الجامعة … مرة أخرى أليس منكم رجل رشيد؟!

يبدو أن لعنة الماضي ما تزال تطارد هذا البلد المسكين الذي كتب له – أو عليه – أن يولد ميتا حيا .
تحت الرماد لهيب فتنة عرقية شب وقودها قبل عقود ناس منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر ، أوقدوها وتركونا نكتوي بها وابتعدوا سالمين غانمين ، وكأن شيئا لم يحدث ، منهم من لا يزال بيننا وأسوأهم حالا يسكن في قصر منيف في حي راق في عاصمة ليست كتلك التي فارقها طوعا أو كرها .
… عاد اللاجئون وفقد كثيرون مبررات وذرائع كثيرا ما اتهموا بالمتاجرة بها والتسكع بها عند أبواب السفارات الغربية … أدى الرئيس صلاة الغائب على أرواح قتلى الأحداث العرقية وترحم عليهم، واعتبروا شهداء … قدم اعتذار رسمي لأسر الضحايا … غير أن شبح الفتنة ما يزال ماثلا للعيان يهدد في كل لحظة بالتحول إلى كائن حي يعيش بيننا أو بالأحرى يعيش بموتنا .
إن رواسب ذلك الماضي البغيض خطر على مستقبل تعايشنا وبالتالي وجودنا على هذه الأرض …
دولة عصرية – أو هكذا يفترض أن تكون – بعد خمسين سنة من استقلالها لم يحسم الجدل الدائر حول هويتها ولغتها الرسمية، رغم ما ينص عليه الدستور ، لنبقى جميعا – بكافة شرائحنا – رهائن بائسة لدى الغرب الذي لا يتورع عن تأجيج مثل هذه الفتن، إذ بها وحدها يفرض نفسه وصيا علينا ومرجعا لمناصريه منا ومناوئيه.
كلما غلت الساحة السياسية واشتد التجاذب بين قطبي المعارضة والموالاة أو بين المعارضة فيما بينها أو الموالاة فيما بينها ، كان الحرم الجامعي مسرحا لاستعراض القوة ، والمعروف أن أغلب التنظيمات الطلابية إن لم نقل كلها – تقف خلفها أو توجهها جهات سياسية بعينها ، ولا أدل على ذلك من تواجد أفراد داخل الحرم الجامعي إبان الحملات و الانتخابات لحشد الدعم لهذا الطرف أو ذاك ناهيك عن ما يحدث في الخفاء، وكان حريا بالطلبة المحترمين – وهم خيرة أبناء هذا البلد ومستقبله وأمله – أن يفهموا الدرس جيدا وأن يأخذوا العبرة من ما يجري حواليهم من أحداث ، فالحالة الثورية التي تجتاح المنطقة العربية في هذه الفترة قطعت لسان كل خطيب، وتجاوزت النعرات العرقية والخلافات المذهبية والو لاءات السياسية الضيقة إلى فضاء الإنسانية الأرحب حيث انمحاء ثنائية الأنا والآخر، وحيث لا يوجد إلا الشعب وصوت الشعب ومطالب الشعب دون تمييز أو اقصاء ، فلهثت التنظيمات السياسية – معارضة وموالاة – خلف الشعب تسترضيه وتستعطفه بدل أن تتخذه أدوات وقطعا في لعبة شطرنج لا ناقة له فيها و لا جمل ، مسرحية مفضوحة فرض عليه فيها أن يلعب دور الضحية وأن يلعبوا هم دور البطل، كان بالإمكان الاستفادة من هذه التجارب النوعية وأن نضرب بالسياسة والسياسيين عرض الحائط ، فإن تهاونهم وتساهلهم مع القضايا الجوهرية أكبر مغذ للفتنة ، ناهيك عن التسبب المباشر فيها ، فإلى متى سنظل رهائن في أيدي هؤلاء السماسرة ؟ أليس منا رجل رشيد ؟!