أفكار “ثورية” لتجديد فقراء موريتانيا!!!

ماذا لو قرر الرئيس بعد دعوته المبكرة لتجديد طبقة السياسيين، وبعد دعوته المتأخرة لتجديد طبقة المزارعين أن يدعو لتجديد فقراء البلد؟

وماذا لو قرر الرئيس أن يجدد طبقة الفقراء، خاصة منها 47 % التي تعيش تحت خط الفقر، والتي ظلت تحتكر الفقر و تتوارثه “كابرا” عن “كابر”، وفقيرا عن فقير خلال العقود الأخيرة؟ وماذا لو قرر الرئيس أن يحارب الفقر والفقراء، وأن يَحْرُم الفقراء من احتكار “نعمة” الفقر لعقود أخرى؟ وماذا لو قرر الرئيس أن يأتي للفقراء بفقراء جدد تآمرت عليهم الأنظمة البائدة، وحرمتهم من حقهم في الانضمام إلى الأغلبية الفقيرة في هذا البلد ؟ فكان كلما اقترب أحدهم من حمى الفقر، عينته تلك الأنظمة في وظيفة سامية، أو منحته صفقة عمومية ليجد حلمه قد تبدد تماما، فينقلب على عقبيه وهو حاقد على النظام الذي تآمر عليه وحرمه من أن يكون فقيرا.

لقد أصبح تجديد طبقة الفقراء يشكل مطلبا ملحا، وهو سيظل أكثر إلحاحا من مطلب تجديد طبقة السياسيين أو تجديد المزارعين.

ورغم أن الدعوة لتجديد طبقة الفقراء قد تشكل صدمة كبيرة للفقراء الذين انتخبوا الرئيس، والذين لم يكونوا يتوقعون منه أن ينقلب عليهم، ويسلبهم احتكار الفقر بعد أن فشلت الأنظمة السابقة ـ رغم محاربتها العلنية للفقراء ـ في أن تنتزع منهم ميزة احتكار الفقر.

واليوم، ونحن نعيش عصر الثورات، لم يعد مقبولا حرمان أغنياء موريتانيا من الالتحاق بإخوتهم الفقراء، لأن ذلك قد يؤدي إلى زرع الأحقاد، وقد يتسبب في ثورة أغنياء، قد تخلف أضرارا أشد وأخطر من الأضرار التي سببتها ثورة الجياع في عهد “الرئيس المؤتمن”. علينا أن ننتصر لأغنياء البلد، قبل أن ينتصروا هم لأنفسهم ويعلنوها ثورة على الفقراء ورئيسهم.

وعلى الفقراء أن يعلموا بأن للأغنياء الحق المطلق في الطموح لأن يكونوا فقراء.

وعليهم أن يعلموا بأن رئيسهم ظل خلال السنوات الثلاث الماضية من حكمه وفيا لهم، ولم يُعرف عنه أنه أقصى أو طرد أي فقير من “نعيم” الفقر إلى “جحيم” الثروة، رغم كل الإشاعات المغرضة للأغلبية الداعمة له، والتي تدعي ـ زورا وبهتانا ـ بأن رئيس الفقراء يحارب الفقر والفقراء.

لم يحارب رئيس الفقراء الفقر بل على العكس بذل جهودا جبارة وحثيثة لكي يوزع “المتاح” من الفقر ـ وما أكثره ـ على جميع الموريتانيين، كما وزع “المتاح” من العدالة ـ وما أقله ـ على جميع الموريتانيين.

لقد ظل رئيس الفقراء منذ وصوله للحكم، يسد أبواب الرزق بابا بابا، ويغلق نوافذه نافذة نافذة، على طريقة “بيت بيت دار دار”. وذلك لكي ينعم جميع الموريتانيين بنعيم الفقر، سواء منهم من صوت له في الانتخابات الرئاسية، أو من صوت ضده.

لم يرفع رئيس الفقراء ـ المولع برفع شعارات تجديد الطبقات ـ شعار تجديد الفقراء، لأنه يعلم أن الفقر يختلف عن السياسة وعن الزراعة. فالزراعة لا تستطيع أن تشغل كل الموريتانيين، والسياسة أيضا لا تستطيع ذلك. ومن هنا ـ ولتحقيق المتاح من العدالة ـ جاءت الدعوة إلى ضرورة تجديد الطبقة السياسية وتجديد المزارعين، لكي لا يظل بعض الموريتانيين يحتكر لوحده السياسة أو الزراعة. أما الفقر في موريتانيا الجديدة فإنه يسع جميع الموريتانيين، وإفقار غني ودمجه في حياة الفقراء لا يتطلب بالضرورة ظلم فقير وإخراجه من دائرة الفقر ليحل محله الغني الذي تم إفقاره.

ولأن الأنانية من طبع الفقراء، فقد لا يقبل بعض متطرفي الفقراء أن يدمج معهم الأغنياء. حتى ولو علموا بأن دمج الأغنياء معهم في حياة الفقر لا يعني بالضرورة إخراجهم من تلك الدائرة. أنا شخصيا ومن باب “الإيثار” فإني على استعداد كامل لأن أتنازل عن موقعي في خريطة الفقر لأي غني يريده. مع الاستعداد للاعتذار علنا عن احتكاري لهذا الموقع عقودا من الزمن في الوقت الذي ظل هو فيه يرزح في حياة الترف ودون أن تتيح له الأنظمة المتعاقبة فرصة شريفة للهبوط إلى الموقع الذي كنت ـ ولازلت ـ أحتكره.

وعلى الفقراء أن يعلموا بأن للرئيس الحق الكامل في أن ينقلب عليهم كما انقلب على باقي أغلبيته، وعلى كل داعميه من سياسيين ووجهاء ورجال أعمال ….

فمن حق الرئيس إذا ما فشل في إفقار كل الموريتانيين أن يُجبر بعض الفقراء على ترك عروشهم الخاوية في جمهورية الفقر الجديدة لأقلية غنية استعصى عليه إفقارها في سنواته الثلاث الماضية. وذلك رغم جهوده الجبارة في هذا الإطار. وهي جهود أقدرها للرئيس وأعترف بها رغم أنني من معارضيه.

فليس من العدل أن يحتكر فقير موقعا متميزا في خريطة الفقر لعدة سنوات متتالية في الوقت الذي يوجد فيه غني لم تتح له الفرصة لأن ينعم ـ ولو لأيام معدودات ـ بالحياة مع فقراء الأعماق، أو مع الفقراء الجدد. ولعل من المفارقات الغريبة أننا رغم أننا نعيش في بلد الترحال إلا أن رياح الترحال لم تصل إلى بعض الأغنياء لكي ترحل بهم إلى عالم الفقر، وهي أيضا لم تصل إلى الفقراء لكي ترحل ببعضهم إلى عالم الترف.

لقد أصبح من الضروري أن يحصل الأغنياء المظلومون على تمييز إيجابي يساعد في دمجهم في حياة الفقر النشطة. ويمكن أن يتم ذلك الدمج من خلال زيادة الضرائب أو من خلال حرمانهم من الصفقات العمومية. كما يمكن سن قوانين تجرم توظيف كل من له صلة بهم وتخصيص الوظائف القليلة المتاحة للأسر الأكثر فقرا، والتي تضم أكثر من ثلاثة عاطلين عن العمل من حملة الشهادات. وفي هذه الجزئية يمكن الاستفادة من التمدرس الإجباري الذي كان يفرضه المستعمر الفرنسي لإجبار بعض الأسر على تعليم أبنائها في مدارسه. فعلى رئيس الفقراء أن يفرض “التوظيف الإجباري” على الأسر الأكثر فقرا حيث يفرض على كل أسرة فقيرة تضم على الأقل ثلاثة من العاطلين عن العمل التضحية بأحد أبنائها، وتقبل توظيفه للحد من احتكار أسر بعينها لمقاعد دائمة في خريطة الفقر، في الوقت الذي توجد فيه أقلية غنية محرومة من ولوج حياة الفقر التي تنعم فيها غالبية الشعب الموريتاني.

لقد أصبح من اللازم أن تشعر الأقلية الغنية في هذا البلد بأنها ليست مهمشة، و بأن هناك تمييزا إيجابيا لصالحها سيمكنها من الالتحاق ـ في القريب ـ بأغلبية الشعب الموريتاني القابعة تحت خط الفقر.

وعلى حكومة التراكمات أن تسارع في إفقار القلة الباقية من المجتمع، وذلك من خلال التمييز الإيجابي لصالح الأغنياء، طبقا للتعليمات السامية لرئيس الجمهورية والهادفة لإفقار كل الشعب الموريتاني. وعليها أن تكون حذرة حتى لا يخدعها بعض الفقراء الذين قد يتظاهرون بأنهم أغنياء سعيا للاستفادة من التمييز الإيجابي، الذي يجب أن يتم تطبيقه بشكل شفاف، حتى لا يستفيد منه إلا غني استطاع أن يثبت بأنه لم ينعم بالفقر يوما واحدا خلال الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل.

ففقراء البلد قد يتحولون جميعا إلى أغنياء يعيشون كما يعيش الأغنياء، إذا ما علموا بأن هناك تمييزا إيجابيا لصالح الأغنياء. وربما تكون تلك هي الطريقة الوحيدة المتاحة للقضاء على الفقر في موريتانيا، على الأقل ظاهريا.

إن التجارب السابقة أثبتت أن المواطن الموريتاني الفقير بإمكانه أن يكون غنيا إذا ما أراد، والغني أيضا بإمكانه أن يكون فقيرا في مواسم توزيع القطع الأرضية، أو أثناء توزيع لحوم الأضاحي القادمة من السعودية، أو حتى في أوقات توزيع أسماك زهيدة. ومن هنا فلا بد من الحذر حتى لا ينحرف التمييز الإيجابي عن أهدافه النبيلة فيستفيد منه الفقراء المتحايلون بدلا من الأغنياء المهمشين.

إن السلوك الغريب للمواطن الموريتاني قد فند “نظرية النصف”، و التي وإن كانت نظرية صحيحة عدديا إلا أنها خاطئة في جوهرها.

تقول نظرية النصف ـ والتي لن تسمعوا بها عند غيري ـ إن نصف الشعب الموريتاني أمي وتقول إن النصف الآخر ليس بالأمي. ولكنكم عندما تتأملون سلوك النصف المتعلم فستعلمون أن نظرية النصف غير دقيقة، فسلوك النصف المتعلم لا يختلف عن سلوك النصف الجاهل.

وتقول هذه النظرية إن نصف الشعب الموريتاني يعيش تحت خط الفقر أي أن بطونه جائعة، أما النصف الثاني فهو ليس بالجائع حسب هذه النظرية . والحقيقة أن النصف الثاني أكثر جوعا من النصف الأول، لأن قلوبه هي الجائعة وليست بطونه. ولتأكيد ذلك فيكفي أن نتأمل أي طابور أمام أي متجر من متاجر التضامن فسنجد أن أصحاب القلوب الجائعة يأتون دائما قبل قدوم أصحاب البطون الجائعة.

وتقول نظرية النصف إن نصف الشعب الموريتاني مفسد، وكأن النصف الثاني هو نصف صالح. والحقيقة أن الفساد محمول في جينات النصف الثاني، ولا يحول بين “النصف الصالح” والفساد إلا سوء الحظ أوحسنه، لا أدري أي العبارتين تناسب المقام.

وتقول النظرية أيضا بأن نصف الشعب الموريتاني تجار، وتنسى أن نصفه الآخر مشاريع تجار.

وتقول كذلك نظرية النصف إن نصف الشعب الموريتاني موال بالعلن، ومعارض في السر.

وتنسى تلك النظرية أن نصف الشعب الآخر معارض في العلن، وموال في السر.

إن تلك الخصوصية الموريتانية تستدعي من حكومة التراكمات أن تكون يقظة جدا، عندما تبدأ في تطبيق قانون التمييز الإيجابي لصالح الأغنياء ، وعليها أن تتعامل مع ذلك القانون بنفس الحماس الذي طبقت به حرفيا برنامج رئيس الجمهورية الانتخابي الهادف إلى إفقار كل الشعب الموريتاني بغض النظر عن القبيلة أو الجهة أو العرق أو الانتماء السياسي.
تصبحون على تمييز إيجابي لصالح الأغنياء…

محمد الأمين ولد الفاظل

رئيس مركز ” الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية

هاتف 46821727

elvadel@gmail.com

www.elvadel.blogspot.com