التزوير الأميركي للانتخابات خارج اميركا

السياسيون الأميركيون يحتفظون منذ زمن بحق تخصيص مبالغ طائلة للتأثير على الانتخابات في البلدان الأخرى (بما فيها تلك التي تمنع مثل هذه “المساهمات”). ويفسدون الأنظمة الانتخابية في تلك البلدان. في الوقت الذي تنص فيه المادة2 من قانون العقوبات الأميركي على اعتبار “غير شرعي أي مساهمة مالية من أي شخص من اصل أجنبي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو تحت أشكال أخرى مثل الوعد بتقديمات معنية لها علاقة بالانتخابات لمركز سياسي معي أو بالانتخابات الأولية للرئاسة”. أما الوسائل التي يتم استخدامها لتحقيق التأثير فهي متنوعة. لقد أعلنت الولايات المتحدة مرارا أن “كوبا هي البلد الوحيد غير الديموقراطي في العالم الغربي”، خصوصا من الرئيس السابق بيل كلينتون. وقد كررت هذه المقولة في سائل الأعلام لدرجة أنها أصبحت متناقلة من جميع في الولايات المتحدة.

ومنذ قيام الثورة الكوبية عام 1959 ولغاية اليوم عرفت أميركا اللاتينية كل أنواع الخرق لحقوق الإنسان: ممارسة التعذيب بشكل منهجي، “اختفاء” عدد لا يحصى من الأشخاص، فرق الموت التي تقوم بقتل وتصفية أشخاص محددين بدعم من الحكومات، مجازر جماعية بحق القلاحين والطلاب ومجموعات أخرى بتم قتلها بدم بارد. وكان المخطط لهذا النوع من الأعمال الوحشية فرقا من الجيش أو تشكيلات عسكرية مرتبطة بها لبلدان مثل السلفادور. غواتيمالا، البرازيل، الأرجنتين، تشيلي، كولومبيا، البيرو، المكسيك، الأورغواي، هايتي وهندوراس… مثل هذه الفظائع حتى ألد أعداء الكاسترو لم يتهموا خكومته بارتكابها، يضاف إلى ذلك ما أعلنه كلينتون نفسه من أن النظام التربوي والصحي (يعتبران من الحقوق الأساسية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) “في كوبا أفضل منه في كثير من بلدان العالم”. وبإمكاننا بالتالي أن نؤكد أنه خلال أكثر من أربعين سنة شكلت كوبا أهم حالة في أميركا اللاتينية من احترام لحقوق الإنسان… مع ذلك تصر الولايات المتحدة على أن كوبا هي البلد الوحيد “غير الديموقراطي” في العالم الغربي. وعلينا بالتالي أن نستنتج أن مفهوم “الديموقراطية” بالنسبة للبيت الأبيض لا يتضمن جزءا كبيرا من حقوق الإنسان الأكثر قدسية. وعمليا، أن الديموقراطية بالنسبة لرجل السياسة في واشنطن مرتبطة في أحسن الأحوال فقط بالانتخابات والحريات المدنية. أما حقوق العمل والتغذية والسكان فلا تدخل ضمن هذا المفهوم، في حين يمكن اعتبار أمة، حيث جماهير جائعة ومن دون مسكن، ومرضى من دون عناية وأميون وعاطلون عن العمل وأناس يعانون من التعذيب، وغالبا ما يتم تصفيتهم بتآمر الدولة، يمكن اعتبارها ديموقراطية.

على ضوء هذه إليكم عينات من “التعاطي الديموقراطي” الأميركي منذ النصف الثاني من القرن الماضي:

– فيليبين في الخمسينيات: قامت الاستخبارات الأميركية وبشكل فاضح بتزوير الانتخابات وتنظيم حملة مكثفة لتضليل الرأي العام ودفع مبالغ سرية لبعض المرشحين، وقد ذهب بها الأسلاف إلى حد وضع مخدر في كاس أحد المرشحين المعارضين للمرشح الذي تدعمه، أو تنظيم عملية اغتيال لمرشح آخر. ولكي تنجح خطتها شكلت تنظيما أطلق على نفسه “الحركة الوطنية من أجل انتخابات حرة” فيما قامت “نيويورك تايمر” بمديح الفليبنيين فاعترتهم “واجهة الديموقراطية في آسيا”.

– لبنان الخمسينيات: قامت وكالة الاستخبارات بصرف مبالغ لتمويل معركة كميل شمعون الرئاسية وبعض المرشحين في الانتخابات النيابية، كما تم صرف مبالغ أخرى ضد مرشحين لم يبدوا حماسة خلال التدخل الأميركي في السياسة اللبنانية.

– إندونيسيا –1995: دفعت الولايات المتحدة فيتنام الجنوبية لإلغاء الانتخابات المقررة لتوحيد شطري البلاد، لقناعتها بأن الزعيم الشيوعي الشمالي هوشي مين سيفوز بها بسهولة.

– غوايانا البريطانية –53-64: على مدى أحد عشرة سنة سعت الولايات المتحدة وبريطانيا بكل الوسائل لمنع المنتخب ديموقراطيا شري جاغان من استلام منصبة، عبر الإضراب العالم والإرهاب، كما أجبر مرتين على الاستقالة.

– اليابان 58-70: صرفت وكالة الاستخبارات ملايين الدولارات من الخزينة العامة لتمويل كل مقاعد مرشحي الحزب الديموقراطي الليبرالي المحافظ في الانتخابات، وبالمقابل إضاف خصمه الحزب الاشتراكي. وأيضا في نيبال، لاوس، البرازيل، الدومينيك، غواتيمالا، بوليفيا، تشيلي، البرتغال، استراليا (74-75) جامايكا، باناما، نيكاراغوا، هايتي، بلغاريا(90-91) ألبانيا(91-92) روسيا(1996، خلال أربعة أشهر عملت مجموعة من الخبراء الأميركيين في موسكو لدعم يلتسن في الانتخابات الرئاسية).