مدير الضرائب السابق: هذه حقيقة ما دار بيني وبين نائب مقاطعة تامشكط

  • بسم الله الرحمن الرحيم
  • سيدي عثمان ولد محمد المامون ولد الشيخ سعد بوه
  • المدير العام السابق للضرائب
  • رد على مداخلة نائب تامشكط يوم 4 يناير 2011 م حول قانون الميزانية العامة للدولة عن سنة 2011 م

بث التلفزيون الوطني مساء الخميس 5 يناير 2011 م مداخلة لنائب مقاطعة تامشكط حول قانون الميزانية، أطلق فيها العنان لضغينة فائضة جاءت في سياق من التحامل والتجريح بشخصي والانتقاد لتصرفاتي كمدير عام للضرائب.

ولم يقتصر ذلك على التشفي مني وشكر وزارة المالية والدعاء للدولة على إقالتي عندما “عرفت أن لا مصلحة ترجى مني”، بل تجاوزه إلى اختلاق الأكاذيب وادعاء الأدوار الوهمية في الدفاع عن التجار والتنظير “للأهمية الاقتصادية والاجتماعية” للتهرب من الضرائب.
لقد ادعى حضرة النائب فيما أطل به- وبمباركة من رئيس الجلسة- من منبر الجمعية الوطنية الذي كان من الواجب أن تصان حرمته من التجريح والتهجم على الأفراد، أن المدير العام السابق للضرائب:
ضيق الوعاء الضريبي للدولة بحيث ركز العبء على فئة محدودة من كل قطاع وأنه تجاوز حدود سلطته عندما كلف مفتشي الضرائب بالتحقيق في إيرادات الأنشطة التجارية لدافعي الضرائب.

فرض الضرائب على أنشطة (خردة,بقالات,…إلخ) يجب أن لا تطالها الضريبة، مستغربا في هذا السياق فرضها على المطاعم.
كما ادعى أنه اتصل بي ليحملني على العدول عن خطتي لمكافحة التهرب الضريبي فلم أاستجب له.

وقبل أن أطلع الرأي العام وخصوصا أعضاء البرلمان على زيف ما ادعى هذا النائب وعلى حقيقة ما جرى بيني وبينه، لا يسعني إلا أن أذكر إعجابي وفخري بأعضاء البرلمان، إذ لم أسجل لأي منهم أن اتصل بي مستخدما نفوذه ومكانته في أمر خاص يتعلق بالتحايل على الضرائب أو التهرب منها، إلا نائب مقاطعة تامشكط المسمى محمد الأمين ولد ابهاه. وهذه حالة فريدة شاذة تتعلق بفرد واحد من أكثر من 150 برلمانيا.

يتكون هذا الرد من النقطتين الآتيتين:

سرد لما دار من حديث بيني وبين نائب مقاطعة تامشكط
ردي على ما ذكره النائب
أولا: حقيقة ما دار بيني وبين نائب مقاطعة تامشكط
ليس من طبيعتي أن أخوض في مثل هذه التفاصيل ولا أن أعود لما يجري داخل المكاتب و أثناء العمل، وربما كان لتجربتي في مجال رقابة الأموال العمومية الأثر الأكبر في ذلك، غير أني مع ذلك لا أهمل أي أمر، مهما كان بسيطا أو متجاوزا أو عابرا، حدث أثناء العمل.

ومن هذا المنطلق، أود طمأنة السيد النائب إلى أن كل ما دار بينا من حديث، موثق في مفكرتي بالنقطة و الفاصلة.

واحتراما للرأي العام وخصوصا لممثلي الشعب، قررت أن أطلعهم حقيقة ما دار من كلام بيني والسيد محمد الأمين ولد ابهاه نائب مقاطعة تامشكط، كي لا يذهبوا ضحية الاختلاق والتحريف وعنتريات الدفاع عن التجار “كافلي أرزاق الناس” حسب ما يرى حضرة النائب، والدعوة إلى خرق القانون بمنع الإدارة من حقها في التثبت من واقعية الإقرارات الضريبية التي يصرح بها دافعو الضرائب، وبالتالي الدعوة إلى تجاوز الدستور من خلال إيجاد دولة بلا ضرائب
.
الوقائع:

اتصل بي شخص نافذ في الدولة، لا أريد ذكر اسمه تفاديا للإحراج، ليطلب موعدا لنائب تامشكط الذي لم يكن يحتاج لهذه الوساطة، اللهم إلا إذا كان ذلك من قبيل المتاجرة بالنفوذ التي يبدو أنها سلوك راسخ لدى هذا النائب. فالكل يعرف أن باب مكتبي مفتوح أمام العامة والخاصة، وفي مقدمتهم المنتخبون، وإن كانوا رجال أعمال فتلك أولوية الأولويات بالنسبة للإدارة العامة للضرائب بوصفهم دافعي ضرائب.

استقبلت حضرة النائب ليقول لي إنه كان مشغولا بحملة انتساب حزبه في ولاية الحوض الغربي وخصوصا في مقاطعة تامشكط وإن هذه الحملة كلفته كثيرا وهو الآن يقوم بتحويل عمارته الواقعة على شارع المختار ولد داداه عند مفترق الطريق الواقع جنب ما يعرف بمساكن اسمار و المعروفة بموري سنتر، إلى فندق ولا يستطيع تحمل أعباء إضافية، لذلك يرجو إعفاءه من الضرائب هذه السنة.

قلت له إن المرحلة تتطلب منا إدارة وأحزابا ومنتخبين أن نعمل على تعبئة موارد الدولة لإنجاز برامج التنمية واكتساب ثقة الشركاء، لذلك أرجوه إذا كان مطالبا ببعض الضرائب، أن يبادر إلى دفعها وأن يعلن ذلك حتى يكون أسوة لغيره من رجال الأعمال أو على الأقل للمهتمين منهم بالشأن العام. أما من حيث الإعفاء من الضريبة فذلك من اختصاص القانون، وأنا هنا لتطبيق القانون لا لخرقه.

وانصرف حضرة النائب ليتصل بى بعد ذلك بفترة، وكان مصحوبا برجل قدمه لي على أنه من قرابته ومسير مركزه التجاري المعروف بــ”موري سنتر”، وقدم لي إقرارا ضريبيا بمبلغ 650 ألف أوقية كضريبة جزافية على أرباح المركز التجاري، محسوبة على أساس رقم أعمال يبلغ 22.500.000 أوقية، وقال لي لن أصرح بهذا المبلغ قبل أن تعدني بعدم التفتيش والتدقيق في صدقيته.

فأجبته بأن النظام الضريبي الموريتاني نظام تصريحي طوعي، وليس للإدارة أن تتدخل في ما يصرح به دافع الضريبة ولا أن تحمله على التصريح، لذلك فهو حر. لكن أرجوه في المقابل أن يترك للإدارة اختصاصها وعملها، فهي تتصرف وفق خطة قانونية وموضوعية وبعيدا عن المحسوبية والاعتبارات الشخصية. وقلت له لا أواعدك بالتفتيش ولن أعدك بعدمه.

فما كان من النائب الموقر إلا أن استشاط غضبا وسحب رفيقه بذراعه وقال بكل غطرسة واحتقار: دع عنك هذا المدير فأنا أعدك بأن لا يحقق في وعائك الضريبي وأن لا يبعث بعد الآن بمفتشين.
قلت له: رسالة واضحة ومقروءة.

ثانيا: الردود:

1 – هذا بكل بساطة هو ما جرى من حديث بيني وبين نائب تامشكط، ولم نتطرق إلى موضوع حملة الإدارة لتوسيع الوعاء الضريبي عن طريق الحد من التهرب والتي يسميها “تضييقا”.

فنائب مقاطعة تامشكط لم يتصل بي إلا لغرض إعفائه من الضرائب. وزملاؤه من التجار يعلمون تمام العلم أنه رفض أن يكون ضمن المجموعة التي انتدبوا لتبحث مع الإدارة، لأنه سبق وأن اتصل بالإدارة لغرض شخصي وأطلق تهديداته، وهذا ما أشار إليه بكل وضوح في كلمته أمام النواب عندما ذكر أنه اتصل بي وعرفت الوزارة أن لا فائدة ترجى مني. فمن سعى لإقناعها بذلك يا ترى؟!
والرجل الذي يتوعد كل من يحاول تحصيل ضرائب على أنشطة تجارية له فيها حضور، نسي أنه يصادق على ضريبة تدفعها نساء يقضين وقتهن في أسواق العاصمة بحثا عن هامش ربح بمائة أوقية ليعلن به أيتاما، في حين أنه يبني عمارة شاهقة في قلب العاصمة، بها مركز تجاري من أنشط المراكز التجارية ولا يرضى أن يصرح بما يعادل فاتورته للكهرباء
.
والأدهى من ذلك أنه ربما يتقدم غدا للانتخابات في ثوب الفاتحين. وفي هذه الحالة أدعو القائمين على إدارة الضرائب توخي الحذر في إصدار شهادات البراءة.

2- قد أجد ما أفسر به استماتة النائب في الدفاع عن تهربه من الضريبة، فهو حديث عهد بالثروة ومن الذين ظهرت ثروتهم فجأة، لذلك قد لا يفهم بسهولة إمكانية نماء المال مع الحفاظ على الوفاء للدولة بضرائبها.

ولكن ما لا يمكن فهمه، هو أن ينسى، وهو عضو في الجمعية الوطنية، أن الجهة الوحيدة التي تصادق على فرض الضريبة وعلى الإعفاء منها هي الهيئة التي ينتمي لها، وأن مدونة الضرائب لم تستثن المطاعم ولا أي نشاط آخر من الأنشطة التي ذكرها من الضريبة و أن عدم الوفاء بالضريبة يعاقب عليه القانون.

وقد كان أحرى بحضرة النائب أن يحترم مشاعر زملائه وأن لا يظهر مجلس النواب وكأنه مؤسسة للدعوة إلى خرق القانون وتجاهله لا للمصادقة عليه والدفاع عنه.

3- وفيما يتعلق بما ذكره النائب من عمليات تفتيش و تدقيق أجريت ميدانيا في جميع القطاعات فهي أكبر دليل على أن ما قيم به في إطار مكافحة التهرب الضريبي- الذي يدعو نائبنا إلى ضرورة حمايته لحاجة في نفسه – شمل جميع الأنشطة التي تختبئ وراء النظام الجزافي؛ لذلك توجد مطاعم وبقالات وخردوات وغيرها تحقق مبيعات سنوية تفوق بكثير الحد الأعلى لرقم الأعمال الخاضع للضريبة الجزافية الذي هو 30 مليون أوقية سنويا، لكن هذه المؤسسات غير مصنفة في النظام الحقيقي ومعظمها لا يدفع ضريبة على الإطلاق كما يعلم بذلك حضرة النائب.

وهنا أريد أن ألفت انتباهه إلى أن التأكد ميدانيا من حقيقة إيرادات النشاط عن طريق الجرد الفعلي هو أعدل وأنصف طريقة لتحديد الوعاء الضريبي، والحكم ليس لي بل هو للتوصيات التي قدمتها بعثة البنك الدولي التي زارت إدارة الضرائب بعد ما غادرتها أنا.
هذه العمليات لم تكن تستهدف فئة محدودة عكس ما يدعي النائب، وإنما كانت بداية لمسح عام كان من المقرر أن يشمل جميع هذه الأنشطة. وسواء كان شاملا أو اقتصر على فئة قليلة، فإن الضريبة التي سيدفعها الممول على نشاطه لن تتغير. لهذا لا أستطيع أن أفهم ما يعني نائبنا بنظرية تضييق الوعاء الضريبي.

4 – ليس المقام مقام حديث عن الإنجازات، ولا الهدف عندي أن أضع حصيلة لأداء قمت به، ولكن حضرة النائب الموقر أجبرني على ضرورة الوقوف عند بعض المنجزات التي تحققت خلال الفترة الوجيزة التي قضيتها على رأس الإدارة العامة للضرائب (أربعة أشهر)، وذلك عندما هنأ الوزارة على التخلص من مدير “لا يرجى منه أي صالح “.

لقد نوه هذا النائب في مداخلته بالحصيلة التي تحققت على مستوى إيرادات الدولة، ولو أنه كان يعلم أن ذلك يعود للسياسات الضريبية التي ندد بها لكان له لا محالة رأي مغاير.

لقد سجلت هذه الإيرادات خلال الأشهر الثلاثة الأولى لوجودي في إدارة الضرائب رقما قياسيا لم يسبق أن تحقق قبل ذلك، و يكفي حضرة النائب أن يراجع جدول العمليات المالية للدولة على موقع الخزينة العامة ليتأكد من ذلك. وإذا كانت مشاغله لا توفر له الوقت الكافي فإني أحيله إلى خطاب معالي الوزير الأول الأخير أمام مجلس النواب حيث نوه أكثر من مرة بمستوى التحصيل.

ومع أني لا أريد استباق الأرقام الرسمية ، فإن الإيرادات الضريبية فاقت كل التوقعات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المجهود كان ناجعا وأننا ما زلنا بعيدين عن المستوى المعقول للقدرة التمويلية لاقتصادنا الوطني بسبب التهرب من الضرائب الذي يحمل حضرة النائب على عاتقه عبء الدفاع عنه.

أما ما قمت به في مجال تنظيم الإدارة وتقريبها من الممولين ومكافحة الرشوة وحفز الطاقات البشرية وإعادة الاعتبار للإدارة وفرض هيبتها فهو من الوضوح بحيث لا يخفى على أحد وخصوصا إذا كان من الذين يفترض أن يكون تعاملهم مع الإدارة دائما.

إن الأحكام الاعتباطية التي يصدرها حضرة النائب تثبت، إن التمسنا له أقل المخارج سوءا، أنه ما زال يعيش في جمهوريته الإفلاطونية التي لا ضرائب فيها.

ومهما قيل فإن عملية الإصلاح في إدارة الضرائب أخذت متجها إلى الأمام لا يمكن معه أن تعود القهقرى مهما تغير تسارعها. وكلي ثقة في المدير العام الجديد والأطر الآخرين الذين بدؤوا معي عملية الإصلاح بكل قناعة وعطاء.

وليسمح لي حضرة النائب ببعض العتاب لأقول له إنه كان أكثر دبلوماسية في تهديده للوزير الحالي للمالية وللمدير العام للضرائب الحالي عندما وجهه في شكل توصية وطالبهما أن لا يتبعا نهج المدير العام السابق للضرائب وأن يغضا الطرف عن قطاعات تجارية نشطة كالخردة والبقالات والمطاعم وربما الفنادق فى مرحلة لاحقة.

أكتفي الآن بهذا القدر “وإن عدتم عدنا ” “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”. صدق الله العظيم.