نزاع الصحراء الغربية : زيف التقارير وحقائق الواقع

لا جدال اليوم أن الأشقاء في المملكة المغربية يدركون جيدا أن غزو المغرب للصحراء الغربية كان تحت فرضيات كاذبة ومختلقة، اعتمدت على معلومات مشوهة وزائفة، تحدثت عن حقائق لا وجود لها والتي تخلو من أي إسناد تاريخي وحقوقي وقانوني.

ورغم أن الحسن الثاني فارقنا وكما يقال إن الضرب في الميت حرام لكن من المعروف أن الحسن الثاني كان يغذي احتلاله للصحراء الغربية بجملة من التصريحات التي لم يكن لها أي أساس من الصحة، وأن الوهم الكبير الذي عاشه الحسن الثاني وروج له إعلاميا، كبد المغرب خسائر ضخمة لا يمكن حصرها.

فعدد القتلى في صفوف الجيش المغربي كان أكثر من المتوقع، والوضع الاقتصادي للبلد أكثر من متدهور، وهامش الحريات شبه منعدم والحالة السياسية للبلد أكثر من متأزمة والعزلة الدولية للمملكة واضحة وجلية، وبالمقابل الصمود الصحراوي كان أقوى بكثير مما حملته تقارير ما قبل الحرب عنه، وخاصة تقارير المخابرات الفرنسية والاسبانية.وكل من يمحص ويفحص ويدقق يتبين له كيف اسقط الصمود الصحراوي التوقعات المغربية ونظرية المرحلة المرسومة والمحددة زمنا بجولة أسبوع كمدة راهن عليها المغرب للسيطرة على الإقليم .

فجولة أسبوع هي اليوم أكثر من خمسة وثلاثين سنة.و”لا وجود لمقاتلين صحراويين بل إنهم مرتزقة من كوبا وانكولا” تم تفنيذها وتنقل عدسات وسائل الإعلام الدولية أن من يدافع عن وطنه هو الإنسان الصحراوي الحر الذي أبدع في فنون الحرب والقتال.واقر المغرب بوجود أسرى مغاربة لدى البوليساريو بعدما كان يكذب ذالك،حيث كان العالم شاهدا ومعه الشعب المغربي على إطلاق سراح البوليساريو اكثر من أربعة ألاف أسير حرب مغربي على دفعات من خلال مبادرات حسن النية ولأسباب إنسانية من جانب الصحراويين أو تلبية لوساطات غربية وعربية .كما تم دحض مقولة “محاصرة الصحراويين بتندوف الجزائرية” بصفة نهائية بعد وجود عشرات المنظمات الدولية بالمنطقة، وانتهى الغي المغربي حول هذا الموضوع لما شُرع في برنامج تبادل الزيارات الذي تشرف عليه منظمة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين.

وعن تمسك الصحراويين المتواجدين بالشق المحتل بخيار الاستقلال، اقتنع العالم بهذا الحال مدللا على ذالك بما تتضمنه تقارير المنظمات الدولية التي فضحت ممارسات السلطات المغربية ضد المواطنين الصحراويين، فحتى الوثائق المغربية الرسمية تؤكد وجود أكثر من عشرة ألاف صحراوي في لوائح ضحايا الاعتقال والاختطاف واستشهاد العشرات بسجون تازمامارت و أقبعة مكونة وسيدي افني والسجن لكحل بالعيون.

لقد انتهى اليوم العصر الذي كان الناس فيه يتحلقون في الشارع المغربي حول المذياع للاستماع إلى وسائل الإعلام المغربية أو بعض وسائل الإعلام المتورطة وهي تقدم لهم في ثوب من الحياد الزائف- رؤية النظام الرسمية عن أفاق النزاع وشعبية البوليساريو، ورغبة الصحراويين.

ومن سوء حظ الساهرين الجدد على تدبير الشأن المغربي -وحسن حظ الشعب الصحراوي أن الحال اليوم ، ليس هو بعصر هذه الوسائط الإعلامية ، بل عصر قناة الجزيرة وشبكة الإنترنت والإعلام الحر. فالعالم لم يعد قابل للتضليل الذي مارسه صناع الرأي والقرار في المغرب سابقا .
واليوم فان منطق الأمور عند حكام المغرب الجدد فيه أيضاً من العَجبِ العُجابْ، فهم لا يتعظون من تجارب التاريخ، فالتقارير التي تصلهم كان من انواكشوط، أو العيون أو إفترضنا حتى من “الرابوني” أوهمتهم بعكس الحقيقة، وما زالوا لم يستفيدوا من تجارب الماضي، حيث جنح بهم الظن الخاطئ إلى كون قلة الخونة يمثلون أغلبية ساحقة، وفجأة فشلت قلة الخونة في أن تؤدي دورها الذي كانت قد قطعت العهد عليه للمغاربة قبل لعدة أسباب أهمها:

-أنها مقطوعة الجذور عن الشعب الصحراوي.

– وأنها لا تمتلك أي رصيد شعبي.

– وأنها لم تخفي عمالتها للمحتلين.

– وأن قياداتها من أصحاب السوابق (في العمالة للاسبان) وينظر إليهم المغاربة نظرة شك وريبة.

– وأنهم عديموا الإخلاص والوفاء.

– وأنهم عملاء.

ويعاني المغرب من نكسة فشل خطة الحكم الذاتي التي لم تقنع العالم و الذي لا يعترف للمغرب بأية سيادة على الصحراء الغربية، وتعيش الرباط حالة من الحزن والإستياء بسبب الموقف الأمريكي الذي لا يقبل إلا بحل يجسد حق الشعب الصحراوي، بعدما حاول النظام التطبيل على موقف واشنطن لشرعية طرحه الأحادي للحل.

هذه بعض من الحقائق التي يدركها اليوم العالم جيدا وبشقيه الرسمي والشعبي، حقائق تثبت أن الأمور تسير لصالح البوليساريو والشعب الصحراوي، وتؤكد للعامية المغربية أن زيف التقارير التي كانت تقدم للعالم عن حجم شعبية البوليساريو كانت كاذبة في مجملها وكانت سبباً في حجب الرؤية عن الشعب المغربي. و الواقع المعاش أثبت بما لا يقبل الشك أن هناك شعب مكافح عازم على انتزاع حقه، وإذا كان للصحيح أن يصح دائما ولو بعد حين، فإن هذا الصحيح هو الإجماع الدولي الحاصل على ضرورة إتمام مسار تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية.

ولهذا يبقى العالم مقتنع بأولوية حل قضية الصحراء الغربية في إطارها القانوني الواضح والجلي، ولا حل جدي وفعال إلا إذا كان مبنياً على أساس احترام هذا المبدأ.

إننا وإذ نتمنى كل النجاح للمساعي الدولية لفض النزاع بين الإخوة الأشقاء، فإننا نتمنى أن يمنح الإخوة المغاربة أنفسهم فرصة للسلام النهائي الحقيقي والحل العادل.

وهي دعوة عميقة وصادقة لتغيير السياسات المغربية المجحفة بحق الشعب المغربي أولا وبحق الشعب الصحراوي والشعوب المغاربية، وعدم تضييع الوقت والجهد في دعاية عبثية وفبركة تقارير زائفة باطلة.

فهل سيفهم الجيل الجديد من حكام المغرب أن الفعل أبلغ من القول في موضوع الصحراء الغربية؟؟

أما إذا كان المغرب يحلم أنه يستطيع أن يهضم حقوق الصحراويين وأحلام السلام معها عبر سياسة تجاوز قرارات الشرعية الدولية وتبني فرض سياسة الأمر الواقع، فهو بالتأكيد واهم، لان جريه وراء الوهم هو جري نحو السراب ,وسيضيع المزيد من الوقت على الشعب المغربي، لأن الصحراويين واعون بل مؤمنون بأن كفاحهم هو كفاح أجيال. وتشهد يومياتهم، بأن الجيلين الثاني و الثالث منهم بعد سنة 1975 دخلوا إلى ساحات النضال بعزيمة أقوى واشد وأنضج.

ثلاثة أجيال تحمل اليوم رايات النضال، رغم تنوع أشكال الصراع واختلاف ظروفه وموازينه .فالتقارير التي تتحاشى السلطات المغربية هضمها تؤكد أن الشعب الصحراوي رغم مرحلة السلم إلا انه يتأهب للقادم، فمثلا فقط قبل المؤتمر الأخير للبوليساريو كان التعداد البشري لأصغر ناحية عسكرية لا يتجاوز 350 مقاتلا واليوم تعدت قوتها البشرية 1300 مقاتل.

فحقائق القوة على الأرض هي التي تصنع انتفاضة ناصعة بالأرض المحتلة وأوصلت الإخوة العشرة إلى الجزائر، والأخت مينتو حيدار إلى جائزة كينيدي بالولايات المتحدة الأمريكية، وانتزعت باستحقاق اعتراف أكثر من 85 دولة، وأقصت فالسوم كوسيط غير أمين ونزيه، وحظيت بإجماع دول عدم الانحياز بشرم الشيخ المصرية وغيرها من الحقائق التي تفند زيف التقارير المغالطة والمنافية للحال والواقع.

بقلم : لحسن بولسان