الانتخابية فلا جدوائية منها وشرعية المسلمين كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام .

شرعيتكم المستميتين في الدفاع عنها لا تسمن ولا تغني من جوع فلا هي درهم معاش ولا حسنة معاد .

لقد اعتدل المسار وشلت أذرع الفساد الأخطبوطية , وبعثت مؤسسات كانت آيلة للفناء , لقد وجدنا نظاما يمتلك من الإخلاص بحيث يعترف بأخطائه ويكتم نجاحاته و يدعها لتعبر عن نفسها لقد انعكست سياسة حيوية نشطة علي أسس من الثوابت الوطنية , وجدنا من يعبر عن روحنا الإسلامية الأصيلة فحول دفة العلاقات من إسرائيل إلي إيران و حكومة أوردوجان .

قد لا أن أكون منصفا عند البعض ممن لا يرضون بالنظام الحالي , ولكن حسبي أن هذه قناعتي وهذا رأيي بعيدا عن التصفيق والتطبيل والزلفي .

م. شيخانى ولد الشيخ ولد محمد يحي


الرجاءتصفح المدونة الأخلاقية لوكالة صحفي للأنباء هنا