إلى معـشر الشباب

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله ورضي الله عن صحابته أجمعين

…ولأن شهر رمضان شهر الرحمة والتوادد، ولأنني قُـبيل وفوده المبارك وقعت ضحية اعتقادي الفج بأننا في دولة قانون تكفل حرية التعبير دون أن نحارب في أقواتنا من لدن هذا النظام المتسلط والمنفلت من المكان والزمان في آن – وليس من ديدني التشكي والبكاء على أحوالي الشخصية لفرط انشغالي حتى الهوس بالشأن العام – آثرت السكوت إلى حين توديع هذا الضيف الكريم.. بيد أنني تذكرت أن هذا الشهر هو كذلك شهر انتصاراتنا ذات الشأن على امتداد تاريخنا الإسلامي في لحظاته المضيئة..

وفي خضم تنامي حركات الاحتجاج والانتفاضات العربية والإفريقية والأوربية حتى.. التي لم تعد ترضى بالرضوخ للمتغلبين بغير إرادة الشعوب ولا بأنظمة العسكر مهما تلونت وتبدلت جلودهم ، فإن هذا الشهر هو أيضا فرصة للتناصح وإبداء الرأي في شؤون أمتنا القُـزحية الزاهية بتعددها المثري والتي لأنها لم تغير ما بنفسها تنتقم منها السماء بمن لا يرحمها في انتظار أن تنتقم منه هو نفسه في القريب العاجل إن شاء الله…

وقطع صمتي كذلك كون هذا المُسلّط علينا نظم في خامس يوم من الشهر الكريم دون مراعاة لحرمته باجتناب الكذب ولتجل الأخرق، مسرحية بهلوانية أرادها تظاهرة للشفافية والمصارحة مع الشعب اختار بنفسه من يحضرها وأية أسئلة تطرح عليه خلالها..وقد فضح الأمر كله تعجل التلفزة المارقة على إرادة مؤسسيها (وأنا منهم) في إظهار أسماء بعض المتدخلين حتى قبل أن يعرفونا بأنفسهم لأن المذيع هناك في الإستيديو لديه اللائحة مسبقا..وذلك مع شهادات أخرى من العاملين في حقل الاتصال الرسمي المدجن منذ أمد بعيد وربما لآماد أبعد إن ظللنا ساكتين خانعين نُــساس بالجهل وتجاهل واقع أحوال الدنيا أمام ناظرينا وحوالينا ! هذا، إضافة إلى محاولات الالتفاف على انتفاضة الشباب وغيرهم من المستاءين من وجود وأداء نظام متجاوز تاريخيا لانتمائه إلى حقب لا خلاق لأصحابها في ما هو آت وهذا ما دفعني إلى مخاطبة الشباب أولا في هذه الرسالة على أن تليها أخريات موجهة إلى الأحزاب التي آن لها أن تراجع فكرها وسلوكها وتفك ارتباطها بأنظمة وأطر الماضي التنظيمية والمفهوماتية إلخ..وكذلك إلى النواب ومجددا إلى العلماء الساكتين عن الحق والمثقفين الغاطين في سبات عميق وأخيرا إلى “حاكم الوقت” في رسالة جامعة تفهمه رفضنا أن نُستعبد بـتعْبيد الطرقات وهو ما سنفصل حقيقة زيفه في حينها إضافة إلى الثمن الباهظ الذي سيكلفنا في المستقبل القريب ونبين كذلك من المستفيد الحقيقي منه ممن يملك الجرارات والجرافات وحده لا أحد غيره..وسوف تعجبون إذ ذاك وتندهشون إن كان بقي ثمة مجال للاندهاش في عالمنا المجنون المنفلت من عقال العقْل والمعقول..إن دجل النظام ينجلي في تعامله اليائس والبائس مع ظاهرة تحركات الشباب، والنظرة إلى الربيع العربي، وانتظار معرفة مصير أشباهه من الحكام المتغلبين والمغلوبين إن شاء الله….

فهو يتعامل من جانب بالكذب والإغراء القليل (لشـح ولادي في نفسه) والترهيب الكثير ( عائد إلى تكوينه العسكري وغلظة في طبعه)..وشبابه بالمقابل يكافئونه بالإدعاء الكاذب بأنهم وراء تحريك الساحة..ألا فليخسأ هؤلاء ومن يحركونهم ممن نأتي الآن إلى تفاصيل روافدهم التي يراد بها التعمية على الشعب وإجهاض الثورة الآتية لا ريب فيها لإعادة تأسيس وطن ودولة شأنا أم أبينا لم يتأسسا بعد.. فنحن كما سأظل أكررها نعيش في سنة1959عشية الاستقلال الممنوح من المستعمر الذي أقام لاستمرار استغلالنا نظاما نيوكولونياليا تبعه دفق هائل من الإنقلابات العسكرية التي نعيش آخرها وأبشعها (لخروجه عن التاريخ) في أيامنا هذه..وبالموازاة مع الحالة أفرزت كل تلك التقلبات طبقة سياسية مهترئة ومتجاوزة هي الأخرى بتنافس أقطابها والقواعد غائبة في رفد العمالة للغرب وإسرائيل (أي..نعم..أنها ما تزال هنا وأكثر حضورا من ذي قبل..لكن في الخفاء) وجيبه الخاص ومن يأتمنهم على سرقاته.. فبأس الرافد والمرفود.!!

إنهم من جديد يستعبدوننا بحر أموالنا لكنهم سينفقونها “ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون”.

إن فئات الشباب ثلاث:

فئة زج بها حزب في المعارضة في 25 فبراير متأخرا بثلاثة أسابيع عن الثوار الحقيقيين الذين سيأتي ذكرهم ..وفعل ذلك في مناورة مع النظام لكن هذا الأخير أختار إدارة الحوار مع المعارضة بواسطة غيره نزولا عند نصيحة أحد مستشاريه الذي أسس حزبا للشباب بعد أن أحرق غاز البلاد قبل سنين وواصل ولعه بالإحراق في مواقع أخرى.

هؤلاء يظهرون فقط عندما تحضر الفضائيات لسرقة الأضواء من الثوار الحقيقيين.. لكنهم خرجوا الآن من الساحة وما تزال مع ذلك تمور وتفور.

فئة يرسلها التجار والمرابون(كل المرابين دون استثناء ولا انتقاء) من كل صنف وكل المستفيدين من عودة مستحيلة للجزء الذي انتهى إلى الأبد من النظام السائد إلى الآن..هؤلاء يبدو أن من يحركونهم تبينوا خط عزيز وأعلنوا انضمامهم في إعلان مضحك إلى خط لم ..يختط بعد..سبحان الله!! هذا بعد أن أخلى العديدون منهم الساحة النضالية بإغراءات المال والمنح الدراسية التي كانت ممنوعة لهم حتى من أقرب أقاربهم ..والحمد لله على كل حال.!

وعلى العموم هؤلاء تحركهم أحقاد شخصية ورؤى قبلية لا تصمد كثيرا أمام إغراء المال أو يكفي فقط أن يتبدل حال من يأتمرون بأوامرهم..وهؤلاء سيتـقلبون حتى فقدان الوعي لأن النظام الذي داس على كرامتهم إن وجدت سيدأب على تسخيرهم كلما عن له ذلك لاستجلاب التصفيق بمصادرة مال هذا، أو فرض ضريبة على ذلك الخ.. وسيكفى الثوار الحقيقيون شرورهم والحمد لله كثيرا.

هناك الفئة الأخيرة وهي فئة حركة “غَيَّرْ وَلَّ تُغَيَّرْ”…على قلة أفرادها هي الأمل وسترون!! وأهم ما في وجودها الجنينيّ الآن أنها فوق الاعتبارات القبلية والعرقية وإمكانية الوقوع تحت إغراءات التخويف أو الترغيب..! إضافة إلى كونها تكذيب حي لإيداعات الفئتين الأخريين بأنهما تملكان الساحة تحركانها متى شاءتا و تسكتانها متى شاءتا . فلتخسآ إذن! فالساحة ستتحرك كل جمعة إن شاء الله…وبعد فترة وجيزة عندما تنضج الظروف للانتقال إلى المرحلة النوعية الموالية ستكون التحركات شبه دائمة إلى ان يتحقق مطلب أعتبره بعض الشباب من هذه الفئة متجاوزا حيث لا ضرورة لبناء آمال حول إمكانية انصياع محمد ولد عبد العزيز للتغيير..فليرحل فحسب..! لكن الأغلبية ما تزال تعتبر أن ثمة فسحة لتدارك الأمر وشروع النظام سلوكا لا قولا في التغيير..سنرى! متى ..سنرى؟ يرد الآخرون.. إنه جدل سيحسم قريبا إن شاء الله لصالح ما يرضى الله عنا فيه ويتناغم مع ما نريده لوطننا وشعبنا وإن كان كاره (خاصة فئاته المتعلمة) للفقر الذي يتهددهم لقلة حيلتهم بمجرد ان يفقد أحد وظيفته .. ولا يعلم أن ما عند الله خير وأبقى ..لكن هذه أيضا مسألة إيمان ، الله واحده أعلم بمن قلبه عامر به!!

أقول وعلى الله قصد السبيل أن أولئك الشباب الذين يتسللون لواذا لمسح أحذية الجنرال الجائع إلى حرب يخوضها لشرعنة رتبته المنتزعة من دميته الانتقالية انتزاعا وهي لا تنال نياشينها إلا بالأعمال الحربية الباهرة، إلى هؤلاء أقول إنني وأنا أتابع تزلفاتهم المشينة والمهينة لهم قبل غيرهم انتابني شعور غريب بالامتعاض والمرارة لرؤية رجال الغد يرتهنون ويرهنون أنفسهم لنظام السرقة المنظمة وبيع وطن بكامله لصالحه الشخصي للتحكم في رقابنا إلى الأبد بالمال العام – إضافة إلى إلجام الأفواه بتهديد أصحابها بفضح سرقاتهم ..وهم يخافون ألا تعسا لهم فمم يخاف هؤلاء..من اتهمكم بالسرقة فاظهروا للدنيا بأسرها سرقاته الموثقة..وأدخلوا مع الثوار الحقيقيين الذين تعرفونهم ويعرفونكم وأضمن لكم أن مشاركتكم كفيلة بتطهيركم مما أعترى مسيراتكم المتعثرة من هفوات وكبوات..

وقد ألتمس العذر للشباب المهرولين إلى أعتاب النظام..فهم لم يجدوا في آبائهم اللصوص وإخوتهم وجيرانهم الملطخين بالسرقات قدوة تقيهم الوقوع في هذه المنزلقات..لكن لا عذر أبدا عندما يتعلق الأمر بالوطن..خاصة وأن ما يجري مؤسس على خدعة تتهاوى عندما نبسطها للجماهير ؛ فهذا النظام مفترض فيه أنه مرحلة انتقالية بدأت في 3 أغسطس 2005 وأيدناها على أن تتبع بانتخابات نزيهة تؤسس لميلاد جمهورية ثانية (والبعض يقول أولى باعتبار أن الانطلاقة سنة 60 كانت نيوكولونالية) لا أن يؤتى بمن جاؤوا لشرعنة انقلاب 2008 واغتصاب السلطة إلى الأبد (سترون أن هذه هي النية المبيتة لمن قال لي مقرب منه على لسانه أن الغبي كل الغباء من يستولي على السلطة ثم يتركها!!).. إذن نحن في مرحلة انتقالية طال أمدها ويجب أن نعمل من الآن على إجبار هذا النظام المتغلب بالترهيب وحفظ الأمن على حساب الأمان لتنظيم انتخابات حرة نزيهة لا نتركه يستعمل فيها لصالحه أو لفائدة من يضمن له النجاة من مصيره المحتوم في المساءلة والسجن وربما…أموالنا المسروقة نهارا جهارا من خزانتنا والهبات والمساعدات الدولية لقمعنا والسيطرة علينا وتشريد أبنائنا في الآفاق وطحن ضمائرنا وكسر تطلعاتنا بفرض الخضوع للجهل والحكم الفردي في عصر العلم وعصر الشعوب…

ولنا عودة مرات…ومرات…