MCM : مغارة علي بابا العجيبة

تراءت لنا شركة ” أم.سي.أم” من زجاج الحافلة الأمامي من بعيد كأنها حامية جند صغيرة قابعة بين الصخور..ترتفع من فوقها نحو السماء الصافية غيمة غبار أحمر داكن.

عرجت الحافلة يسارا فبدأت أجزاء المشهد تتكشف شيئا فشيئا..يشد انتباهك من اليمين حقل صخري أجرد مبلط بلون أقرب إلى السواد، يحيط به سياج من الحديد علقت بأحد أعمدته لوحة صغيرة رسمت عليها إشارة الخطر.. تطوع رجل في المقعد المجاور لي بالقول: هذا الحقل كانت تستغله شركة “موراك” قبل أن تغادر، ويبدو أن” أم.سي.أم” تركته على حاله .

ثم تتهادى الحافلة نحو الأمام مخلفة حقل “موراك” وراءها.. ليظهر فجأة في وجهك من جهة اليمين العلم الوطني ، وعلم كندا إلى جانبه، يرفرفان على ساريتين متقاربتين جدا، تحيط بهما شجيرات صغيرة مغبرة الأوراق باهتة الخضرة ..تُرى كيف عاشت في هذه الرمضاء اللاهبة ؟

ثم تنفُذ الحافلة بغتة من بين بنايتين..فإذاهي معامل”أم.سي.أم” أمامنا مباشرة ، قال مجاوري مشيرا بيده وعيناه تبرقان في نشوة وكأنه بحار يرى اليابسة بعد طول انتظار: هناك يعالجون الذهب.. أما النحاس فهو هناك

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

وصلنا إذن “مغارة علي بابا” حيث سبائك الذهب والنحاس لم تطمثها يد إنسان.. وحيث أيضا كابوس الرعب المخيم أبدا على نفوس الأهالي : مادة السيانير القاتلة.

شركة” أم.سي.أم” شركة قوية، وقد ازدهرت في الآونة الأخيرة بسبب عوامل مرتبطة بالسوق الدولية وكذلك بسبب ظروف الإنتاج الداخلي .. غير أن لديها عاهة، هي نقطة ضعفها التي تجعلها تبدو بالدوام كنمر أعرج يركض بقوة ولكن في غير توازن، وأعني بذلك مادة السيانير السامة ، فهي خاصرة” أم.سي.أم” الرخوة التي تتلقى الطعنات بالدوام فيها، وربما بسبب هذا الوضع المزدوج من جهة، والبائس من جهة أخرى تبدو تضاريس العلاقة بين الشركة والسكان المحليين في مدينة اكجوجت مربكة بعض الشيء إن لم نقل عصية على الفهم .

لقد كان الاحتفاء الجماهيري بمدير الشركة أثناء الحفل يوم أمس لافتا للنظر، وزغردت نسوة أثناء خطابه بالرغم من أنه ألقاه باللغة الإنجليزية.. وبالفعل فقد خطف الرجل النحاسي (من النحاس) الأضواء من ممثلي الحكومة، فلم يعرهم الناس كبير اهتمام. ومع ذلك فالامتعاض شديد والسخط أشد في الأحاديث الخافتة في المقاعد الخلفية في ساحة الحفل..وواضح أن هناك من هم مقتنعون ، بالرغم من اعترافهم ببعض الإنجازات الاجتماعية للشركة، مقتنعون بأن غموضا كبيرا يكتنف الجانب المتعلق بالمخاطر البيئية، وفي الحقيقة لا يمكن تصور إمكانية تبديد هذا الغموض في الوقت القريب، ذلك أن الواقع – واقعنا نحن- يحتم أن تكون شركة ” أم.سي.أم” هي المعنية بتصور وتنفيذ إجراءات السلامة البيئية نظرا للمستوى العلمي البائس لموريتانيا في هذا المجال، وهكذا تتحول ” أم.سي.أم” – شئنا أم أبينا – إلى خصم وحكم في آن واحد.

لابد في هذه الحالة أن تتحول مساحة القلق المزمن إلى رصيد تبريري تستمد منه كل المطالب التي يقدمها السكان أو يطرحها الواقع مشروعية لا يمكن إنكارها ولا تجاهلها.

والواقع أن مجال المخاطر البيئية ليس الجانب المعتم الوحيد في هذه الشركة، إذ يبدو أن مجال العمالة يعاني ظروفا بائسة هو الآخر، فقد طفت على السطح بالرغم من كل الاحتياطات وعمليات التجميل التي ندرك أن الشركة اتخذتها قبل هذا الملتقى ، طفت على السطح حالات تؤكد أن العمال يُرهبون ويُبتزون استغلالا لضعفهم ولحاجتهم الشديدة للبقاء في عملهم ، ومن بين هذه الحالات حالة العامل “الدح ولد اكور” الذي تقدم إلى المنصة ليشكو من المعاملة القاسية لأحد مديري الشركة المدعو “سام هوزاك” من جنوب إفريقيا.. ولكن هذا العامل تم سحبه بسرعة من على المنصة ثم أخرجوه.. وقد أفهمني السيد الدح (41 عاما) ونحن خارج القاعة أن سبب هذه القسوة هو عريضة مطلبيه تقدم بها هو ومجموعة من زملائه من أجل تحسين أوضاعهم.

لا جدال في أن غموضا كثيفا يكتنف هذه المغارة التي تسمى “أم.سي.أم”.. وفي تصوري أن يوما واحدا من الأبواب المفتوحة لا يكفي لتنوير الموريتانيين حول هذه الشركة، لاسيما إذا كان هذا اليوم قد تم التحضير له من سبعة أشهر، وأُجل من قبل ثلاث مرات لأسباب مجهولة .

إنني أعتقد أن أمورا كثيرة يجب القيام بها، ومن الآن، حتى لا تُحولنا هذه الشركات القوية إلى رهائن وأسرى عندها مستغلة فقرنا وتخلفنا، وحتى – أيضا – لا يتحول العصر الذهبي في إينشيري إلى عصر زئبقي.

MCM : مغارة علي بابا العجيبة / إسماعيل محمد خيرات

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى