عاجل …إلى رئيس الجمهورية

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه هي أول رسالة مفتوحة أكتبها لكم بعد تنصيبكم رئيسا للجمهورية، وهي ستكون بداية ـ إن شاء الله ـ لسلسة من الرسائل المفتوحة التي ستحاول أن تسمعكم من حين لآخر وخلال السنوات الخمس القادمة أنين المستضعفين وكما هو دون زيادة ولا نقصان، كما أنها ستحاول ـ كل ما أمكن ذلك ـ أن تقدم لكم بعض المقترحات “الثورية” في مجال محاربة الفقر والفساد والتي هي خلاصة لبعض الدراسات النظرية والميدانية التي أعددتها سابقا من أجل المساهمة في التخفيف من ذلك الأنين الذي لم ينقطع يوما ومنذ عقود من الزمن رغم كثرة الشعارات الحالمة والوعود البراقة التي ظل يرددها قادة هذا البلد.

وهذه الرسائل التي ستنحاز في مجملها للشرائح الأكثر فقرا ما هي إلا امتداد لرسائل مفتوحة سابقة كتبتها لرؤساء سابقين في عهود سابقة كانت البلاد تشهد فيها “حروبا شرسة جدا” ضد الأمية والفقر والفساد على شاشة التلفزيون وعبر أثير الإذاعة وفي صفحات يومية الشعب في الوقت الذي كان يتفشى فيه الجهل ويزداد فيه الفقر حدة وتتسع فيه رقعة الفساد.

لقد كانت حروبنا في الماضي تنتهي بانتصارات عظيمة في الإعلام الرسمي وبفشل ذريع في الواقع ، فقد كدنا أن نقضي على الأمية في بلدنا بل وفي غرب إفريقيا على شاشة التلفزيون في الوقت الذي كاد فيه الجهل أن يقضي علينا على أرض الواقع، وكنا نعيش على الأثير وكأننا ملائكة في الوقت الذي امتلأت فيه هذه الأرض الطيبة بالمفسدين لدرجة تمنت فيها “عجوز أمبود” ( والتي هي موضوع رسالة مفتوحة سابقة لرئيس سابق ) أن تُمسخ إلى ناقة لأحد ” كبرائنا ” حتى تتمكن من أن تملأ بطنها من قمح المفوضية الذي كانت تشاهده وهو ينقل إلى قطعان الإبل في الوقت الذي كانت هي فيه تتضوع جوعا بعد أن فشلت في الحصول على حفنة من ذلك القمح بوصفها مواطنة جائعة وفقيرة من الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

سيدي الرئيس،

إنني أناشدكم باسم ” عجوز أمبود ” إن كانت ما زالت على قيد الحياة وبذكراها إن كانت قد رحلت وباسم مليونين وزيادة من فقراء هذا البلد أن تجعلوا من الحرب على الفقر وعلى الفساد في عهد ” التغيير البناء ” حربا ميدانية، شاملة، مستمرة، قانونية، وبأيادي بيضاء وبأسلحة نظيفة وغير تقليدية وأن لا تجعلوها مجرد حرب إعلامية كغيرها من الحروب السابقة.

لقد مللنا من الحروب المسرحية ضد الفقر والفساد والأمية على شاشة التلفزيون وفي أثير الإذاعة وسئمنا من تحسن مستويات معيشتنا على شاشة التلفزيون، وسئمنا من العدالة التي لا نعيشها إلا عبر الأثير ومن تخفيض الأسعار في ” متاجر ” الإذاعة ومن التنمية التي لا تتحقق إلا في صفحات يومية الشعب.

لقد سئمنا تلك الانجازات الإعلامية الكبرى وأصبحنا نتطلع في “موريتانيا الجديدة ” إلى انجازات ميدانية كبرى، انجازات يراها الفقير بعينه المجردة، يراها في مسكنه، في مأكله، في مشربه، في مدرسة أبنائه، وذلك قبل أن يشاهدها في التلفزيون أو يسمعها في الإذاعة .

هذا هو ما يريده الفقراء، فهل ستحققون لهم ما يريدون بعد أن حققوا لكم ما تريدون ؟
لقد راهنتم على الفقراء في حملتكم الانتخابية وهم لم يخذلوكم قطعا، بل على العكس، فقد منحوكم نسبة من الأصوات عالية جدا فاجأت أنصاركم وصدمت خصومكم .

كما أن الفقراء بدورهم قد راهنوا عليكم فلا تخذلوهم ولا تصدموهم وامنحوهم من الاهتمام ـ في موريتانيا ” الجديدة ” ـ ما ينسيهم ذلك الظلم الكبير الذي تعرضوا له خلال العقود الماضية والذي كانت محصلته أن ما يزيد على نصف شعب هذا البلد الغني بثرواته الطبيعية والقليل بسكانه يصنف اليوم على أنه من أتعس وأشقى الفقراء في العالم.

إن الفقراء ـ يا سيادة الرئيس ـ لا يحلمون إلا بالقليل ولا يطلبون إلا وجبة طعام أو قرص دواء أو جرعة ماء أو لحظة عدل وهم لا يختفون لحظة الفزع ولا ينكرون الجميل بل يردون الحسنة حسنات.

فهم قد أعطوكم مقابل حسنة متاجر رمضان التي هي حق من أبسط حقوقهم أصوات كثيرة يوم السبت 18 من يوليو، وقد ردوا حسنة تخفيض سعر الغاز وحسنة تخطيط الحي الساكن بحسنات لا تحصي ولا تعد وهم علي استعداد لأن يعطوكم أكثر إذا ما حققتم لهم في سنواتكم الخمس القادمة قليلا مما يحلمون به وقليلا مما وعدتموهم به في حملتكم الانتخابية.

لقد أصبح الفقراء بسبب كثرة الوعود التي تبددت وبسبب ما تعرضوا له من ظلم من قادة ونخب هذا البلد يتعاملون مع من يوفر لهم قليلا من حقوقهم وكأنه يتفضل عليهم بما ليس لهم فيه حق، عكس “النخبة ” التي أصبحت غالبيتها بسبب تعودها على ظلم الفقراء تعتقد بأن من يمنعها من التعدي على حقوق الفقراء فكأنما يمنعها من حقها الطبيعي.

سيدي الرئيس،

لقد تابعت حفل التنصيب ولقد التقطت بعض الإشارات “الثورية ” التي أضفت على الحفل نكهة خاصة كالمرور بالمنصة الشعبية قبل المنصة الرسمية والسلام على البسطاء قبل الكبراء وتذكر هموم الفقراء ـ لا الأغنياء ـ في بداية خطاب التنصيب.

إن تلك الإشارات “الثورية ” تفترض مني أن أحدثكم في هذه الرسالة بشكل “ثوري” لأقول لكم بأن الأزمات المزمنة والمشاكل العويصة لا يمكن حلها بنفس الأساليب التي أنتجتها، فلا يمكن أن نحارب الفساد بنفس الأفكار والأساليب التي أنتجت كل هذا الفساد الذي نعيشه، ولا يمكن لنا أن نقضي على الفقر بنفس الأفكار والأساليب التي جعلتنا من أفقر شعوب العالم، كما أنه لن يكون بإمكاننا أن نحقق تنمية حقيقية بنفس الأساليب التي أدت إلى هذا التخلف الفظيع الذي نتخبط فيه.

إننا لن نقضي على الفقر من خلال إعطاء الأولوية لحزب السلطة أو لحزب الدولة على حساب الأحزاب الأخرى ولن نقضي عليه بأفواج المهاجرين إلى حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ولا بانتساب كل المديرين وكل رؤساء المصالح وكل الموظفين الصغار لهذا الحزب ولو كان ذلك الأسلوب يحقق تنمية لحققتها “هياكل تهذيب الجماهير ” ولحققها ” الحزب الجمهوري ” ولحققها حزب “عادل “.

وإننا لن نحقق تنمية بإعلام رسمي فاسد يرفض تقديم كل الأفكار الجادة و الحوارات البناءة التي لا تفتتح بمدح السلطة و تختتم بتمجيدها ولو كان في ذلك النوع من الإعلام فائدة لحققت صحافة الأمية وبرامج السمنة ومواسم الكتاب وأخبار التدخل الخاص طفرة تنموية في هذا البلد.

وإننا لن نقضي على الفساد من خلال خطاب رسمي يصنف الناس إلى فريقين : فريق معارض لا مصلح فيه يجمع كل أشرار الناس حيث لا توجد في قلب أتقاهم أي ذرة صلاح، وفريق موالى من خيار الناس لا مفسد فيه حيث أنه لا توجد في قلب أدناهم أي ذرة فساد، ولو كان يمكن القضاء على الفساد بتلك التصنيفات لنجح ” أبو المفسدين ” في القضاء عليه.

سيدي الرئيس،

إن الفقراء الذين انتخبوكم بالأمس ينتظرون منكم غدا معارك جادة وميدانية ضد الفقر والجهل و الجوع و الفساد ، معارك شرسة تستخدم فيها أسلحة نظيفة لا أسلحة فاسدة تقتل الضحايا وتبقي المفسدين ، والأسلحة النظيفة التي يمكن أن ننتصر بها في تلك المعارك لا تستطيع أن تتعامل معها إلا أيادي نظيفة وبيضاء وقوية في نفس الوقت ، أيادي وطنية ومخلصة تؤمن بهذا الوطن ولا يهم بعد ذلك إن كانت تؤمن بالاتحاد من أجل الجمهورية أو تكفر به.

وإلى الرسالة الثانية التي سيتم تخصيصها لتقديم سلة أفكار رائدة لمحاربة الفقر في الأوساط الأكثر فقرا .

وفقكم الله لما فيه خير البلد.

محمد الأمين ولد الفاظل

رئيس مركز ” الخطوة الأولي ” للتنمية الذاتية

هاتف 6821727
elvadel@forislam.com
www.autodev.org