إبرازا لدورنا الرائد

الحراك مظهر سياسي ذو طابع شعبي بملامح مطلبيه دخل القاموس السياسي العربي بامتياز مع إطلالة هذه السنة (2011)، و تجذر و أنتشر بين الأوساط و عبر وسائل الإعلام المختلفة بفعل ما أحدثه من أثر بالغ العمق و الدلالة في جدار النظام العربي المتحجر.
وهو على الرغم من فجائيته التي أربكت الجميع وأفقدتهم القدرة على الإحاطة بفهمه و استشراف مآلاته ما كان ليكتسي ذلك الطابع ويحقق ما وصل إليه من ناتج في ذلك الظرف القياسي بالنسبة لتونس و مصر على الأقل لولا توافر الظروف المواتية من استبداد وفساد و تشبث بالسلطة ووأد لكل طموح أو حتى حلم لشعوب هذه المنطقة بغد أفضل من يومها وأمسها.

وهذا الحراك ما كان ليطل علينا دون سابق إنذار أو استئذان ويندفع وتتلاحق أحداثه بتلك السرعة وتتحقق نتائجه بتلك الشمولية و الروعة في السلمية و المسؤولية لو لم تكن قد قادته قوى شبابية ذات روح اندفاعية مفعمة بالتضحية و بصدق الشعور والمشاعر ومتسلحة بوسائل عصرية أكثر قدرة على تحليل الواقع وفضح خباياه مما سهل عملية التصدي له وعجل باجتثاثه من أساسه عكسا لما كان متداولا من وسائل تقليدية لم تفلح في تجاوز مرحلة المعارضة و التأسيس لها أداء وتقنينا.
تلك المعارضة التي حاولت اللحاق بالقاطرة بعد أن اندفعت بقوة بمشاغل اجتماعية ترجمت بوضوح وأشارت بساطع برهان إلى من فجر الحراك ووجهه وضحى في سبيله من خلال المطالب المرتكزة علي هموم الشباب من بطالة وقمع للحريات و تخلف وفساد، ووقوفه بقوة في وجه اختطافه وجني ثماره بقدر اندفاعه في تأجيج الثورة و الوصول إلى غاياتها المنشودة من خلال تغيير الواقع جذريا بتغيير من يتحكمون فيه ويديرونه.

و إذا كان الحراك التونسي المصري قد انتهى على غاياته وأهدافه بفعل الظروف الملجئة إليه و القوى المحتضنة له، فإن محاولة استنساخه خارجا عن ذلك البعدين (الأسباب و القوى المحركة ) لن يكون في المحصلة سوى نزوع لزعزعة الاستقرار و التفريط في المكاسب و تعريض السلم الاجتماعي و المسار الديمقراطي وما واكبه من آمال سياسية وتنموية إلى مخاطر حقيقية.

ولعل ذلك هو ما ينطبق علينا في موريتانيا حيث تنعم بلادنا منذ ما يناهز السنتين بتعزيز النظام الديمقراطي الخارج لتوه من مخاض عسير ترجمته الأزمة السياسية الخانقة التي انفرجت بفعل الانتخابات الرئاسية لسنة 2009 كنتيجة لاتفاق مختلف أطراف تلك الأزمة في داكار إلي تفاهمات عززت بشكل قوي المسار وأكسبت شعبنا وحصنته في وجه أي تهديد قد يستهدفه.

ولأن النظام الديمقراطي لا يستقيم دون موالاة و معارضة هما ركناه الأساسيان فإننا نهيب بمعارضتنا إلى عدم التفريط في تلك المكتسبات وأن تطلع بدورها الذي لا يمكن الاستغناء عنه في تعزيز النظام الديمقراطي نفسه خدمة لموريتانيا وفي الاطلاع بدور الرقيب الناقد و المنتقد لأداء السلطة بغية تعزيز ما يتحقق من ايجابيات و الوقوف بقوة وحزم ضد ما يحدث من تجاوزات لرفع رصيدها النضالي استعدادا للمنازلات و الاستحقاقات الانتخابية المختلفة و خدمة لوطن ولشعب ينبغي أن لا تتملص من مسؤوليتها تجاهه بمجرد أنها لم تحظ في هذه الفرصة أو تلك بتزكيته لبرامجها.
كما ينبغي لهذه المعارضة – وهي المحقة في استغلال الفرص السانحة – أن تستنكف عن محاولة قراءة واقعنا السياسي و الاجتماعي في ضوء ما جرى في تلك البلدان لأن ذلك سيوقعها في خطأ جسيم يفقدها و يفقد البلاد جملة من الإيجابيات المتمثلة في:

– أن البلاد نجحت بصورة ملفتة في الخروج من الأزمة السياسة الخانقة نتيجة القناعة الراسخة لنخبها السياسية بمن فيها المعارضة بأهمية الحوار و تعزيز النظام الديمقراطي، رغم هشاشة نسيجنا الاجتماعي و تهديد التطرف و الجريمة.
– أن الأجواء التي نعيشها في الوقت الراهن من تعددية وحريات و برامج تنموية تستهدف الشرائح الضعيفة و المهمشة مكاسب وطنية للجميع دور في تحقيقها و عليه مسؤولية عدم التفريط فيها.
– أن إسهام الموريتانيين في تعزيز الديمقراطية و التنمية و الحكامة الرشيدة عربيا هو بإبراز هذه المكتسبات التي تؤكد قدرة الموريتانيين الفريدة على الاستشراف و تجربتهم المنفردة على مستوى العرب و العالم الثالث في التشبث بالحوار المفضي إلى تكريس التعددية و التناوب الفعلي على السلطة و محاربة الفساد وإفساح المجال أمام القوى الحية من شباب و نساء وغيرها في تبوء المكانة التي تستحق.

و في الختام فإن ادارك ذلك و العمل بمقتضاه هو أمثل الوسائل لتحقيق التقدم و النماء لبلادنا و سيكون اكبر معين في الاستعداد و المساهمة في الحوار المنتظر بين مختلف الفاعلين السياسيين موالاة و معارضة و ما بينها.

د. سيدي عبد الله ولد البخاري