ولد عبد العزيز يقود موريتانيا إلى مرحلة جديدة في تاريخها دون أن يخرجها من قبضة الجيش

نواكشوط ـ ‘القدس العربي’: اليوم الجمعة يلج الرئيس الموريتاني الجديد، الجنرال السابق محمد ولد عبد العزيز، بوابة القصر الرئاسي في نواكشوط، ليس حارسا للقصر كما كانت الحال قبل سنة من الآن، وإنما رئيسا منتخبا لكل موريتانيا.
وبهذا الولوج إلى القصر الذي قطع الجنرال السابق نحوه فيافيَ سياسية طويلة آخرها انتخابات مثيرة للجدل اقتنص فيها نحو 52 بالمئة من الأصوات، تدخل موريتانيا، البلد الصحراوي الفقير، مرحلة جديدة من تاريخها السياسي يرى البعض أنها، مع جدتها، قديمة أيضا.

الخصوم يقاطعون

ورغم أن كبار خصوم الرئيس الجديد قاطعوا حفل تنصيب ولد عبد العزيز مساء الاربعاء، فقد سمحت المعارضة لوزرائها لكونهم أعضاء الحكومة الانتقالية، بالمشاركة في الحفل الذي نظم في الهواء الطلق بالملعب الأولمبي وحضرته أطراف دولية بتمثيل منخفض فيما عدا السنغال ومالي المجاورتين اللتين حضر رئيساهما.
ويرى المتابعون للشأن الموريتاني أن المعارضة، بسماحها بمشاركة رمزية في الحفل، إنما تبعث برسالة مفادها الاستعداد لإنهاء حالة التوتر مع رئيس بات يحظى، مهما قيل عنه، باعتراف دولي من أبرز مؤشراته مشاركة جميع أعضاء السلك الدبلوماسي في حفل تنصيبه بمن فيهم سفراء الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي.

الأزمة قائمة

ولم يبطئ المرشحان مسعود ولد بلخير وأحمد ولد داداه، في إعلان رفضهما الاعتراف بالتنصيب حيث أكدا في بيان مشترك أمس الخميس أن ‘تنصيب محمد ولد عبد العزيز جرى في سياق تطبعه الضبابية وانعدام الثقة’، ودون أن تتم الاستجابة لمطالبهما الخاصة بتدقيق نتائج الانتخابات الرئاسية.
وأكد الثنائي المعارض في بيانه قائلا ‘بما أن الأزمة السياسية ما زالت قائمة بنفس الحدة، فإننا لا نعتقد أنه من المناسب المشاركة’.
وعرض البيان بالتفصيل مآخذ زعماء المعارضة على الاقتراع الرئاسي الأخير، مركزا بصفة خاصة على ‘خروقات اتفاقية داكار، والتلاعب بالقائمة الانتخابية، وشراء الذمم، والتصويت المتعدد خاصة منه تصويت العسكريين تحت الإمرة، وكذلك الارتفاع الشديد لعدد البطاقات اللاغية، وأخيرا الشكوك القوية المحيطة بالمميزات الفنية لبطاقة التصويت المستخدمة في الاقتراع’.
وفي نفس السياق أكد النائب البرلماني محمد المصطفى ولد بدر الدين القيادي في الجبهة المعارضة أن الجبهة ترى أن دعوة الحوار التي وجهها لها ولد عبد العزيز في تصريحات قبل تنصيبه، تحتاج إلى فعل، موضحا أن الجبهة ‘ليست مستعدة للحوار فقط، بل تطالب به وتعتبره الحل الوحيد للأزمة التي تعيشها البلاد’.
ورأى بدر الدين أن موضوعات هذا الحوار ‘يجب أن تحدد باتفاق بين الطرفين، وأن يتفق الجميع على المواضيع التي ستناقش فيه’.

التنصيب في ذكرى الانقلاب نكاية!

وأضاف القيادي البارز في الجبهة التي عارضت ولد عبد العزيز منذ استيلائه على الحكم بالقوة قبل سنة، أن تغيب المعارضة عن حفل التنصيب يعود لسببين، أولهما أن ‘برمجة الحفل في هذا اليوم (5 آب/أغسطس) فيه نوع من النكاية، إذ ستحل في اليوم الموالي له ذكرى الانقلاب على الشرعية، فمن غير المناسب برمجته في هذا التاريخ’. أما السبب الثاني في نظر ولد بدر الدين، فهو أن حضور المعارضة مشروط بحوار قبله، وأن هذا الحوار ضروري للخروج من الأزمة.

اغفال المعارضة

هذا وأغفل الرئيس ولد عبد العزيز في خطابه الأول الحديث عن المعارضة وعن أسلوبه في التعامل معها، وهي نواح كان الجميع ينتظر توضيحات بشأنها.
وركز الرئيس الجديد على الفساد وعلى ‘محاربة المفسدين’ ضمن خطاب وصفته صحيفة ‘بلادي’ المستقلة بأنه ‘نفس الخطاب الشعبوي الذي تبناه (ولد عبد العزيز) في حملته الانتخابية’.
واشاد ولد عبد العزيز بالانتخابات الرئاسية قائلا ‘لقد طوى الشعب الموريتاني يوم 18/7/2009 صفحة الفساد والممارسات الضارة وفتح صفحة ستكون ناصعة بما في الكلمة من معنى’.
وتعهد بمحاربة ‘الفساد والمفسدين والعمل بكل قواه لبناء دولة العدالة والقانون’ قائلا ‘سنسعى إلى بناء دولة العدالة والمساواة، وسنعمل بكل ما أوتينا من قوة للقضاء على الفساد والمفسدين’.
وأضاف ‘سأحارب الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد إلى أن يعودوا إلى الطريق القويم’.
وقال ‘إن ما تعهدت به وما قلته لم يكن كلاما لاستقطاب الناخبين وإنما كان حقائق ووعودا سنفي بها في أقرب الآجال’.
وتعهد ولد عبد العزيز بإعادة تنظيم الجيش قائلا ‘سنضع في الظروف الملائمة القائمين على الأجهزة العسكرية والأمنية والعاملين فيها حتى يكونوا قادرين على تأدية مهامهم بجدارة وأمان وبطريقة مشرفة’.
كما التزم بمكافحة الارهاب مشددا على أنه ‘لن يدخر جهدا في محاربة الإرهاب و أسبابه ليظل مجتمعنا كما كان عبر التاريخ مجتمعا مسالما ومتسامحا يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر’.
وتعهد ولد عبد العزيز بالسعي إلى ‘تطوير العلاقات الخارجية لموريتانيا بشكل يسمح لها بالقيام بدورها الطبيعي في كل المجالات،متعهدا بدعم جهود بناء اتحاد المغرب العربي،وبالعمل لتقوية العلاقات مع دول الجوار’.

لا حديث عن إسرائيل

ولم يشر الرئيس الموريتاني الجديد للعلاقات مع إسرائيل مكتفيا بصيغة تعميمية أكد فيها أن تحقيق السلام في العالم وفي الشرق الأوسط بشكل خاص ‘يتطلب تضافر جهود المنظومة الدولية والهيئات المعنية’، مبرزا ان حكومته ‘ستعمل لقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس ولاسترجاع كافة الأراضي العربية المحتلة’.
ووجه ولد عبد العزيز شكرا خاصا للعقيد الليبي معمر القذافي ولعبد الله واد رئيس السنغال على ‘الجهود التي بذلاها من أجل تنظيم الانتخابات الرئاسية’.
وتضمن خطاب ولد عبد العزيز نبرة دينية ملفتة حيث افتتح خطابه واختتمه بآيات قرآنية، كما أكد أنه ‘سيعمل بكل قوة على إرواء المنابع الثقافية لموريتانيا التي كادت أن تجف بفعل الإهمال وعاديات الزمن بحيث تقوم المحظرة والمسجد بدورهما المتميز في نشر الرسالة المحمدية’.

الجمهورية الرابعة

هذا وقد أسال تنصيب الرئيس الموريتاني الجديد حبرا كثيرا في أعمدة الصحف.
وتناوله الكتاب من مناظير مختلفة بين من يرى أن ولد عبد العزيز هو الرجل المناسب ومنهم من يعتقد بأن الظرف الصعب كفيل بأن يجعل ولد عبد العزيز يحكم بطريقة توافقية سهلة وهناك البعض الآخر الساخط على الرئيس الجديد وعلى عهده وعلى الطريقة التي انتخب بها.
وكان التحليل الأبرز هو ما نشرته صحيفة ‘البديل’ للكاتب السياسي محمد السالك ولد إبراهيم تحت عنوان ‘موريتانيا تتجه نحو الجمهورية الرابعة’.
ويطرح الكاتب في نبرة حائرة مجموعة كبيرة من التساؤلات الدالة على تعقد الموقف وضبابية الرؤية فيتساءل ‘هل سينجح الموريتانيون في التصالح مع ذواتهم قصد وضع تصور مبدع لتشكيل نظام سياسي مغاير يكون قادرا على الاضطلاع بالمهام المرحلية الجسيمة؟’.
ويواصل الكاتب سيل تساؤلاته قائلا ‘هل سيكون انقلاب 3آب/أغسطس 2005 وصنوه انقلاب 6 آب/أغسطس 2008 – اللذان أطاحا برئيسين للجمهورية منتخبين ديمقراطيا ومنصبين رسميا – مجرد ضجة قامت وانتهت بسلام، من خلال تسليم السلطة لرئيس آخر بعد أن انتخب ديمقراطيا؟ أم أن ذينك الانقلابين سيشكلان نهاية فعلية لفترة الاستقرار السياسي النسبي التي عرفتها موريتانيا منذ انقلاب 1984؟’ وفي محاولة للرد على كل هذه التساؤلات يقول الكاتب ‘إن المطلوب حاليا من الرئيس المنتخب هو أن يبادر الى إعادة ترتيب الأولويات السياسية الداخلية والخارجية للبلاد بشكل عام، ليركز مشروعه الإصلاحي- من بين أمور أخرى – على قضايا ضرورية منها فتح مشاورات واسعة وجدية من أجل وضع تصور للشروط المرجعية لمشروع ثقافي وطني إصلاحي شامل’.

دعوة بتر الجميع

وفي مقال متميز آخر في صحيفة ‘الأخبار’ بعنوان ‘بين يدي التنصيب.. خواطر مواطن محتار’ يقول الكاتب محمد الأمين ولد سيدي مولود ‘بعد التنصيب سيجد ولد عبد العزيز نفسه كمن استيقظ من حلم جميل على واقع بعيد كل البعد مما كان فيه، سيتحقق حلم الرجل الذي طارده منذ 2005 أي أن يكون رئيسا لموريتانيا لكنه سيعرف أنه وقع وأوقع بلده في ورطة حقيقية’.
ويضيف الكاتب ‘مشكلتنا أننا نعيش في نظام مفلس يتخبط في فساده وإفلاسه منذ قرابة عقدين من الزمن واستطاع بقدرة قادر أن يغير رأسه ـ كمهدئ ـ كلما استدعت الضرورة لكنه سرعان ما يعود لنوبة الآلام مكشوفا لضعف علمياته التجميلية وارتجاليتها’.
ويخلص الكاتب لاستنتاج أنه ‘لن يصلح هذا البلد ما دام ذلك النظام يستبدل جزءاً منه بجزء وإنما يصلح ببتر الجميع’.

عودة المومياء

وفي صحيفة ‘الحدث’ كتب الأستاذ الجامعي اعل الشيخ ولد أحمد الطلبة مقالا بعنوان ‘عودة المومياء.. تنصيب الجنرال في ذكرى الانقلاب’، استهله قائلا ‘اختار الجنرال ولد عبد العزيز أن ينصب نفسه لنفسه ويشرب نخب نجاحه المشبوه على جثة المعارضة الهامدة ويعربد على أولئك الذين سيحظون بحضور حفل عودة المومياء، في بلد كلما أراد تجاوز نكبة دخل في متاهات وترهات ديمقراطية مزيفة ورئيس قديم في ثوب جديد’.
أما استنتتاج الكاتب فهو أنه ‘شخصيا لا يرى أن بإمكان الجنرال أن يحدث التغيير’ الذي هو ، حسب رأيه ‘حل توافقي مع كل الأطراف لتجاوز أزمة خمدت نارها تحت رماد بركان قد يثور في أية لحظة’.
وتحت عنوان ‘لماذا نزرع الشوك؟’ نشرت صحيفة ‘تقدمي’ مقالا للكاتب إسماعيل محمد خيرات بدأه قائلا ‘لا يليق بمثقف ولا بسياسي نابه أن يتصور في لحظة من لحظات اليأس والضياع أن أزمات الدول واضطراباتها يمكن إنهاؤها وتجاوزها بانتخاب أو انتقاء رجل قوي، كما تنتقى قطعة الغيار اللامعة فتوضع في مكانها المناسب فيعود كل شيء إلى مجراه وإلى حركته الطبيعية’.

تغيير بزة ببذلة

ونشرت صحيفة ‘تقدمي’ مقالا آخر بعنوان ‘موريتانيا من حكم جنرال منقلب إلى حكم جنرال منتخب’ بقلم الكاتب سيدي محمد ولد أحمد طالب، الذي يرى أن ‘الكرة الآن في مرمى الرئيس ولد عبد العزيز ليصدق مخاوف البعض أو آمال البعض الآخر أو يكذبها، إذ يرجع إليه القيام بخطوات ضروريه لتجاوز الاحتقان ومد جسور الثقة مع جميع الأطراف وتوفير جو السكينة والهدوء الضروري لاستئناف العملية التنموية التي لم تعد تحتمل التأجيل’.
ويلخص الكاتب رأيه قائلا ‘لا شك أنه قد آن الأوان لهذا الشعب الذي عانى طويلا من الجوع والفقر أن يرتاح وأن ينعم بخيرات بلاده الغنية، وأعتقد أن ذلك لن يتم إلا بوضع أسس دولة القانون والمؤسسات وبفتح المجال أمام جميع الموريتانيين للمساهمة في بناء وطنهم دون إقصاء أو تمييز’.
وتنظر صحيفة ‘بلادي’، أبرز الصحف الموريتانية المستقلة، حسب افتتاحيتها أمس، إلى الرئيس ولد عبد العزيز نظرة واضحة، فهو: ‘مهما انتخب ونصب يظل جنرالا غيّر بزته العسكرية ببذلة مدنية عبر انتخابات رئاسية نظمت بالمقاس لتشريع واقع قائم’.
وتضيف ‘بلادي’ إن ‘الطريقة التي نهجها ولد عبد العزيز للوصول للحكم معروفة في إفريقيا، إلا أنه من غير المقبول أن نظل سجناء لهذا الذنب المتجذر’.
وترى الصحيفة أن الانتخابات الرئاسية ‘ليست نهاية الأمر فهي مجرد مرحلة من اتفاق داكار الذي ينص على حوار بناء بين مختلف الأطراف للتوصل لحل توافقي دائم للأزمة وهو ما ترى الصحيفة أنه من صميم مسؤولية الرئيس’ ولد عبد العزيز.

عبد الله السيد – القدس العربي