هل أنتم ناسون؟

لقد كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز من الضباط الذين أطلقوا شرارة أول الثورات العربية في العقد الجديد من الألفية الحالية، وقد أطلقوها قبل خمس سنوات ضد النظام القمعي الفاسد، فنسفوا بذلك نظام الرئيس معاوية ولد الطايع، وتعهدوا آنذاك بأنهم سيسلموا مقاليد الأمور لحكومة مدنية منتخبة، وأن الجيش سيحمي الديمقراطية، ثم التفت أغلبية ولد الطايع و35 ورقة حزبية وراء النظام المدني الجديد وقتها فأعادت البلاد إلى حالتها السابقة أو أبعد، ثم قام ولد عبد العزيز بالثورة للمرة الثانية متجاوزا كل العراقيل الدولية ورموز الفساد والأحزاب والشخصيات المرجعية الداخلية وعمل مباشرة، وبدون واسطة، مع الشعب الموريتاني بأفراده البسطاء والمهملين والمنسيين والفقراء والمهمشين خلال إشرافه على تصحيح المسار الديمقراطي في البلاد في تغيير 6 أغسطس 2008.

وقد كان الشعب أمينا في الوفاء بعهده بقدر ما كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز وفيا فيما وعد به إلى حد الآن. وعندما قامت الثورة الموريتانية ضد نظام المفردات الجهنمية: القمع، الاستبداد، الفساد، التجويع والإفقار، ومصادرة إرادة الشعب، يتذكر جميع الموريتانيين رد فعل كبار السياسيين والمثقفين في العالم العربي، وأولهم الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي سعى لبث القنوط في الجماهير العربية من احتمال أن يغيــر الله حالها على غرار ما قدر لموريتانيا. وتتذكرون الحملة التي خاضها جميع الموريتانيين شعرا ونثرا ضد تصريح هيكل، في حين أن بعض الديكتاتوريين العرب والأفارقة لم يكلفوا أنفسهم عناء التعليق على الموضوع، أما الحكام الذين عارضوا التغيير في موريتانيا فمعروفون.

وها هي الشعوب العربية اليوم بانتفاضاتها وثوراتها ومجالسها العسكرية تكتب تاريخا جديدا هو في الحقيقة الأصلية ليس سوى السطر الثاني بعد الاستفتاح الموريتاني لهذه الثورات.
ولهذا لا يتفاجأ الموريتانيون اليوم بذلك النور الذي يطفح في وجوه المواطنين العرب البسطاء استبشارا بإطلالة فجر الحرية والتغيير.. إنه النور الذي نعرفه في وجوهنا.. إنه الطريق الذي اختطه الرئيس محمد ولد عبد العزيز قبل “الفيسبوك” وقبل غيره.. سبق وقضي الأمر.
ويعلم الجميع اليوم أن الثورات العربية شرعت في محاصرة بقايا الأنظمة السابقة بأحزابها ومفسديها، وملاحقتها قضائيا وسياسيا، وعدم إتاحة الفرصة لالتفافها على الثورة والقيام بثورة مضادة.

أما المعارضة الموريتانية التي يتشكل أكثر من ثلثيها من رموز الأنظمة السابقة وهم من يتحملون وزر كل ما مرت به البلاد ، فهي الآن تحاول للمرة الثانية الالتفاف على الثورة وصنع ثورتها المضادة بكل بلطجية وشعوذة إعلامية، كل ذلك لأن نظام الثورة تسامح كثيرا مع المعارضة الحالية شكلا، والحاكمة في السابق شكلا ومضمونا.

هنا أود القول إن المعارضة الموريتانية لن تملك أكثر من سلاحها السابق وخاصة خلال الأزمة الدستورية الماضية التي حصلت خلالها على مساندة دولية هي الأوسع لأي معارضة موريتانية في التاريخ.

وحيث أن محاولة التفافها تلك لم تجد نفعا، فكيف بها اليوم وهي تواجه نظاما منتخبا كامل الشرعية مستقرا، تواجهه بمجرد شعارات وهمية ومصطنعة هي أول من يدرك عدم جدوائيتها ومحدودية أوراقها، فكيف يمكنها أن تحقق بأصبع واحد ما لم تحققه بعشرة أصابع.
وعليه، فإنني في هذه الظرفية الحساسة من تاريخ البلد، أوجه نداء خالصا إلى زعمائنا في المعارضة والشخصيات الوطنية العاملة في حقلي السياسة والمجتمع، راجيا منها بكل صدق وأمانة أن تحاول بكل جهد الإبقاء على استقرار هذا البلد والحفاظ على مكاسبه وأمنه وسكينته، وسمعته داخليا وخارجيا. وأن تهيئ الجو لممارسات مستقبلية نكون فيها في صف واحد دون نعرات أو نعوت أو تطبيل أو غمز ولمز في جهة فلان أو علان.

ونرجو أن نتعاون على فتح صفحة جديدة من أجل المستقبل، أقل ما تتضمنه تلك الصفحة هو أن تتاح الفرصة لمن يحوز ثقة هذا الشعب – وقد يكون غدا من المعارضة أو مستقلا- في أن يطبق برنامجه الانتخابي ومأموريته الرئاسية دون مضايقة لتكون محاسبته واردة، وإلا تحول الأمر إلى فوضى وعبث ودوامة لا تسمح بالظروف المثالية للاستقرار والبناء، وهو ما قد يفرض قيام ديكتاتورية ترد البلد والمجتمع إلى الاستقرار مهما كانت آلام تلك الديكتاتورية ومهما كانت ضريبتها.. فأي الخيارين أسهل وأقرب لعين الحكمة. وكما قيل “المخيـّر غير مغبون”.

نشر المقال بتاريخ الأربعاء 23-03-2011| 23/03/2011 : 14:04 في موقع موريتانيد على الرابط : موريتانيد